إلى أهل كسلا.. انبذوا الجهوية

] (لا تغمض عينيك في كسلا، فكل شيء هناك يستحق النظر .. السواقي، الجبل والإنسان.. خذ حصتك من الفرجة والإمعان ولا تتنازل عن ذرة من إبهار الخضرة والإبداع).
] كلمات أنيقة أرسلها على هاتفي الشاعر المرهف الشفيف والصحافي المخضرم ابن كسلا الوريفة الزميل حسن أدروب، الذي ما أن أخبرته بأنني ذاهب إلى أية مدينة في الشرق، حتى يتفجر حنيناً وشجناً، ويمنحني كل ما بداخله من لهفة وشوق لتلك الديار.
] أشاح أدروب بوجهه حزناً هذه المرة «ربما أخفى عني دموعه»، وأرسل رسالته، فعلمت أن انفعالاته تجاوزت حدود المعقول. هذا لأنني ذاهب إلى دياره، حيث مرتع صباه وذكريات الزمن الجميل.
] الذي لا يعلمه «أدروب» أن أولى زياراتي إلى كسلا كانت في عام 2003م عندما قسا «القاش» كثيراً على تلك المدينة الحانية وعاث فيها فيضاناً وتدميراً، فغابت بعض ملامح أحياء الحلنقة والميرغنية، وغمرت المياه غرب القاش والسواقي، وتنادى الجميع لنجدتها، وسُيِّرت القوافل من كل حدب وصوب حتى هدأت غضبة النهر.
] ذات صباح خريفي ارتفع الرنين وجاء صوت الأستاذ جمال عنقرة رئيس مجلس إدارة صحيفة «الأزمنة» متعجلاً للذهاب بأسرع ما يمكن إلى كسلا التي داهمها القاش ليلاً وملأت مياهه الشوارع والمنازل.
] بدأت رحلة شاقة استغرقت يوماً كاملاً بسبب السيول والأمطار التي قطعت الطريق وعزلت المدينة تماماً، ووصلنا عبر طرق ومسارات غاية في الصعوبة واجهنا فيها مخاطر جمة، تغلبنا عليها بحماس البدايات وعنفوان الشباب.
] بدت كسلا شاحبة، حزينة، جزعة للمصاب الكبير، وعاشت أياماً قاسية يغطيها الظلام ويتهدد مواطنيها خطر الجوع والزواحف والحشرات.
] الأوضاع كانت مختلفة قليلاً في حي «الختمية» الأنيق، الذي استعصم بالجبال ونجا من الغرق شأنه شأن كثير من أحياء شرق القاش.
] بكرم فياض استقبلنا الأستاذ عبد الله إبراهيم فكي في داره العامرة، وسهل مهمتنا الصحفية بمنحنا عربته الخاصة للطواف على الأحياء وتفقد المواطنين، ثم الذهاب إلى أمانة الحكومة للحصول على الإحصائيات والوقوف على آخر التطورات.
] كانت مهمة مرهقة لأننا نتحرك في شوارع ممتلئة بالمياه تستهلك الكثير من الوقت للوصول إلى وجهتنا. وتبدأ رحلة سباق جديدة مع الزمن قبل غروب الشمس حتى لا يداهمنا الليل الموحش ونحن في أعلى قمة جبل توتيل نعانق السحب بحثاً عن شبكة الهواتف النقالة لإرسال المادة الصحفية قبل وقت كافٍ من زمن المطبعة.
] في تلك الأيام عقد مجلس الوزراء جلسة طارئة في كسلا برئاسة الرئيس السابق البشير وكل أعضاء حكومته، وتكاتفت الأيدي وتوحد العمل حتى نجت المدينة من كارثة محققة.
] اليوم تنظر كسلا للمستقبل برؤية مختلفة، حيث قاد واليها اللواء محمود بابكر همد بخبرته العسكرية تهدئة الصراع الجهوي الذي تمدد في البحر الأحمر وانحصر في كسلا.
] الوالي من أبناء الولاية ويعرف تفاصيلها ويعيش معاناة أهلها ويتواصل مع كل الأطراف، لم يشغل نفسه بأصوات تهاجمه بدوافع عنصرية، بل نجح من على البعد في تنظيم لقاءات جماهيرية للشيخ سليمان بيتاي الزعيم الديني المعروف، والأمين داود قائد الجبهة المتحدة لشرق السودان للمحافظة على المكون الاجتماعي الذي يميز أهل الشرق.
] نتمنى أن تنبذ الولاية الجهويات وترمي وراء ظهرها خلافات الفترة السابقة، لتقاوم تحديات الأمراض التي تحاصرها وتعود كما عهدناها في السابق.
] هذا لأن كسلا ولاية مختلفة تتمتع بسحر وجاذبية مازجت بين النهر والخضرة والجبل، فأنتجت مكوناً بشرياً وطبيعياً، يجبرك على أن تهوم وتسرح في عالمه البديع.
] فيها يأتيك صوت إسحاق الحلنقي على أجنحة غيمة مشبعاً برائحة الطين والجروف وحنين السواقي وشقشقة العصافير:
كلمني قول لي فاكر ليالي القاش
لما الحنين عاودني لعطفك الجياش
جفيت حبيب ما خانك من نور بسيمتك عاش
أنا تاني ما بتلقاني يوم في طريقك ماش
قاصد مكان في كسلا

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى