يوميات «قرية» تحت قصف السرطان ..! «1»

حريق أبونعامة والاستثمار وحقوق المواطنين

الخرطوم: صديق رمضان
كان يسرد في أسماء مواطني القرية الذين فارقوا الحياة بمرض السرطان وحينما وصل إلى الرقم سبعة وهي الفقيدة مناهل إبراهيم حسن، تسللت الدموع من مقلتيه، حاول أن يستعيد رباطة جأشه إلا أن الحزن الذي يسكن دواخله كان أقوى من ثباته الانفعالي، ولم يجد الشاب الثلاثيني عبدالمحسن مصطفى غير تمرير الكشف الذي كان يقرأ منه إلى أحد الشباب الذي كان يجلس بجواره وهو الآخر أخفى دموعه ليصل إلى الرقم سبعة عشر منهياً قائمة الذين أنهى مرض السرطان بقرية قنوفة بمحلية أبوحجار بولاية سنار حياتهم، وفي هذه القرية تتجلى جدلية حياة الإنسان أم الاستثمار في أوضح صورها، فالمتهم الرئيس في تفشي أمراض السرطان والإجهاض والجهاز التنفسي مشروع زراعي يفترض به أن يغير حياة المواطنين إلى الأفضل وليس إلى الأسوأ .
صنعاء والسفر
ولأنها ظلت تتصدر عناوين أخبار صحف الخرطوم في الفترة الأخيرة لارتباطها بأحداث إنسانية واقتصادية، ولاستجلاء الحقيقة كاملة كان لزاماً علينا أن نيمم صوبها فهناك تكتمل الحقيقة أو هكذا يفترض أن يكون الواقع، في الساعات الأولى من الجمعة تحركنا ونحن نغالب النوم وإرهاق أسبوع من العمل الصحفي المضني، انتصرنا على الرهق لأن المهمة التي نحن بصددها تستوجب أن نعتذر لأطفالنا عن عدم قضاء عطلة الأسبوع معهم، فالأمر حينما يتعلق بحياة الإنسان تنتهي دونه كل الأولويات، ونحن في طريقنا إلى قنوفة تركنا الخرطوم وقد لفها الظلام في تلك الساعة الباكرة من الصباح التي خلت من المارة ومن ضجيج النهار، تدثرت العاصمة المليونية بالصمت الذي يميزها ليلاً، صمت ربما جاء من واقع عودة النوم إلى المآقي بعد أن جافاها لثلاثين عاماً عجافاً، وفي الطريق ورغم صفوف الوقود الطويلة أمام عدد من المحطات بولاية الجزيرة، إلا أن آثار الخريف الناجح الذي أشعل الحقول قمحاً ووعداً وتمني خففت علينا من وعثاء السفر، كنا حينما نمر بأرض يكسوها الإخضرار يحدونا الأمل بأن غداً أفضل ولكن حينما نعبر مساحات شاسعة من القفر اليباب يتملكنا الحزن لعدم استغلالنا الموارد الضخمة التي تحظى بها بلادنا ونقول سراً ربما يكون باكر أفضل، بعد أن أشرقت الشمس ونحن على مشارف ودمدني عادت بنا الذكرى إلى أيام مضت حينما كانت هذه المدينة العريقة رئة البلاد في الكفر والوتر وقلنا هل تسترد ذلك الماضي التليد في عهد شاركت في صنعه خلال ثورة ديسمبر المجيدة، لنعبر سنار وسنجة ويبلغ بنا الإرهاق مبلغاً عظيماً ولكن شوقنا إلى مقابلة أهل قرية قنوفة كان يسبق أعيننا ويخفف عنا وطأة الإرهاق وعند العاشرة صباحاً لاح لنا مشروع أبونعامة الذي كان ينتج الكناف في زمن ماض قبل أن تأتي الإنقاذ وتحوله إلى ماض يسرد .
وصول وأسئلة
ونحن في طريقنا إلى القرية بعد أن مررنا بمزارع محصول القطن المُحوّر وراثياً وقع نظرنا على مصنع الكناف الذي يقف شاهداً على الجرائم التي ارتكبتها الانقاذ في حق هذا الوطن، فالصمت الذي يلفه يتناقض مع تلك الايام التي كان يعج فيها بحركة الاليات والعمال والموظفين والمزارعين، تلك ايام مضت لم نجتر ذكرياتها كثيراً بعد ان وصلنا الى قرية قنوفة التي تقع في محلية ابوحجار وداخل مشروع الكناف بابونعامة ويحدها شرقاً النيل الازرق وتبعد عن طريق الاسفلت القومي الذي يربط بين سنار والنيل الازرق خمسة كيلومترات، وهنا لابد من الإشارة الى اننا وعلى اطراف القرية شاهدنا بصاً سياحياً تحرسه ثلاث عربات شرطة وحينما سألنا عن ذلك علمنا انه وفد اعلامي احضره رجل الاعمال معاوية البرير وحينما سألنا الشباب هل زاروا القرية واستمعوا اليكم اجابوا علينا بالصمت ربما تأدباً لان الذين كانوا في البص زملاء لنا في ذات مهنة البحث عن الحقيقة، عموماً لم نهدر الوقت فالساعة كانت الحادية عشرة صباحاً واردنا استغلال زيارتنا الى اقصى مدى، جلسنا الى شباب القرية قلنا لهم، ماهي حقيقة تفشي الامراض وسط المواطنين ولماذا حرقتم مشروع رجل الاعمال معاوية البرير، قبل ان يجيبوا على اسئلتنا طلبوا منا ان نصطحبهم في جولة سريعة .
المرض يحكم قبضته
خرجنا من «الديوان» الذي تمت استضافتنا فيه الى منزل لا يبعد عنه كثيراً ، وليتنا لم نذهب فالمشهد برمته يحكي عن المصاب الجلل الذي ألم باهل القرية الوادعة التي لم تعرف الامراض الخبيثة منذ ان خلق الله ارضها ومن عليها من سكان، فقد وجدنا الطفل الخاتم الهادي مصطفى ممدداً على سرير داخل غرفة متواضعة تجسد واقع اهل القرية الذين يحترف معظمهم الزراعة، الصغير الذي اجبرته الظروف على تجميد دراسته هذا العام تمكن من جسده النحيل مرض السرطان وجعله لا يقوى على المسير والوقوف ورغم بتر رجله قبل ايام من وصولنا الا ان ابتسامة ارتسمت على محيّاه الوضاء بدا مؤمناً بما اصابه غير ان ثمة حزن يغطي وجهه البريء والسبب كما افادنا الشباب رحيل والده الهادي مصطفى الزاكي بذات المرض الذي تمكن من ابنه، رحل الهادي في الثامن من سبتمبر وكان يلازم صغيره بمستشفى الذرة بالخرطوم ، ذهب وترك في عيون ونفس ابنه حزناً وحسرة، الصغير الخاتم تحدث لنا بثبات ومثل غيره من سكان القرية فقد اشار باصابعه الى المتهم الرئيس الذي يقف وراء مصادرة الارواح وتفشي الامراض بالقرية .
ذات التفاصيل والألم
المتهم الرئيس أزاحت عنه المواطنة حكم الله محمد علي الحوري النقاب، وذلك حينما اشارت الى ان السرطان الذي تمكن منها ونال من عدد مقدر من مواطني القرية، يعود الى الاستعمال الخاطئ للمبيدات في مشروع الامن الزراعي ،رغم ان المرض بدا واضحاً على جسدها النحيل الا انها كانت اكثر صبراً وايماناً، لم تهتم كثيراً بالجرح الغائر في دواخلها بل تمنت ان تلتفت الحكومة اليهم وتتذكر ان ثمة مواطنين سودانيين يرزحون تحت وطأة امراض اقسمت برب العباد ان القرية لم تعرفها من قبل، وقالت ان الملاريا فقط هي التي كانت تصيب المواطنين، وبعد ذلك كان لزاماً علينا ان نترحم على روح الفقيدة مناهل حسن محجوب التي غادرت قبل ايام معدودة الحياة بعد ان تمكن منها مرض الفشل الكلوي الذي لم يترك لها مجالاً لوداع اسرتها فقد فاجأها بدخول جسدها وبذات السرعة رحلت عن الدنيا وهنا في هذه القرية يتفشى ايضاً الفشل الكلوي، واكثر ما يصيب المرء بالألم مع الايمان والتسليم بقدر الله انها كانت تحمل في احشائها طفلاً ارادت مشيئة السماء الا يخرج الى الحياة حتى لا يشرب من ذات الكأس العلقم التي يتجرعها مواطنو قنوفة ظلماً ومرضاً ووجعاً.
«لم أستطع التصوير»
ونحن في طريق عودتنا الى «الديوان» الذي تمت استضافتنا فيه استوقفني احد الشباب الذي كان يرافقنا وطلب مني ان اتعرف على احدهم، قال ان اسمه عبدالعليم عبدالعظيم ،قلت ماهي حكايتك ،فاشار الى انه مصاب بمرض سرطان اللثة، سألته:»هل تتعاطى التمباك»، فنفى ذلك نفياً قاطعاً واشار الى انه كان يرعى بالماشية بالقرب من مشروع القطن المحور وحينما شعر بالعطش شرب مياه من الترعة ويقول انه لحظتها شعر بان جسده ليس علي ما يرام ليلازمه الألم في فمه وبعد مقابلة الاطباء بالخرطوم تأكدت اصابته بسرطان اللثة، ومنذ ذلك الوقت ظل يخضع لعلاج كيميائي بالخرطوم ،ويكشف عن اقتراب تماثله للشفاء ،بعد ان انهى حديثه حاولت تصويره ولكن عجزت عن فعل ذلك فمنظره مؤلم ورغم ذلك فان الشاب الذي يبلغ ثمانية عشر عاماً من عمره يبدو سعيداً بتماثله للشفاء ويتمنى الا يغدر به المرض .
ماذا حدث؟
هكذا سألنا الشباب في مقر اقامتنا المؤقتة التي استمرت لساعات، واستفسرناهم عن اسباب حرقهم لمشروع رجل الاعمال معاوية البرير ،الاجابات جرت على اكثر من لسان، قالوا انهم وبعد ان لاحظوا تفشي الامراض في القرية في العام الماضي والحالي ومات على اثرها اكثر من ثلاثين مواطناً منهم سبعة عشر بالسرطان والذي يخضع اثنان وعشرون ايضاً للعلاج منه، بالاضافة الى حالات الاجهاض التي وصلت في هذا العام الى 95 حالة واصابة ثلاثمائة بضيق في التنفس ،بعد ان شعروا بوجود شيء غير طبيعي طرقوا بصورة سلمية عدداً من الابواب التي يقبع خلفها المختصون علمياً وطبياً وان جميعهم اكدوا بعد اخضاع التربة والمياه وعينات من دماء المواطنين للتحليل ان سبب الامراض يعود الى المواد الكيميائية التي تستعمل في زراعة القطن المحور وراثياً، واشار عضو اللجنة التي كونها الوالي السابق لولاية سنار للتقصي محمد نور الى ان اللجنة استوثقت بالدليل القاطع وبصورة علمية من ان الاستعمال الخاطئ للمبيدات بالاضافة الى تلك منتهية الصلاحية عطفاً على صبها في مياه الترعة ووصولها الى «الميعة» التي تقع الى الشرق من القرية من الاسباب المباشرة لتفشي الامراض، مبيناً ان هذا الامر اعترفت به حتى الشركة وعلى اثر ذلك تم ايقاف العمل في المشروع بقرار من الوالي الى حين استيفاء الشركة الشروط التي حددتها اللجنة الفنية المختصة، ويؤكد انهم لولا زيادة وتيرة الامراض والوفيات لما طالبوا الجهات المختصة باعادة النظر في القطن المُحوّر وراثياً الذي اكدت عدد من الجهات الرسمية عدم اجازته خاصة الصنف «ار ار» وكذلك المبيد الذي يستعمل لإنباته.
حسرة واتهام
قلنا لهم إذاً لماذا حرقتم مشروع البرير ،فاشار اكثر من متحدث الى ان المفاجأة الحقيقية تكمن وراء عدم عثور حكومة الولاية على عقد استثمار البرير للمشروع الذي تبلغ مساحته 35 الف فدان والذي يكشفون انه وعندما استلمه قالت حكومة الولاية وقتها في العام 2008 ان البرير سوف يستثمره في الامن الغذائي وهذا يعني زراعة محاصيل غذائية وليس قطناً مُحوّراً، يقول محمد شكر الله الطيب انه كان مرافقاً للجان التي زارت المشروع بعد شكواهم وانها استمعت الى كل الاطراف بما فيها ادارة الشركة التي اقرت بوجود عبوات منتهية الصلاحية من المبيدات التي كانت في المخازن وتسربت مع مياه الامطار الى الميعة، ويعود محمد الزين سعيد ويشير الى ان لجنة تقصي الحقائق اكدت وجود مبيد يُمنع منعاً باتاً استعماله في المياه بالاضافة الى عدد من المخالفات وانها دفعت بعدد من التوصيات ،ويؤكد ان ادارة الشركة ضربت في تحد سافر للقانون بتقرير وتوصيات الخبراء عرض الحائط وقررت استئناف نشاطها .
الحادثة والظلم
وعن اتهامهم بحرق آليات البرير نفوا عن انفسهم هذا الاتهام وابدوا حسرتهم على سلوك مدير شرطة ابوحجار العقيد ادم محمود، الذي احضر قوة من ست سيارات تاتشر وعلى متنها جنود وقال ان الشرطة يوم الحادثة وبرفقة مدير المشروع حطمت الاقفال التي وضعتها اللجنة وان المدير ومن معه مارسوا استفزازاً على المواطنين في الوقت الذي اكد فيه المدير التنفيذي لمحلية ابوحجار عدم معرفته بخطوة الشرطة وادارة المشروع ،ويلفتون الى انهم على ثقة تامة بان الذين حرقوا المكاتب موظفون يتبعون للشركة ، وكشفوا عن مفاجأة غريبة حينما اشاروا الى ان المخازن تعرضت لحريق متعمد في اليوم الثاني للحدث، واضافوا :القرية كانت محاصرة بقوات الشرطة وكذلك المشروع فكيف يتمكن المواطنون من حرق المخازن التي كانت تحوي المبيدات منتهية الصلاحية ،ويتحسر المواطنون على مسلك نيابة ابوحجار التي رفضت تدوين بلاغ ضد الشركة وظلت تمارس عليهم تسويفاً ومماطلة، بل ان شاباً غاضباً قال «الثورة التي انتظمت كل البلاد لم تغش رياحها ولاية سنار عامة ومحلية ابوحجار تحديداً فكل الاجهزة بما فيها الوالي تقف بجانب رجل الاعمال وهذا يذكرني بفيلم مرجان احمد مرجان للممثل المصري عادل امام ،ولكن «نحنا لينا الله» ،هل تعلمون بانه لم يزرنا احد ،ولا نجد غير ان نتحسر على الوالي السابق الذي كان نصيراً لنا وللمظلومين» .
أربعة متهمين
يعود محمد زين سعيد ويشير الى انه وعقب الحادثة تم القاء القبض على احد عشر مواطناً بطريقة عشوائية منهم طلاب في المدارس، وان هذا جعل وكيل النيابة يشدد على الشرطة بانه اذا لم يقدموا ادلة دامغة بتورط المواطنين الموقوفين في الحريق سيطلق سراحهم وكان ان تم الافراج عن سبعة ولا يزال اربعة وراء القضبان، رغم ان احدهم كان في يوم الحادثة بمدينة سنجة لتكملة اجراءات ترخيص عربته ،ويبدي محمد زين حسرته على الظلم الذي تعرض له مواطنو القرية الذين اشار الى انهم خرجوا عن بكرة ابيهم في العام 2008 لاستقبال معاوية البرير بل نحروا له الذبائح ظناً منهم ان الخير على قدوم الواردين ولكنهم حصدوا بعد ذلك الامراض، والتي اكدها في تصريح لـ(الانتباهة) طبيب مستشفى ابونعامة الدكتور محمد جعفر الذي اشار الى ان معدلات الاجهاض تمضي في تصاعد كبير، بالاضافة الى التهابات الجهاز التنفسي وجرثومة المعدة والحُميات بمختلف انواعها، عطفاً على السرطان ،ونفى ان يكون البرير وطوال وجوده مديراً طبياً لاربعة اعوام قد قدم دعماً للمستشفى.
في الحلقة الثانية :
ماذا قال أهالي قنوفة عن حرق مشروع البرير؟
بماذا ترد إدارة مشروع البرير على اتهامات الأهالي ؟

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق