قبل الذهاب إلى محادثات سد النهضة في واشنطون

د. صلاح محمد إبراهيم
دخلت واشنطون في ملف سد النهضة في محاولة إنقاذ وفتح للطريق المسدود الذي وصلت إليه المحادثات بين الدول الثلاث السودان ومصر وإثيوبيا، وقد وافقت أثيوبيا أخيراً على حضور المحادثات بعد فترة تردد، ومن الواضح أن هناك خلافاً كبيراً بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة فجر ثورة وغضباً كبيرين بين المصريين بجميع احزابهم، وقد استخدم خلاله التراشق بألفاظ وكلمات جارحة وتهديد ووعيد باستخدام القوة وحشد الجيوش، وخلال التراشقات الأولى طال رشاش منها السودان أيضاً خاصة من الصحافة المصرية، إلا أن كل ذلك لا يجب أن يبعدنا عن النظر بعمق استراتيجي بعيد النظر في هذه الأزمة. وبينما تستعد وزير خارجيتنا ومعها وفد رفيع المستوى يضم وزير الري، لا بد من التفكير في هذا الملف من خلال نظرة استراتيجية فاحصة من جانبنا كدولة مصب ومنبع أيضاً، لأن الكثير من مياه الأمطار التي تصب في السودان تضيع هدراً في نهر النيل، وهناك حقيقة لا بد من أخذها في الاعتبار من ناحية استراتيجية، وهي أن هذا السد يجعل لأول مرة دولة واحدة تتحكم في تدفق كل مياه النيل الأزرق الذي تستفيد من كل إيراده دولتا المصب منذ فجر التاريخ، وهو أمر يضعف أو ينسف دور الهيئة الفنية المشتركة لمياه النيل بين السودان ومصر التي مقرها الخرطوم، وكانت الجهة الوحيدة المسؤولة عن تصريف مياه النيل، وهذا يعني أن هناك أزمة تتعلق بفكرة إدارة المياه وليس بالمياه نفسها، ومن خلال ما كتبته وقرأته عن هذه الأزمة لا أجد موقفاً واضحاً للجانب السوداني حول هذه القضايا، وهذا الجانب على درجة من الأهمية، فهي المرة الأولى في التاريخ التي ينتقل فيها ملف إدارة المياه من الهيئة المشتركة لمياه النيل إلي خارج السودان ومصر.
ويتحمل كل من السودان ومصر التعقيدات التي وصل إليها هذا الملف منذ بدايته، فقد ضيعت القيادات الوقت في الهموم والخلافات الهامشية بين البلدين مقارنة بمشكلة المياه، وأغفلت الهم الاستراتيجي الأكبر وهو النيل، وليس هناك خلاف حول الحقوق الإثيوبية في المنبع ولكن لا بد من التفاهم وتقديم التنازلات، فالقاهرة لديها مخاوف تتعلق بالسعة التخزينية للسد وكيفية إدارته وسلامته، وهي قضايا يبدو أن موقف السودان فيها ضبابي، وهناك أطروحات مختلفة ومتضاربة نشرتها الصحف أو من خلال منتديات من قبل خبراء الري السودانيين حول هذه المخاوف، من الواضح الان أن الهيئة أو اللجنة الفنية المشتركة لمياه النيل بين مصر والسودان فشلت في إبجاد موقف تفاوضي موحد بين البلدين في مواجهة إثيوبيا، وكان هذا هو المفروض أن يحدث، لأن هناك فرقاً بين الدول الثلاث، فاثيوبيا دولة منبع بينما كل من السودان ومصر دولتا مجرى ومصب، ومن حكمة الله سبحانه في هذا الكون أن جعل النيل ينحدر من قمم جبيلة شاهقة لكن يصعب الوصول إليها، وتنحدر مباشرة إلى داخل الأراضي السودانية نحو البحر المتوسط .
وللأسف لم تتمكن الهيئة المشتركة من التنسيق لأن العلاقات السودانية المصرية ظلت متأزمة بقضايا مثل ملف الإرهاب وحلايب، وهي قضايا مقدور عليها، ولم تدرك الدولتان أن عصر (الجيوبولتكس) بمعناه التقليدي قد انتهى، وأن عصر (الهيدروبولتكس Hydropolitics) قد بدأ، وأن حماية أمنهما المائي يكمن في وحدة مصالحهما باعتبارهما دولتي مصب، مع الأخذ في الاعتبار تلبية الحقوق الإثيوبية أيضاً، ونقول من حق إثيوبيا أن تستفيد من منابع النيل الأزرق، ولكن يجب أن يتم ذلك بتوافق وقبول كامل من دولتي المصب في ما يتعلق بالجوانب الفنية للسد وتأثيره في الدولتين، لأن النهر يرتبط بالمصير الحيوي لكل من السودان ومصر ومستقبل الأجيال القادمة في البلدين، ومبدأ الحقوق المائية المكتسبة مبدأ مستقر في القانون الدولي. وفي اعتقادي أن حساب المواقف هنا يجب أن يكون حساباً استراتيجياً، وأن يستبعد الحسابات والمواقف السياسية المتغيرة، فالنيل قضية استراتيجية ترتبط بالأمن القومي للبلدين وهو عامل استراتيجي ثابت، وحياة السكان ترتبط به منذ فجر التاريخ، والأمر ليس كذلك بالنسبة لإثيوبيا، فهي بحكم جريان النهر الذي يتدفق من منطقة وعرة ومرتفعة بها ظلت معزولة عنه لسنوات طويلة منعت استفادتها من النهر بسبب ظروف طبيعية وجغرافية معقدة.
كان اسمه في البداية سد الحدود Border Dam، وكان مفروضاً أن تكون سعته التخزينية (13) مليار متر مكعب من المياه، وبتلك السعة لم يكن يشكل خطراً، ولكن الخطط الإثيوبية تغيرت فجأة لتصبح سعة سد النهضة (سد الألفية) (73) مليار متر مكعب من المياه، وتم ذلك دون مشاورات كافية مع دولتي المصب، وسد بهذا الحجم الضخم لا يمكن أن يعتبر مجرد حائط على النهر، ولكنه مشروع إستراتيجي ضخم سيعمل على تغير موازين القوى في المنطقة، وستصبح إثيوبيا أكبر دولة منتجة للطاقة الرخيصة والنظيفة (أكثر من خمس مليار ميجاوات) في كل القارة الإفريقية، ولا شك أن ذلك سيخل بتوازنات استراتيجية في المنطقة التي استقر أمنها المائي منذ عصر الخديوي إسماعيل، فالخطوة الإثيوبية بتحويل مجرى النيل الأزرق استبقت التوافق وتقرير اللجنة الفنية، ويبدو أن ذلك قد خلق مناخاً من التوجس وعدم الثقة.
ومشروع سد النهضة لم يكن مشروعاً جديداً وظل مطروحاً من القرن الماضي، ولم يظهر إلى الوجود إلا في مرحلة الضعف الذي تمر به الدولتان، فلماذا لم تستعد الدولتان لمثل هذا اليوم؟، ومع سد النهضة سيكون هناك حارس بوابة جديد، وهذا الحارس لا يمكن أن تضمن الدولتان أن يعمل بطريقة مستقلة عن السياسات الدولية المتقلبة في المنطقة والتقلبات داخل دولة المنبع، فالحكومة الإثيوبية إن كانت صديقة اليوم فلن نضمن ما تخبئه الأيام في هذه المنطقة غير المستقرة، خاصة أن العلاقات بين دول المنطقة لم تستتب على حال واحد في كل الأوقات، بجانب المخاطر التي يذكرها البعض عن قيام السد في منطقة جييولوجية تكثر فيها الأخاديد والتشققات الأرضية التي يمكن أن تهدد سداً بهذا الحجم وربما تصدعه بمرور الزمن، كما أن الطاقة الاستيعابية الضخمة للسد تثير المخاوف، ومحادثات واشنطون تأتي في وقت لا تملك فيه واشنطون ورقة ضغط مؤثرة على السودان الذي تحاصره العقوبات دون بارقة أمل في الأفق، فهل يذهب الجانب السوداني لمجرد الاستماع والمراقبة؟ أم يستغل الظرف ويحصل على ما يريد من الجانب الأمريكي، وصراحة لن يحدث ذلك إلا إذا تبنى الوفد السوداني موقفاً جديداً لا يفوت على ذكاء الدبلوماسية السودانية الجديدة. ويحكى عن الشيخ فرح ود تكتوك أنه قال: (الخرطوم يا حرقة يا غرقة)، الخرطوم بالتأكيد مع تمددها الضخم لن تحترق، ولكن سد النهضة بتلك المياه الضخمة المحجوزة خلفه سيجعل الخرطوم مدينة لا تنام، وهناك انتقادات للدراسات الإثيوبية، ولا بد أن تنظر إثيوبيا الى تلك الانتقادات بعين الاعتبار حتى تكون مدخلاً للتفاهم بين الدول الثلاث وتقليل التوتر بينها، فهل تنجح واشنطون في تقريب وجهات النظر؟

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق