حكومة حمدوك.. صراع السياسة والقانون

ثقوب في جدار الدولة المدنية

تحليل: أحمد يوسف التاي
«دولة القانون» هو المبدأ الذي تأسست عليه أرضية الدولة المدنية في السودان عشية سقوط أعتى نظام دكتاتوري على يد الثوار في الحادي عشر من أبريل الماضي، ومن حينها لم يخلو خطاب سياسي لشركاء الثورة من المدنيين والعسكريين «قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري» من مُفردة «دولة القانون»،أو عبارة «كل شيء بالقانون» كما أن مواصفات هذه الدولة بدت واضحة في أذهان السودانيين من خلال شعار ثورة ديسمبر:»حرية سلام وعدالة»، مما يؤكد أن هذه الأضلاع الثلاثة هي ما تقوم عليها دولة القانون..ومما زاد الناس شغفاً وتوقاً لقيام «دولة القانون»، أن النظام المخلوع أسس نفسه على مصادرة الحريات والقهر والاستبداد والعنف والظلم، ومن الطبيعي أن يقوم النظام البديل على النقيض مما كان عليه النظام المخلوع، غير أن ما بدا للرأي العام بعد شهرين من تشكيل الحكومة، أن ثمة ثقوب كثيرة بدت تتراءى في ثوب دولة القانون المنشودة. في هذا التحليل رصدنا أخطر الاختراقات التي تعرضت لها فضاءات دولة القانون خلال الأشهر الماضية، وكان لها أثراً كبيراً على بناء مؤسسات دولة القانون، وذلك على النحو التالي:
وفاة الشرطي
كان آخر هذه التجاوزات والثقوب التي ظهرت في ثوب دولة القانون والمدنية، هو القرار الذي أصدره رئيس الوزراء أمس الأول الخميس والذي قضى بتشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات وفاة الشرطي «نزار»، وهو قرار في رأي أهل القانون يُعتبر تدخلاً في عمل النيابة العامة، إذ أن تشكيل لجان التحقيق في مثل هذه القضايا يندرج تحت مهام واختصاص رئيس النيابة العامة وليس رئيس الوزراء. فما علاقة الجهاز التنفيذي بعمل النيابة العامة؟، وهل تشكيل لجنة مستقلة يعني أن النيابة غير مستقلة؟! ويرى خبراء القانون أن هذه الخطوة تقدح في أسس دولة القانون التي تعتمد بالأساس على الفصل بين السلطات، إذ ليس من المعقول أن يتغوَّل الجهاز التنفيذي على عمل النيابات. فالقضايا المتعلقة بمنظومة العدل تكمل إجراءاتها داخل النيابة ومنها إلى القضاء دون أن يكون للسلطة التنفيذية أو التشريعية أي دور فيها. ففي ذلك تجاوز لاختصاصات وصلاحيات النائب العام كما يرى خبراء القانون الدستوري.
تعديل الوثيقة الدستورية
بحسب الخبر الذي انفرد به موقع (باج نيوز) في وقت سابق، أن المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير قاما بتعديل الوثيقة الدستورية بعد أن أصبحت نافذة ومشهوداً عليها من قبل المجتمع المحلي والإقليمي والدولي، وبعد أن وقعها ممثلا الطرفان (نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان (حميدتي)، والقيادي بـ (قحت) أحمد ربيع في احتفال شهده عدد من الرؤساء الأفارقة والوزراء والسفراء والشخصيات العربية والدولية. وبعد أن أصبحت دستوراً لا يجوز تعديله إلا بواسطة البرلمان، فقد نصت الوثيقة الدستورية في صفحتها الأخيرة على أنه: (لا يجوز تعديل او إلغاء هذه الوثيقة إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي ).
وتنص الوثيقة على أن اختصاصات مجلس السيادة وسلطاته تنص على أن رئيس القضاء (يتم تعيينه من قبل مجلس السيادة بعد ترشيحه من قبل مجلس القضاء العالي)، وتبين لاحقاً أن ما دفع بالطرفين لهذا التجاوز، هو أن الوثيقة تحول دون تعيين رئيس القضاء إلا بواسطة مجلس القضاء العالي الذي يعينه مجلس الوزراء والذي لم يتم اختياره حتى الآن، ولذلك حاولا الالتفاف على النص الأصلي بإضافة الفقرة غير الدستورية التي كشفتها الصحافية لينا يعقوب والتي تقول :(ولحين تشكيل مجلس القضاء العالي يعين مجلس السيادة رئيس القضاء)!.
تمديد الطوارئ
ومن الاختراقات الكبيرة لفضاءات دولة القانون، هو توافق المجلس السيادي المكون من قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري على تمديد حالة الطوارئ، وهو وضع استثنائي يتنافى وأسس دولة القانون، كما أنه لم تكن هناك حاجة أو مبررات لفرض حالة الطوارئ، إلا أنه تبين لاحقاً أن الهدف من الإجراء استمرار حبس رموز النظام المخلوع، وهو وضع يتنافى مع مبادئ العدالة ودولة القانون.
قادة النظام المخلوع
ومن الإجراءات التي اتخذتها حكومة حمدوك هي استمرار اعتقال رموز النظام السابق دون محاكمة على الرغم من استكمال بناء المؤسسات العدلية والقضائية باختيار رئيس للقضاء ونائباً عاماً، ويرى أهل القانون أن استمرار حبس رموز النظام المخلوع دون توجيه تهم محددة في مواجهتهم أو تقديمهم للمحاكم أمر يتنافى وقواعد العدل، وهي ممارسة درج عليها نظام البشير المخلوع حيث كان يزج بخصومه ومعارضيه في السجون ويودعهم الحراسات دون توجيه تهم محددة ودون تقديمهم للمحاكمة، وهذه الممارسة اليوم ما يُعد بقعةً سوداء في ثوب دولة القانون الذي يفترض أن يكون ناصع البياض.
إذن.. من السرد أعلاه، يتبين أن حالات الالتفاف والتغوُّل وتقاطع السلطات وتضارب الصلاحيات، يحدث في الغالب لتحقيق أجندة وأغراض سياسية. فما يكون من وراء تجاوز للقانون أو الالتفاف عليه، إلا هدف سياسي مما يجعل المشهد أشبه بصراع السياسة والقانون، فإما أن ينتصر القانون أو السياسة، وفي الحالتين تكون أرضية المعركة التي تشهد الصراع هي «دولة القانون»..فهل قلتُ دولة القانون أم «الغانون»..

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق