منصور.. قصة اختفاء غامض بأرض الحرمين

أربعة عشر عاماً وأسرته تبحث عنه

الخرطوم: صديق رمضان
والبلاد اجتاحتها مجاعة أجبرت مواطنون على مشاركة النمل فيما يدخره للسنوات العجاف، وقد تحولت أجساد معظهم الى هياكل عظمية وكانوا أحياء أقرب الى الأموات، وفي خضم أجواء مشحونة برائحة الموت، فإن الكثيرين لم يجدوا غير الهروب من الواقع الأليم الذي انعكس سلبياً على مجمل الأوضاع في البلاد في العام 1983، فكان أن حزم الشاب وقتها منصور احمد محمد احمد حقائبه وغادر مسقط رأسه وأرض أجداده قرية صقع الجمل بمحلية ودبندة بغرب كردفان ويمم وجهه ناحية الأراضي المقدسة، وطوال ثلاثة وعشرون عاماً استمرت حتى العام 2005 كان السند الحقيقي لأسرته التي أجزل لها العطاء من أرض الحرمين، غير أن الخير المتدفق توقف فجأة حينما اختفى منصور في ظروف غامضة منذ العام 2005 في العاصمة الرياض ومنذ ذلك الوقت، فإن والدته المكلومة التومة مردس احمد لم تتوقف دموعها عن الجريان ويحدوها الأمل في أن تعرف مصير ابنها الذي اختفى ولم يترك أثراً خلفه.
مندوب مبيعات
طوال ثلاثة وعشرون عاماً فإن منصور كان باراً بأسرته، هذا التأكيد يجري على ألسنة مواطني القرية الذين ورغم مرور ثلاثة عشر عاماً على اختفائه بالسعودية، ما يزالوا يأملون بأن يأتي يوم ويطل عليهم بقامته المديدة ووجه الصبوح، ليعلن نهاية حزن ظل ساكناً النفوس غير أن هذه الأمنية لم تتحقق حتى الآن، ليشكل غيابه الغامض فراغاً عريضاً وسط أسرته التي ما تزال علامات الاستفهمام ترتستم على مخيلتها وتبحث عن إجابات شافية لها، ومنصور الذي غادر الى المملكة العربية السعودية في العام 1983 اتخذ العاصمة الرياض مستقراً، حيث تنقل في عدد من الوظائف منها مندوب مبيعات بعدد من الشركات وآخرها كانت شركة «سلكي لاسلكي «وظل يعمل بجد واجتهاد فقد كانت تسيطر عليه مظاهر المعاناة، حينما غادر موطنه الصغير والكبير، وكان هذا يمثل له دافعاً للعطاء حتى يتمكن من نقل أسرته من براثن الفقر الى عوالم الراحة والثراء.
كانت حياته تمضي طبيعية لم يعكر صفوها طارئ، فعند نهاية كل شهر يذهب الى البنك او الصرافة لتحويل المال الى أهله، فهو كان باراً بوالديه. وهكذا استمرت حياته وهو يتجرع كأس الغربة المُر غير أن الفرحة التي ترتسم على وجوه أهله حينما تصلهم مساعداته، ودعواتهم له كانت تخفف عليه وقع أوجاع الغربة التي فرضتها عليه الظروف .
حسرة وحزن
كانت حياته تمضي بسلاسة ويتمنى أن يأتي اليوم الذي تنتهي فيه غربته الداخلية بإكمال نصف دينه وبالفعل ولتحقيق هذه الغاية، فإنه أرسل خطاباً الى أسرته قبل اختفائه يزف إليهم اقتراب عودته الى البلاد بعد ثلاثة وعشرون عاماً من الغياب، ليكمل نصف دينه، غير أن الرياح لم تجر كما يشتهي وهنا بحسرة وحزن يحكي شقيقه محمد الحسن ملابسات اختفاءه ويقول إن منصور كان على تواصل معهم وأكد حضوره الى السودان لإكمال نصف دينه، وكان ذلك في العام 2005 بيد أنه – والحديث لمحمد الحسن – انقطعت حبال الوصل بينه والأسرة دون سابق إنذار، بعد أن تعذر عليهم الوصول إليه، ويشير الى أنهم ظلوا يتصلوا عليه هاتفياً لأكثر من شهرين، ولكن دون جدوى، مما جعل أحد أقربائهم في المملكة يتوجه إليه في موقع سكنه بالرياض بحي تميم.
مفاجأة غير متوقعة
يمضي محمد الحسن في سرد تفاصيل الاختفاء الغريب لشقيقه ويضيف: توجه أحد أقربائنا الى سكن منصور وكانت المفاجأة أنه وجد باب الشقة مشرعاً بالإضافة الى أن هاتفه السيار كان موجوداً،ليس ذلك وحسب، بل وجد كل مستنداته الثبوتية فاتصل علينا وأخبرنا بهذه التفاصيل التي زدات الأمر غموضاً، وبعد مرور فترة من الزمن أراد قريبنا بالرياض إرسال المتعلقات الشخصية لمنصور وكانت عبارة عن جهاز كمبيوتر معطل ومبلغ 227 ريال غير أننا رفضنا استلامها وطلبنا منه تسليمها للشرطة، وهنا لابد من الإشارة الى أنه كشف عن أن أخي كان على تواصل معه حتى شهر أبريل من العام 2005 وأنه قد اختفى في ذات الشهر، ولكن حديثه غير صحيح لأن التواصل مع أخي ظل مستمراً حتى شهر مايو، كما أن هذا الشخص دخل الشقة دون أن نطلب منه ذلك، لذا رفضنا التعامل معه، ويلفت محمد الحسن الى أن شقيقه منصور كان على تواصل معهم حيث أكد لهم حضوره للزواج، مبدياً حسرته على فشلهم حتى الآن في معرفة أسباب اختفاء شقيقه.
طرق كل الأبواب
تمسكت الأسرة بأهداب الأمل في العام 2005 وكانت تتمنى أن ينهي ابنهم غيابه وأن يتسلل إليهم صوته عبر الأثير ليؤكد لهم أنه حي يرزق، وأن ظروفاً حالت دون تواصله معهم، غير أن هذه الأمنيات لم تتحقق فلم يجدوا بعد أن تطاول أمد غيابه غير التحرك لمعرفة مصيرة لتبدأ في العام 2006 اتصالاتهم وتحركاتهم وظلت أسرته منذ ذلك الوقت تطرق كافة الأبواب حتى تعرف مصير ابنها المجهول ولاستجلاء الحقيقة لم يكن أمامها غير اتباع القنوات الرسمية فكان أن خاطبت وكيل وزارة الخارجية، الذي بدوره خاطب الامين العام لجهاز شؤون المغتربين،وكذلك سفير السودان في الرياض، وخاطب الأمين العام لجهاز المغتربين سفير السودان في الرياض.
ولم تتوقف الخطوات عند هذا الحد، فالتفاعل الحكومي كان جيداً نسبياً، لكنه لم يسفر عن شيء وتحت إلحاح الأسرة فإن الخارجية السودانية خاطبت نظيرتها السعودية التي كشفت أن محاضر الشرطة بالرياض أوضحت أن حسين احمد محمد خير أبلغهم باختفاء منصور وأشار الى أنه كان يلتقيهم أسبوعياً ويعتقدون ربما اعترضته بعض الأشياء الغريبة .
استمرار البحث
وفي أغسطس من العام 2006 فإن والد المفقود تقدم الى الأمين العام لجهاز شؤون العاملين بالخارج بطلب تدوين بلاغ باختفاء ابنه بواسطة وكيل الخارجية والسفارة، وبالتزامن مع ذلك فإن الأسرة لم تجد أمامها غير التوجه نحو النيابة وتدوين بلاغ جنائي، وكان ذلك في العام 2007 بشرطة نيابة الخرطوم شمال بالرقم 1489 وبدورها خاطبت النيابة وكيل وزارة الخارجية ممثلاً في إدارة القنصليات والمغتربين، وسعى جهاز شؤون المغتربين الى مساعدة شقيقه محمد الحسن حتى يغادر الى الرياض لتقصي حقيقة اختفاء منصور، إلا أن السفارة السعودية رفضت منحه التأشيرة – كما يؤكد، وتضاعفت أحزان الأسرة، حينما حل العام 2010 الذي شهد شطب وكيل أول نيابة الخرطوم بعد استجواب المتهم لعدم الاختصاص، وظلت وزارة الخارجية تخاطب السفارة السعودية بالخرطوم والخارجية السعودية والسفارة السودانية في الرياض، غير أنها لم تتلقَ رداً.
استقرار في العاصمة
وحتى يتمكن من الوصول الى معرفة خبايا اختفاء شقيقه فإن محمد الحسن فضل الاستقرار في الخرطوم بعد أن ترك مسقط رأسه بغرب كردفان وظل يخاطب منذ ذلك الوقت حتى هذا العام الجهات ذات الصلة منها غير أنه لم يصل حتى الآن الى ما يزل غموض اختفاء شقيقه الذي يؤكد على أنه كان يعمل في السعودية وفقاً لعقد رسمي وإقامة قانونية، قاطعاً أنه كان يعمل حتى الثلاثين من أبريل في شركة سلكي اللاسلكي وأنه في الثامن والعشرون من نوفمبر من العام 2004 تقدمت مؤسسة أحمد عبد الوهاب عابد للتجارة بخطاب الى شركة سلكي اللاسلكي الوطنية للاتصالات بطلب تنازل عن كفالة منصور وقد وافقت على ذلك في السادس عشر من مايو عام 2005 وقد تم إخلاء سبيله، قاطعاً بأن شقيقه كان مواظباً على عمله ولا يعرف الغياب والتسيب، مبيناً أن شقيقه تقدم بخطاب الى الشركة التي يعمل فيها بتاريخ السادس عشر من شهر يناير من العام 2005 يعلن فيه استقالته عن العمل ورغبته في العودة الى السودان لظروف أسرية.
استعجال
يقول محمد الحسن إن وزارة الخارجية ممثلة في إدارة القنصليات والمغتربين ظلت تخاطب سفارة السعودية بالخرطوم وتستعجلها بالكثير من المكاتبات لمعرفة مصير شقيقه وتجاوزت خطابات الاستعجال الى سفارة خادم الحرمين الخمسة عشر.
ويشير الى أن الشرطة السعودية لديها علم بهذه الواقعة وللتأكيد على ذلك، فإن مستنداً يكشف عن أن السوداني الذي دخل شقة المفقود قد خاطب عدد من الجهات لإحاطتها علماً بحادثة الاختفاء وفي خطاب للسفارة السودانية بالرياض أوضح أن منصور ظل غائباً عن العمل ومسكنه لخمسة أشهر وأنه قد أبلغ الشرطة بهذا الاختفاء وتم تحرير خطاب للبحث عنه في أقسام شرطة البطحاء وإدارة الوافدين والمستشفيات، ولكن دون جدوى. وقال في خطابه إنه عثر داخل شقة المفقود منصور على مستنداته الشخصية منها الإقامة ورخصة القيادة بالإضافة الى مفتاح سيارته وجواله، ويؤكد أنهم في حيرة من أمرهم بسبب المتاريس التي تواجههم في سبيل العثور على ابنهم المفقود، ولفت الى أن رفض السفارة السعودية منحه تأشيرة الدخول للمملكة يبدو غريباً وليس له مبرر فهو يريد الذهاب لمعرفة مصير شقيقه فقط، ومن ثم العودة مجدداً الى السودان.
وناشد رئيس الوزراء الدكتور حمدوك بتكليف وزيرة الخارجية لتولي أمر هذا الملف ومخاطبة الجهات السعودية، مبيناً أن والدته لم تذق طــعم الراحــة منذ ثلاثــــة عشر عاماً عمر اختفاء ابنها منصور .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق