شيخو شقاري وإعادة الأموال المجنبة في الخارج

قبل وبعد انتهاء النظام السابق وانطواء صفحته قبل ستة أشهر ونصف الشهر، ظل يدور حديث كثير عن أموال ضخمة قيل أنها مجنبة في بنوك أجنبية بالخارج، وسيتم استردادها، وظل الناس يسمعون جعجعة ولا يرون طحيناً. وما ظل ينشر في الميديا الحديثة والواتساب ويتم ترديده في مجالس الأنس وطق الحنك عن تلك الأرقام الدولارية الفلكية لم تصدر بخصوصه بيانات رسمية من الدولة لتؤكد صحة تلك الاتهامات أو تنفيها، لأن ما يُنشر في الميديا الحديثة والواتساب لا يعتمد عليه ولا يعتد به في ساحات القضاء والعدالة، وربما تكون فيه مبالغات أو تصفية حسابات، ولا يستبعد ان تكون هناك أموال مجنبة في الخارج ولكن ليس بتلك الأرقام الفلكية الأسطورية، وهناك فرق بين الملكية الفردية للأموال بطرق صحيحة وتجنيب أموال فيها شبهة فساد وتحويل أموال عامة بطرق ملتوية للحسابات الخاصة، وربما تكون هناك أموال خاصة ببعض التنظيمات السياسية أو المنظمات خارج إطار الدولة وسيطرة وزارة المالية، وربما تكون هناك أموال مجنبة ومسجلة بأسماء أفراد كانوا يشغلون مواقع رسمية في الدولة وفيها شبهات عمالة (ورشاوي) قدمت لهم نظير استغلالهم مواقعهم الرسمية وتقديمهم تسهيلات وخدمات لمستثمرين أجانب أو لدول وشركات أجنبية، وهذه حتى إن وجدت يصعب اثباتها بالأدلة المادية القاطعة، وربما توجد أموال مجنبة في الخارج ومرصودة لأداء مهام محددة مرتبطة بمصالح البلاد أو أمنها القومي، وهذه يسهل وضع اليد عليها أكثر من غيرها، إذا مرت عبر القنوات المختصة بطرق صحيحة. وهناك أموال خاصة يمتلكها أفراد وضعوها بمحض اختيارهم وإرادتهم الحرة في بنوك أجنبية، ولا يمكن أن يجبرهم أحد على استردادها. وإن البنوك الأجنبية لا يمكن أن تفرط في نظمها ولا يمكن أن تكشف أسراراً وأموالاً أودعت فيها واؤتمنت عليها، وإلا فإنها ستفقد ثقة كل المتعاملين معها وتسوء سمعتها ويكون هذا خصماً عليها، وتبعاً لذلك فإن السعي لاستعادة أموال قيل أنها مجنبة يحتاج لإجراءات طويلة معقدة، وفي كثير من الحالات يكون الطريق مقفولاً تماماً، وفي نهاية المطاف قد يتمخض الجبل ويلد فأراً، ولا تستعيد الدولة والخزانة العامة شيئاً يذكر. ومن يراهنون على استعادة اموال ضخمة متوهمة في الخيال لفك الضائقة الاقتصادية والمعيشية وسد العجز المالي في الميزانية، فإنهم يراهنون على شيء مجهول، وينتظرون الحصول على حبال بلا بقر. ولكن المؤكد أن الكثيرين من المغتربين السودانيين والمستثمرين يملكون أموالاً طائلة بالعملات الحرة في الخارج، ولو أعادوها بمحض اختيارهم للبلاد عبر المصارف ودخلت في الدورة المالية داخل الوطن، فإنها قطعاً ستساهم في الاستقرار الاقتصادي الذي ينعكس إيجاباً على معيشة المواطنين وعلى الخدمات والتنمية. ولكن أول وأكبر عقبة تصطدم بإدخال تلك الأموال والعملات الحرة عبر المصارف والقنوات الرسمية هي وجود سعرين للصرف، أحدهما هو السعر الرسمي والآخر هو السعر في السوق الموازي أو بالأحرى السوق الأسود وهو الأعلى سعراً، ولذلك يحجمون عن إعادة أموالهم عبر القنوات الرسمية. وما لم يتم القضاء على السوق الأسود في مجال العملات الحرة فإن الإحجام عن ضخ هذه الأموال في المصارف سيتسمر ويظل الشح فيها قائماً. ومن ناحية واقعية إذا حضر شخص وهو يحمل ألف دولار ووجد فرقاً يساوي عدة آلاف بالجنيه السوداني بين السعر الرسمي والسعر في السوق الأسود، فالمؤكد أنه سيحول ماله ويبيعه في السوق الأسود. وإذا أراد أحدهم تحويل مائة ألف دولار لشراء عقار مثلاً، وكان الاتفاق بين البائع والمشتري أن يتم الدفع بالعملة المحلية، فالمؤكد ان المشتري سيتجه للسوق الأسوق لتحويل ما لديه من دولارات، وهناك عائدات صادرات مجنبة في الخارج بالدولارات الحرة، مع التسلط على استحقاقات الدولة وعدم توريدها للخزانة العامة عبر بنك السودان، وبالقانون والحزم والعزم يمكن استعادتها منهم. والشيء المؤسف أن أعداداً لا يستهان بها من الجشعين يهربون ذهباً وعملات كثيرة من داخل الوطن لخارجه. وهناك تجربة ناجحة في نيجيريا قبل ما يقارب الأربعين عاماً، عندما فاز الرئيس شيخو شقاري في الانتخابات وأصبح رئيساً مدنياً عن طريق صناديق الاقتراع، فقد ناشد النيجيريين الذين يملكون أموالاً مودعة في الخارج إعادتها للدولة، مع تقديم تسهيلات كثيرة ومغريات عديدة لهم. وأعلن عفواً عاماً عن الذين نهبوا من الدولة أموالاً بطرق غير مشروعة وأودعوها في بنوك بالخارج، وطلب منهم إعادة هذه الأموال واستثمارها في وطنهم، لأن تدويرها في الداخل خير من تجميدها في الخارج. وأول من استجاب لمناشدته هو صديقه الرئيس الأسبق يعقوب قاوون الذي عاد من منفاه الاختياري ببريطانيا، وبنفس الطريقة فإن ادخال مدخرات المغتربين والمستثمرين وكافة المالكين لأموال في الخارج عبر المصارف، فيه فوائد لا تحصى. وهذا لن يتأتى في ظل وجود الفك المفترس والغول المتوحش المسمى السوق الموازي الأسود. وتقتضي الضرورة شن حرب شعواء شرسة للقضاء عليه مع ضرورة تشجيع الاستثمار والمستثمرين الجادين… وكما يقولون فإن الذي يضع يده في الماء الساخن ووقف على الواقع ليس كالذي يضع يده في الماء البارد… ولعل وزير المالية والاقتصاد الوطني الجديد الدكتور إبراهيم البدوي قد أدرك بعد أن جلس على رأس الوزارة الساخن، أن هناك أشياء عديدة لن تتحقق على الأقل في الفترة الانتقالية الماثلة، مثل اعفاء الديون الخارجية وجلب المساعدات من الخارج في شكل قروض أو هبات، مع عدم التعويل على استرداد أموال في الخارج لم تجزم الحكومة بوجودها من عدمه، وهي أشبه بشيء في مكان مجهول بعيد المنال (في أب رية والترية). والمؤسف أن اوضاع المواطنين المعيشية اخذت تتحول من سيئ لأسوأ، مع التقهقر للخلف بدلاً من التقدم للأمام. ونأمل أن تولى الحكومة جل همها لحل المشكل الاقتصادي العويص والسعي لإيجاد حلول عملية واقعية. ولكن المؤسف أن الانشغال بسفاسف الأمور والقضايا الانصرافية والتصريحات العشوائية والمعارك التي تدور في غير معترك، قد طغى على الانشغال بأمهات المسائل والقضايا الحيوية.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق