الصمغ العربي.. العصابات تتحكم

كردفان: رباب علي
(التعاون الإنساني لما يزيد ببقى جرح) .. جملة أطلقها أحد منتجي الصمغ بقرية عجب بمحلية الخوي غرب كردفان، حملت كل معنى للمعاناة الحقيقية التي يمر بها منتجو الصمغ العربي على طول حزامه بولايات السودان باختلافها. ولعل قصر مدة الرحلة التي كانت برفقة وفد من شركة الصمغ العربي والاتحاد النوعي لمنتجي الأصماغ الطبيعية والتي لم تتجاوز الخمسة أيام لولايات كردفان كان له الأثر الكبير في البحث بتركيز أكبر على ما يواجهه منتجو الولاية للصمغ من مشاكل تتشابه كثيراً من محلية لأخرى، مع اختلاف الأشخاص وكيفية تعايشهم معها وإيجاد الحلول لها والتي تظهر بوضوح من خلال طرحهم لها وانعكاسها على وجوههم وعلامات الظلم والألم تعتصر قلوبهم لإحساسهم بالظلم الكبير.
حيازات غير مقننة
انطلاقة الرحلة كانت بولاية النيل الابيض من محليتي تندلتي والجبلين واللتين حسب منتجيهما ذات الكثافة الغابية العالية والانتاج الغزير لمساحة تقدر بحوالي 68 كيلو متراً مربعاً، وبرزت الشكوى الاكبر في ان اراضي الغابات حيازات غير مقننة مما يعسر من مشكلة منح التمويل من البنوك وتحد دون الوصول للاهداف ،وجأر المنتجون من جملة مصاعب تواجه سلعة الصمغ العربي لا سيما التي تقع في مثلث العطش ، وكشف العمدة مالك بخاري عن تسبب مياه الآبار الجوفية في فشل كلوي ونفوق حوالي 15% من الحمير سنوياً، مشيراً الى ان حفر الآبار بعمق 1200 قدم حسب جيولوجيين صالحة للشرب وهذا يتطلب البحث عن بدائل، مشيراً الى ان من المُهدِّدات المحاريث التي تمنع التجدد الطبيعي للاشجار اضافة الى الجفاف والتصحر ، وانعدام وجود اسواق للمنتج باعتباره سلعة استراتيجية استفادت منها دول اخرى دون السودان. وزاد:لا بد من تفعيل قانون حماية الهشاب لحمايتها من القطع الجائر والرعاة وعدم مقدرتهم على مواجهتهم لامتلاكهم الأسلحة.
بلاغات تعدي
وكان لهيئة الغابات بام روابة حديث آخر، بكشفها عن تزايد بلاغات التعدي على اراضي حزام الصمغ العربي من الرعاة ، وحسب ممثلة الهيئة اماني الشايقي فان هناك قرى فقيرة تحتاج الى التنمية وضرورة تحسين المساحات الخالية لطق الصمغ العربي ، ولفتت لمعاناة المنتجين فى عدم الاستفادة من المحصول واستغلالهم من قبل البعض بالشراء منهم بأسعار منخفضة تصل أحياناً إلى (البدل ) لتوفير المواد التموينية.
وطالب رئيس الاتحاد النوعي لمنتجي الصمغ العربي بمحلية ام روابة علي الطيب شركة الصمغ بشراء المنتج منعاً لسيطرة السماسرة ، وتوقع مضاعفة الإنتاج هذا العام لزيادة الكمية وطالب بتطبيق تجربة التعاونيات لتوفير السلع الاستهلاكية للمنتجين.
عُقم الإجراءات البنكية
إجراءات البنوك العقيمة احد اسباب تدني انتاج الصمغ على الرغم من ان شمال كردفان تنتج اكثر من 66% من الانتاج الكلي للصمغ في السودان من الهشاب فقط ، رسالة قوية بعثها رئيس اتحاد جمعيات الصمغ العربي بالولاية يعقوب ادم حمودة، تعكس مدى المعاناة التي يتعرض لها المنتجون.
في ذات الاثناء طالبت الجمعيات بمنح المنتجين سلفيات بدون ارباح طائلة بفتح محافظ للتمويل، مؤكدة ان خلخلة الادارات الاهلية بسبب الحياد الديني والسياسي تسبب في ضياع حقوق المنتجين، موضحة ان محاربة التهريب لن تتم الا بضوابط الجمعيات وتسليمها الانتاج وحماية الحزام لن يتم الا بتفعيل قانون الغابات وتطبيقه على ارض الواقع.
«مافيا» دولية بالرهد
وحمل الوضع في الرهد شكلاً مختلفاً من خلال شكوى المنتجين من وجود «مافيا» دولية تتحكم في تجارة وتسويق الصمغ ، وكشف ناظر عموم الجوامعة د.هارون الطيب هارون عن وجود «لوبي» عصابات تسيطر على تجارة الاسعار بالداخل ، مما جعل المنتج مظلوماً لحصوله على سعر زهيد ويباع فيه باسعار مرتفعة بالعملة الاجنبية يستفيد منها الوسطاء.
لافتاً الى ان الرعاة يستخدمون السلاح (كلاش وجيم3 ) مما يقلل من حماية اشجارهم ، علاوة على ان مناطق الانتاج تعاني من العطش وتكلفة حفر مياه جوفية يبلغ (2 ) مليار جنيه والتي قد تحل جزءاً من الاشكال على الرغم من انها غير صحية وغير متوفرة و المنتج يستهلك قنطار صمغ ليجد حاجته من المياه (اي كل ما يتحصله ينفقه للمياه).
(عصا الترهيب)
وفي محلية النهود اوضح المنتجون ان الحكومة كانت تسوق لمصلحتها في السابق، ولا يوجد من يقدم لنا خدمة وعند خروج الإنتاج نجد من يقف امامنا لتحصيل الرسوم من عوائد وغيرها ، محذرين ـ في حال استمرار الوضع ـ بابادة مزارع الصمغ والتحول لزراعة العيش لتوفير متطلباتهم من الاكل.لافتين الى ان قيمة برميل المياه تبلغ 50 جنيهاً او يزيد والمنتج يحتاج لأكثر من برميل يومياً وتتحصل الغابات 60 جنيهاً وتتحصل الزكاة 10% من كل قنطار سنوياً.
وأشار ممثل اتحاد الاصماغ شرف الدين آدم اسماعيل، لارتفاع تكاليف عملية طق الصمغ إلى 800 جنيه للضحوة، وأن الاستغلال أصبح السمة البارزة في بيع الصمغ. وعبّر عن عدم رضا المنتجين من تعامل البنوك والمؤسسات الرسمية لهم وتمويلها لمن لا يستحق واشهار عصا الترهيب لهم.
وأكد شرف الدين ان ما يحدث في سوق الصمغ من (عمايل) المؤتمر الوطني، ووجود شركات اجنبية تدخل الاسواق بأسماء سودانيين وتهرب الصمغ إلى دولة مجاورة، يتطلب رفع قيمة الصمغ بقرار من الدولة وان توازي قيمته في الداخل بما يعادل ما يهرب به للخارج.
(تاجر الحلة)
أبرز التحديات بمحلية الفولة انعكست على تعمق (تاجر الحلة) في عملية بيع الصمغ وتوغله في احتكاره بحجة توفير مواد تموينية للمنتج.
وقال الامين العام لاتحاد الاصماغ الطبيعية بولاية غرب كردفان احمد علي احيمر، ان الدراسة اثبتت وجود 11 وسيطاً بين المنتج والمصدّر. مؤكداً انها دائرة يجب كسرها عبر التسويق الجماعي بوضع البضائع في متجر الجمعية، وهذا يؤدي لكسر حلقة (تاجر الحلة) سواء أكان التمويل نقداً ام عيناً إضافة لعدد 12 سلعة تتوفر بدكان الجمعية، ويأخذ المنتج كسلفية وهنا يصبح الصمغ بدفتر أمانات الى ان ترتفع الاسعار ويتم إخراجه بشكل جماعي وهذا هو المخرج الوحيد لإنتاج الصمغ العربي.
مطالباً بتحديد السعر التأشيري قبل الطق، لان انتاج قنطار واحد من الصمغ يكلف 7 الاف جنيه وبالتالي ان كان السعر التأشيري اقل من ذلك فهو مرفوض ولا يفيد المنتج.
وتعاني ولاية غرب كردفان من القطع الجائر للاشجار لغرض الفحم وتأثيره السلبي على البيئة، وكشف الامين العام للتخطيط الاستراتيجي بالولاية عمر قنديل محمد عن (13) الف بلاغ قطع جائر مفتوح وقُدرت الايرادات المفقودة من هذه البلاغات بستة مليارات جنيه، وهي من اكبر المشاكل التي تواجه شجرة الصمغ.
القوز تستغيث
وشكت محلية القوز بجنوب كردفان عبر مشرف هيئة الغابات فيها وهاد عبدالرحمن، من تحصيل الهيئة بالمركز لمليار جنيه من كل مشتل سنوياً وتخصص 15% فقط لهيئة الغابات بالولايات، اضافة لتعثر الخدمات وتوقف آليات الإنتاج من بواكير وطلمبات مياه وضعف التمويل لوحدات الهيئة في ظل الإيرادات الضخمة التي تورد اليها، معلنة عن تراجع إنتاج الشتول بمشتل الهيئة بـ (نبق) إلى مائة الف شتلة هذا العام بدلاً عن مائتين لعدم توفر الإمكانيات والترحيل وشح المياه التي تبعد مسافة 1000 متر عن المشتل، وكشفت عن وجود تعاقدات بالمركز لشركات محلية وأجنبية غير مؤهلة لتسليمها شتول بخطابات، وهذا يؤدي الى فقدان المنتج.
تنصل عن المسؤولية
من جهته اقر مدير شركة الصمغ العربي، عوض الله ابراهيم، بحاجة المنتج لانصاف الدولة والتجار، وقال ان الصمغ قاطرة الاقتصاد غير انه تم اهماله في الحقب السابقة وان كثيراً من الدول تصدّره باسمها بعد ادخال قيمة مضافة عليه.
وشدّد على ضرورة الوصول بسلعة الصمغ لتحقيق فائدة للبلاد بصفة عامة وللمنتج بصفة خاصة، بعد ان تسببت الحرب في كثير من الإجراءات، كاشفاً ان شركة الصمغ العربي اشترت العام الماضي (5) الاف طن من منطقة فاما، وانها ستكون من اوائل المشترين بعد انشاء مخزن في فاما لتخزين الصمغ، منبهاً الى ان وجود (750) الف قنطار لم يستطيعوا ترحيلها بسبب مياه الامطار.
وشدّد بضرورة التنمية المستدامة لمناطق الانتاج، وانها تحتاج للتنسيق بين الجهات وبناء الثقة وحدوث هجرة عكسية لضمان حدوث التنمية المستدامة في الحزام ورهنها بتوفير طرق ووسائل نقل.
واكد ان شجر الطلح ايضاً يتعرض للقطع الجائر تشارك فيه الغابات والجيش واستدرك بقوله: الادارة الاهلية وسلطات المحلية يستطيعون ايقاف تصدير الفحم لجهة انه محظور بمرسوم دستوري يمنع تصدير الفحم، واشتكى من تنصل الغابات عن مسؤولية تصديره ونفت الامر عند اثارة هذا الموضوع ودخول اجانب في تصديره.
الجندي المجهول
ووصف الامين العام لاتحاد الصمغ العربي، العمدة ايوب بلول، (الجنّاني) بالجندي المجهول، وافتقاده للخدمات من صحة وتعليم ومياه، داعياً الدولة للاهتمام بالمنتِج ومحاربة الوسطاء الذين يسيطرون على سوق الصمغ واغلاق الابواب المهربة له وتحديد نافذة تجارة واحدة.
واعلن عن ترفيع الاكتتاب في اسهم الشركة وانشاء بنك للصمغ العربي بمساهمة تصل الى 100 جنيه، لحل مشكلة التمويل وتنويع مصادر الثروة للمنتجين.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق