البنك العقاري السوداني.. تجــاوزات لا تحــصى

الخرطوم: صديق رمضان
لم يتوقع الشرطي بمباحث نيالا محمد حسن أن يأتي يوم ويصل حسابه في البنك العقاري التجاري فرع مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور إلى تسعة عشر مليون جنيه، لجهة أن راتبه الذي يتقاضاه من الشرطة يبلغ اثنين ألف وسبعمائة جنيه، ولأنه رجل قانوني أدرك أن ثمة أمراً غير طبيعي قد حدث، وذات شعور التعجب والدهشة سيطر على المهندس عبدالماجد آدم هارون الذي لم يكن محظوظاً مثل الشرطي بدخول مبالغ طائلة إلى حسابه بل وجد في ذات البنك أن مبلغ مليون وثمانمائة ألف جنيه قد تم سحبها من حسابه، لتتفجر بذلك قضية فرع البنك العقاري التجاري بنيالا الذي شهد أسوأ أنواع الفساد الذي يمكن أن يقع في مصرف يفترض به أن يكون مؤتمناً على أموال المودعين.
انفجار «اللغم»
كثيرون ظلوا يؤكدون أن القطاع المصرفي خلال عهد الإنقاذ كان معطوباً ويعاني من الثقوب، وبعد أن أزاحت الثورة نظام الإسلاميين فقد تكشفت الكثير من الحقائق المؤلمة التي عضدت من صدقية الاتهامات الموجهة إلى هذا القطاع الذي سوف نتناول ما يدور داخله من فساد في حلقات ربما تطول، وفي حلقتنا الثانية هذه نتوقف عند البنك العقاري التجاري، الذي يمتلك فيه الشعب السوداني 70% من أسهمه فقد شهد في شهر أبريل الماضي حادثة تعد غريبة لم يألفها الرأي العام وربما كانت بمثابة رأس جبل الجليد للفساد في القطاع المصرفي، وذلك حينما توجه المهندس عبدالماجد آدم هارون إلى أحد فروع البنك العقاري لمراجعة حسابه ليتفاجأ بسحب مبلغ مليون وثمانمائة ألف جنيه من حسابه، وتملكته الحيرة والدهشة ولم يجد أمامه غير التوجه إلى رئاسة البنك والجلوس إلى نائب المدير العام للبنك الذي تعامل مع القضية باهتمام وتفاعل، حيث وجه إدارة التفتيش والمراجعة بإرسال فريق تفتيش إلى نيالا بشكل عاجل .
تقرير وحقائق
بالفعل فإن الفريق الذي تم تكليفه باجراء مراجعة رفع تقريره الى المدير العام للبنك العقاري بالخرطوم، وكشف عن وجود تلاعب في حسابات العملاء بفرع نيالا، واوضح وجود حساب وسيط تم فتحه لتحويل الاموال المسحوبة اليه، واكتشف الفريق ان المبالغ التي تم ايداعها في الحساب الوسيط بلغت ثمانية عشر مليوناً والتي تم سحبها من العملاء دون علمهم، واوصى التقرير بايقاف الموظفين المتورطين وتحويلهم الى النيابة غير ان الاجراء الذي تم اتخاذه كان مثيراً للحيرة فقد تمثل في توجيه إنذار الى مدير فرع نيالا والموظف المتهم ليمارس المتهمون عملهم وسط دهشة الجميع، حيث كان الاجراء الطبيعي ايقافهم عن العمل وتدوين بلاغات جنائية ضدهم.
الكارثة تتجدد
ولان المدير العام للبنك العقاري التجاري، لم يتعامل مع الامر بالحسم المتوقع وبالاجراءات التي يتم اتخاذها في مثل هذه المخالفات الكبيرة او فلنقل الجرائم، فانه وبعد اربعة اشهر فان ذات الموظفين الذين لم تتخذ حيالهم رئاسة البنك بالخرطوم اجراءات صارمة فان شهر اغسطس شهد تكرارهم للحادثة مرة اخرى، وذلك قبل عيد الاضحى المبارك بيوم واحد حينما تجمهر عدد كبير من مسنوبي القوات التي شاركت في حرب اليمن لصرف استحقاقاتهم واستغل احد الموظفين حاجة العساكر الى الاموال النقدية ففرض على كل واحد منهم خصم 20% من مبلغه الكامل، والغريب في الامر ان الشيكات صادرة من بنك فيصل لتصل جملة المبلغ خمسين مليون جنيه.
فريق آخر
مجدداً لم تجد رئاسة البنك امامها غير التعامل مع هذه القضية التي خصمت كثيراً من سمعة العقاري التجاري واظهرته بمظهر المتلاعب في حسابات العملاء ،ليغادر وفد رفيع المستوى الى نيالا وكان برئاسة مساعد المدير العام والمستشار القانوني وعدد من مديري الادارات، ومكث الوفد خمسة ايام بنيالا ووقف على حجم الكارثة، فكان ان تم اتخاذ قرار بتكليف مدير ونائب له واللذين تم تحويلهما من الخرطوم تحت صيغة المأمورية بعد ان تعذر قانونياً تحويل موظفين الى فرع نيالا حيث عملا على تهدئة العملاء، وبعد ذلك ولحجم الكارثة وتأثيرها على سمعة البنك فقد تم ارسال اكثر من فريق لاحتواء الامر ،وكانت المفاجأة ان الفريق السادس الذي تم ارساله اكتشف تعرض حسابات اخرى للعملاء للنهب، حيث تم سحب مبلغ ستة عشر مليون جنيه، وبذلك فان اجمالي الاموال التي تم سحبها من حسابات العملاء خلال العمليتين بلغت ستة وثلاثين مليون جنيه .
فشل وواقع جديد
بعد اكتشاف حجم الاموال المنهوبة فان ادارة البنك حركت اجراءات قانونية ضد عدد من موظفي الفرع والان هم رهن الايقاف، ولكن سعى الوفد السابع الذي ضم مساعد المدير العام والمستشار القانوني الى التوصل مع الموظف المتهم الى تسوية بان يعيد المبالغ الى البنك وان يأخذ مقابل ذلك ضمانات غير ان هذه الخطوة باءت بالفشل، وعلى اثر ما حدث تم ايقاف عدد من الموظفين بالبنك عن العمل فيما تم تدوين بلاغات جنائية ضد اربعة موظفين، ورغم الخطوات التي اتخذتها رئاسة البنك الا ان تفاعلها مع تفجر القضية في ابريل لم يأت سريعاً كما حدث في فرع اخر، حينما تم اختلاس مبلغ خمسين الف جنيه، لتوقع قضية فرع نيالا اضراراً بالغة على البنك العقاري التجاري وعليه تسديد مبلغ ستة وثمانين مليون جنيه وقد بدأ بالفعل في تسوية الامر مع عدد مقدر من العملاء ووصلت المبالغ التي سددها البنك لتعويض العملاء الذين تضرروا حتى السابع من يوليو من هذا العام عشرين مليوناً وثلاثة وثمانين الفاً وثمانمائة جنيه، حيث تم فتح حساب مكتبي باسم مدينين في تاريخ الخامس من شهر سبتمبر من هذا العام بالرقم 23610، ومن المعروف ان الحساب المكتبي لا يتم فتحه الا بموافقة مجلس الادارة في الحالات الطارئة علماً بان موظفين ببنك السودان اعضاء في مجلس ادارة البنك وحتى الان لا يعرف لمجلس الادارة دور في هذه القضية.
خلل إداري
بالرغم من ان تدوين بلاغات في مواجهة اربعة موظفين بفرع البنك العقاري بنيالا تحت المواد 123،178،189 وبلاغ في المتهم الاول بالرقم 1529 تحت المادية 178 بالقسم الاوسط بنيالا، الا ان رئاسة البنك العقاري التجاري بالخرطوم لم تسلم من الانتقادات وتم دمغها بالتقصير في اداء واجبها، لجهة ان المعاملات التي اجراها الموظف المتهم بتحويل اموال من حسابات العملاء كان يجب ان تكون -بحسب مصرفيين- مرصودة من قبل ادارة الفرع والرئاسة، معتبرين ان هذا يؤكد على ضعف الدور الرقابي وعمل المراجعة اليومية للقيود المحاسبية التي تكشف الاخطاء، ويعتقدون ان ما حدث في فرع السجانه ثم نيالا يعتبر دليلاً دامغاً على التخبط الاداري الكبير الذي يعاني منه البنك، وهو الامر الذي دفع عدداً من العاملين فيه الى الخروج في وقفات احتجاجية تطالب الحكومة بالتدخل لايقاف التدهور عبر اقالة المدير العام كخطوة اولى، والجدير بالذكر ان الشرطي محمد حسن يواجه صعوبات بالغة في تدوين بلاغ ضد البنك بنيابة نيالا حيث يعمل لتبرئة ساحته من ايداع وسحب تسعة عشر مليون جنيه من حسابه بذات المصرف ولانه رجل قانون رفض الاستسلام امام العقبات التي تم وضعها امامه حتى لا يكمل اجراءاته القانونية ويسعى الى مواصلة ذات المشوار عبر المحكمة .
توضيح ورفض
وحتى نستوثق اكثر من حقيقة ما حدث بفرع نيالا ونعرف ماذا فعلت الادارة العيا توجهنا في المرة الاولى الى رئاسة البنك العقاري التجاري بشارع البلدية، الا ان نائب مدير قسم الخدمات قال ان القضية ليست من اختصاصه وفي اليوم الثاني تلقينا اتصالاً من القسم الاداري يطالبنا بالحضور الى البنك لمقابلة المستشار القانوني ياسر عباس محمد المنتدب منذ العام 2015 في البنك من وزارة العدل ولم تطله التنقلات الاخيرة رغم انه سبق ان تم نقله في العام 2017 الى كسلا الا انه ظل بالبنك، ورغم تعامله المحترم واعترافه بحدوث اعتداء على اموال المودعين بفرع نيالا وتحريكهم لاجراءات قانونية، الا انه رفض التصريح بحجة انه ربما يؤثر على سير التحريات فيما يتعلق بالاموال المفقودة، ووعدنا باخذ اذن من المدير العام للحديث ثم الاتصال علينا لاحقاً الا انه لم يفعل وتعجبنا من حديثه هذا لجهة انه لا يتبع الى المدير العام بل الى وزارة العدل، وتلقينا اتصالاً من احد اصدقاء المدير يطالبنا بارجاء النشر ولكن لم نهتم كثيراً لهذا الامر لان ادارة البنك وفيما بدا لنا لا تريد تسليط الضوء على ما حدث رغم انه مصرف حكومي.
تعويض وملفات
إذاً فإن الحقائق تؤكد ان عملاء في العقاري التجاري تعرضت حساباتهم للسرقة بتحويل ارصدة منها الى حساب وسيط ،ورغم الاجراءات التي تم اتخاذها والايفاء بسداد عشرين مليوناً من جملة ستة وثلاثين مليوناً الا ان القضية لا تزال قائمة لان الاموال التي تم تعويض الضحايا منها هي اموال عملاء ايضاً، واذا كان الامر بخلاف ذلك فان البنك سوف يتأثر لان مبلغ التعويض يعادل 26% من رأس مال البنك الذي يبلغ 140 مليون جنيه، وفي الحلقة الثانية من تحقيقنا هذا نستعرض حقيقة اموال التعويض بالاضافة الى السلفية التي حصل عليها مستشار قانوني لعشرين عاماً وتبلغ خمسمائة اربعة وسبعون الف جنيه، والسلفية الاخرى التي تبلغ اربعمائة وثلاثون الفاً والتي يتم سدادها في اثني عشر عاماً وغيرها من اوجه الفساد في هذا البنك الذي تمتلك الحكومة فيه 70% من الأسهم.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق