(وااو عَمُو)!!… رسالة إلى وزير النفط

ساعة ونصف الساعة بالتمام قضيتها الجمعة الماضية مُستمعاً لمحاضرة بعنوان (الصناعة النفطية في السودان الواقع وتحديات النهوض) أقامها منبر عُمران لمجموعة الاحياء والتجديد، وهي مجموعة شبابية تهتم بقضايا الفكر والسياسة والاقتصاد، ارسلها لي استاذ هندسة النفط بجامعة السودان الذي أدار تلك الندوة الدكتور/ الرضي عباس محمد نور، وتحدث فيها ايضا الخبير الجيولوجي الدكتور/ عثمان مالك محمد علي الاستاذ بالجامعات السودانية، وكلا الرجلين من أبناء (العيكورة)، وهُنا مصدر فخرٍ نضعُه في (جيب الساعة) مع أولئك أهلي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جريرُ المجامعُ، مع زميلهما الدكتور قُصيّ عوض أستاذ النفط بجامعة الخرطوم وللوطن نفخرُ بالجميع.
سأنقلك عزيزي القارئ لطرفة تذكرتها بعد فراغي من الاستماع لهذه الندوة القيمة.. كلفني جاري ذات عيد من اعياد الاضحية في بلاد الاغتراب أن (أذبح خروف أولاده) بالمسلخ لارتباطه بالعمل، وارسل معي ابنه وكان في المرحلة الابتدائية على ما اذكُر، فبعد أن وضع لنا الجزار اللحم في الكيس أتى لنا (بالكمونية) فانتفض الولد قائلاً: (واااو عمو دي ما قاعدين ناكلا)، ثم أتى لنا الجزار بكيس آخر به الكبدة فكرر ذات الاعتراض. ونزلت عند رغبة الطفل وحملت تلك الاطايب (خلسةً) لأوصلها لأسرته دون أن يعلم. الدكتور عثمان ذكر أن السودان يحرق عشرة ملايين طن من الغاز المُصاحب للنفط يومياً في حقل (المُجلد) كان يُمكن أن يُسال ويستفاد منه في توليد الكهرباء باستيراد تقانة لا تتجاوز (120) مليون دولار فقط! ولكن للأسف (الغاز لحق الكمونية)، الدكتور الرضي أضاف أن صناعة (البتروكيماويات) و (البوليمر) وسماد (اليوريا) ظلت غائبة عن صناعة النفط. واستنكر أن تتعاقد الحكومة مع مُستثمر على استخلاص النفط وتترك الغاز تماماً كما ترك صاحبنا (الكمونية والكبدة) للجزار.
معالي الوزير أتمنى وأنت تحتسي كباية الشاي السادة بمنزلكم بعد الدوام، أن تخصص ساعة ونصف الساعة عبر (اليوتيوب) اكتب (مجموعة الاحياء والتجديد) لتستمع لهؤلاء القامات السوامق من أبناء الوطن لم تجمعهم (آيديولوجيا) فكرية ولا حزب سياسي، بل جمعهم العلم والتخصص وحُب الوطن. استمع اليهم فقد تجد ضالة النفط عندهم، تحدثوا بكل شفافية ومهنية وعلم دون همزٍ ولا لمزٍ ولا إساءة لأحد.. تحدثوا بلغة الأرقام والمقارنات والطموح من أجل إنسان هذا السودان، تحدثوا باشفاق عما أصاب قطاع النفط وما كان يجب ان يكون عليه. وقالوا إنه مازال مديناً للصين بملياري دولار. ولم يغفل هؤلاء الشباب العلاقات الخارجية المتوازنة التي كان يمكن أن يحققها البترول مع الدول الاخرى إذا أحسنت الإدارة، تحدثوا بتفاؤل عن ثرواتنا الواعدة من النفط، تحدثوا عن احتياطي يُناهز خمسة مليارات برميل، تحدثوا عن (40) حقلاً بها ما يُقارب الألف بئر تعمل حالياً، تحدثوا عن شواهد البحر الاحمر والنيل الازرق والجزيرة التي لم تُستغل، عرجوا على الاتفاقيات المُجحفة والشركات المُساندة وتدخل الأمن والسياسة وغياب المستثمر الوطني.. تحدثوا يا سيدي عن ضعف الانتاج الذي لا يُقارن بمخزون الدولة. (200) ألف برميل تراجعت لسبعين ألف برميل، بينما دولة (أنغولا) ذات الاحتياطي المُقارب لنا تنتج يومياً مليوناً وسبعمائة ألف برميل!! وتناولت الندوة معالي الوزير الإبتعاث الخارجي و (العُواسة) التي كانت تُمارس سابقاً بعيداً عن معايير العلم وأصول التخصص. وأشارت بشجاعة لافتقار وزارتكم لاية رؤى وخطط للنهوض بهذا القطاع، وقالوا ان موظفها هو الأضعف مهنياً ومادياً مُقارنةً بموظفي الشركات الخاصة، تحدثوا عن الابراج التي لا فائدة منها (برأيهم) وقارنوها بشركات اكثرُ نجاحاً حول العالم تكتفي بمبانٍ مُتواضعة.. تحدثوا يا سيدي عن أن لا مقاييس ولا مُواصفات لصناعة النفط في السودان، والأمر متروك كحقل تجارب لتطبيق معايير الدول الاخرى، قالوا (وفق رؤيتهم العلمية) إن الأمل مازال قائماً، وان البُنية التحتية لدينا مُمتازة اذا توفرت الارادة السياسية الصادقة. وأورد هؤلاء الشباب يا سيدي تجربة (كازاخستان) وقالوا إنها الأنسب للسودان، وهي أنها لا تتسلم (الكاش) مُقابل النفط من الصين، بل طلبت أن تُقدمه لها كبنية تحتية من طرق وجسور ومستشفيات، وكان لها ما ارادت، تحدثوا عن ضرورة إعادة هيكلة قطاع النفط بالاستعانة ببيوتات الخبرة العالمية المختصة، وعندها (برأيهم) ستكون الكفاءة والمهنية هي الفيصل. تحدثوا عن ضرورة تنويع فرص الابتعاث، وذكروا ان العراق ابتعث خلال ست سنوات (600) دارس لروسيا وحدها، فحصل على كادر مؤهل في فترة زمنية قصيرة. وقالوا (بأسف) يا سيدي نحنُ في السودان تجاوزنا العشرين عاماً في مجال النفط ومازال حملة (الدكتوراة) يُعدُون على أصابع اليد. وقالوا إن سفاراتنا بالخارج بعيدة عن المُتابعة العلمية للمُبتعثين.
حقيقة معالي الوزير أدعوك بكل صدق وحب الى أن تستمع لأمثال هؤلاء الشباب وتفتح لهم أبوابك، فلديهم الكثير الذي يمكن أن يقدموه لهذا الوطن.. أدعوك بكل أمل مُشرق في نفوس أبناء هذا الشعب، الى ألا تلتفت الى الوراء، فما أقعدنا الا كثرة الالتفات الى الوراء، ولكن يجب أن يبقى الوطن فوق الجميع، ولتكُن الوطنية والكفاءة هي هدفك للنهوض بهذه الصناعة، والابتعاد عن المُحاصصة وتصفية الحسابات الحزبية الضيقة. وكما قال هؤلاء الأساتذة، إن لم نستطع النهوض بصناعة النفط فالأفضل لنا أن نتركه في باطن الأرض للأجيال القادمة، فقد يكونون أكثر منّا شفافيةً ونُضجاً ووطنية.. ودمتـــــــم بعافيــة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق