التحقيقُ المنُتقى في انقلاب 89 وعدالةٌ تطوي السنين القهقرى

أيوب صديق

جاء في الأخبار أن سلطات الثورة بدأت التحقيق في الآونة الأخيرة خبرٌ عنوانه:(النائب العام يشكل لجنة تحقيق في انقلاب عام89 وذلك مع نفر ممن قاموا به، فاستوقفني الهدف من هذا التحقيق في ذلك الانقلاب، الذي قامت به ثورة الإنقاذ على حكومة السيد الصادق المهدي المنتخبة ديمقراطياً، ونصبَّت نظامها الذي حكم البلاد ثلاثين عاماً، مما جعل السيد الصادق واجداً على ذلك النظام، طيلة هذه الأعوم الثلاثين، حتى قضى الله تعالى بزواله حسب سننه في كونه، فشبع السيد الصادق بزواله شماتةً وارتوى. إلا أنه شبعٌ وارتواءٌ لم يشفيا له غليلاً على قائد ذلك الانقلاب، الرئيس السابق عمر البشير، فأخذ يدعو بأساليب مختلفة، إلى تسليمه إلى محكمة الجنايات الدولية.
فقد تحدث السيد الصادق ذات مرة، عن ذلك التسليم المُرتجى، عن أخذ رأي أولياء الدم بشأنه، مما يبدو ذلك حثاً لهم على التحرك من أجل ذلك، والتقدم بطلب تسليمه إلى حكومة الثورة. ولم يمر قليلُ أيامٍ إلا ورهطٌ، قيل إنهم من أولياء الدم، لم يخيبوا له ظناً، فتقدموا بطلبٍ إلى الحكومة، راجين تسليمه تلك المحكمة. وقبل أيام تحدث أيضاً في إحدى الصحف، عن ضرورة البحث عن آلية لتسليم البشير إلى المحكمة الدولية، وفي ذلك أيضاً كما يبدو، حثٌ منه للذين منوط بهم أمر ذلك التسليم، بالإسراع في خطواته. وفي ضوء ذلك صدرت تصريحات من جهة هنا وجهة هناك، بأن الحكومة وعدت بتسليمه. ثم يأتي تصريح من جهة هنا وجهة هناك، ينفي أن الحكومة وعدت بذلك التسليم وهلم جرا.
ربما يقال إن هذا التحقيق الذي تعمل عليه حكومة الثورة مع الإنقاذيين سيكون تحت أحد بنود شعارات الثورة وهو (العدالة)، وبسبب إطاحتهم بالنظام الديمرقراطي، وأن جرم الإطاحة بنظام ديمقراطي عند حكومة الثورة جرم لا يسقط بالتقادم، وأن عدالتها لا تحد مداها الأعوام، ولذا فهي تحاسب على انقلابٍ وقع قبل ثلاثين عاماً، وهو عند السيد الصادق، رئيس الحكومة التي أطاح بها الانقلاب أمرٌ كانه وقع أمس، ولذلك يجب أن يُحاسب عليه من قاموا به.
لعله مما يُذكر، أن حزب السيد الصادق ـــ حزب الأمة ـــ هو أول حزب سنَّ سنة الانقلابات العسكرية على النظام الديمقراطي في البلاد. ففي نوفمبر من عام 1958، وفي جو اضطرابٍ سياسي، أوشك فيه الاتحاديون على العودة إلى الحكم، مقصين عنه حكومةَ حزب الأمة، التي كان يترأسها آنذاك السيد عبد الله خليل، فأيقن عبد الله خليل بذلك ــ كما تواترت الروايات ــ فتقدم إلى قائد عام الجيش، الفريق إبراهيم عبود، وطلب منه أن يستلم السلطة في البلاد، حارماً بذلك الاتحاديين من العودة إليها. فاستلم الفريق عبود السلطة، فأوقف العمل بالدستور، وألغى البرلمان، وقضى على نشاط الأحزاب السياسية، فقضى على الحكم الديمقراطي المنتخب، وكان ذلك أول انقلاب عسكري في السودان الحديث، أُطلق عليه آنذاك تعبير (تسليم وتسلم) كناية عن الطريقة التي تم بها. وإن قيل إن تلك الخطوة قام بها عبد الله خليل منفرداً، فإن ذلك لا يستقيم منطقاً، إذ انه كان الرجل الأول في الحزب ولا يُعقل أن يقوم بتلك الخطوة الكبيرة بمنْأى عنه، إنه انقلاب عسكري، على نظام ديقراطي، وإن اختلفتِ الوسيلةُ التي جاء. أفلا يُعتبر ذلك في نظر حكومة الثورة، الحريصة الحرصَ كلَه على الديمقراطية، والتي ترى أن عدالتها تطوي السنين القهقرى، فتحاكم على ما مضى وإن طالت به الأعوام؟ فإن كان ذلك كذلك، ألا ترى أنه يتحتم عليها التحقيق مع حزب الأمة، إعمالاً لمبدأ المحاسبة على جرم الإطاحة بالحكم الديمقراطي وهو الجرم الذي لا يسقط بالتقادم؟
تتابعت بعد ذلك الانقلاباتُ كل بطريقته، فمنها ما كُبت في مهده ومنها ما نجح. ففي مايو من عام 1969 دبر الشيوعيون والناصريون والقوميون العرب كما تقول الوثائق انقلاباً بقيادة العقيد آنذاك جعفر نميري، على الديمقراطية الثانية، وكان رئيس الوزراء آنذاك السيد الصادق المهدي، فسقى لاحقو العسكريين حزبَه، من الكأس التي سقى بها هو خصومَه الاتحاديين، من يد السابقين من العسكريين. فما رأيُ حكومة الثورة في تلك الديمقراطية المُطاح بها عسكرياً، أيسقط جرم الإطاحة بها بالتقادم، أم تستحق تحقيقاً فيه مع من ارتكبوه؟ أم أن عدالتها هنا تقصُــر عن أولئك الذين قاموا بذلك الانقلاب فلا تمتد إلى التحقيق معهم، ويظل التحقيق وقفاً على إجرائه مع الإسلاميين فحسب، وقد فُصل عليهم تفصيلاً؟
أما إن قالت حكومة الثورة إن انقلاب الإسلاميين في عام 89 مع إطاحته بالديمقراطية سُفكت فيه دماءٌ كثيرة، ولذا وجب التحقيق معهم فيه، فيكون الرد عليها بأنه ليس نظام الإسلاميين من استن سنة سفك الدماء، فقد سبقهم بذلك نظام مايو بزعامة الشيوعيين، فقد سفكوا فيه دماءً كثيرة في انقلابهم على النظام الديمقراطي عام 1969 المشار إليه آنفاً، ومن ذلك تنكيلهم بالأنصار، مما أدى إلى مجزرة الجزيرة أبا وحوادث ودنوباوي. ففي أمر الجزيرة أبا فقد قُصفت بالطائرات عصر الجمعة 27مارس 1970م، واستمر القصف حتى يوم الثلاثاء، فقتل في ذلك حوالي ثلاثة آلاف شخص، وأصيبت آلاف كثيرة، ولوحق الإمام الهادي وهو منسحب فقتل. وفي يوم الأحد 29 من شهر مارس عام 1970م قصفت دباباتُ نظام مايو مسجد الهجرة بحي ودنوباوي بتدبير وتفكير قادة الحزب الشيوعي، الذي كان يمثل الذراع السياسية للنظام في ذلك الوقت، فسقط المئاتُ قتلى وجرحى من شباب وشيوخ الأنصار، وتهدمت أركان المسجد، وسقطت مئذنته، ونصب الحُزن سرادقه في كل بيت، ألا يستحق أولئك الذين اقترفوا ذلك الجرم التحقيق معهم، وهم أطاحوا بالديمراطية وسفكوا الدماء قبل الانقاذ؟ أم أن ذلك أمر يجري على الاسلاميين فقط، الذين ما قامت الثورة إلا للقضاء عليهم، كما قال وكيل أول وزارة الثقافة والإعلام الرشيد سعيد وهو القائل: إن الثورة قامت ضد الإخوان المسلمين وضد التيارات الإسلامية وضد نظام ينادي بالدولة الإسلامية؟
وكما يشهد التاريخ، فإن الضباط الشيوعيين في نظام مايو عندما انقلبوا على رفاقهم في النظام يوم 19 يوليو 1971 م، واستمر نظامهم ثلاثة أيام فأُطيح به، وكانوا قد احتجزوا عدداً من الضباط أسرى في بيت الضيافة، وعندما صارت كفة الاحداث تميل ضد انقلابهم، أمروا حراسهم عليهم فقتلوهم وهم في الأسر، في جريمة هزت أركان البلاد، وقد أدلى من شهد تلك الجريمة بشهاداته عليها وسمى من قاموا بعملية قتل الأسرى، فهل يمتد سلطان (عدالة) الثورة للتحقيق في تلك الجريمة؟ أم تلك دماء لا تستحق التحقيق فيها، ويظل التحيق قصراً في الدماء التي سفكها الاسلاميون، الذين ما قامت الثورة إلا للقضاء عليهم، كما قال الرشيد سعيد؟
هذا.. وسأكتب إن شاء الله تعالى موضوعاً عن مشاهداتي الصحفية عن دنوِّ شمس حكومة السيد الصادق للغروب، وما تسبب من أحداث في تلك الفترة أدت إلى انقلاب الانقاذ، كما سمعتُ من بعض كبار العسكريين في الخرطوم قبيل ذلك الانقلاب، وإلى لقاء بإذن الله.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق