كيفية الوصول لاتفاقية سلام بأقصر الطرق (2-2)

قبل أيام من انعقاد جلسات المفاوضات المزمع إجراؤها في جوبا عاصمة دولة جنوب السودان وصلاً للمفاوضات التمهيدية التي سبقتها أخذت بعض الأصوات في قطاع الشمال من قبيل الضغط والتهديد تنادي بضرورة تقرير المصير بالنسبة لدارفور والمنطقتين وكما ذكرت في الحلقة السابقة فان الأجندة المتعلقة بدارفور الكبرى تختلف تماماً عن أجندتهم والواقع فيها يختلف عن واقعهم ولا بد من إسدال الستار على الاحتراب في دارفور وحقن الدماء وقد أخذ الأمن يستتب والسلام يعم هناك ولا يمكن لإنسان سوى غير مريض نفسياً ولا يعاني من اي عقد ان يرضى لنفسه بان يصبح مثل نيرون يضحك بفرح ملء شدقيه وهو سعيد برؤيته لروما وهي تحترق . وان اي حديث عن تقرير مصير دارفور سعياً لانفصالها لا ينادي به إلا مخبول، ودارفور جزء أصيل من السودان منذ القدم وان الاستقلال الاداري والسلطوي في عهد المجاهد الأكبر والرمز الوطني الكبير السلطان علي دينار كان استقلالاً ادارياً عن السلطة الاستعمارية في المركز وعدم الخضوع لها ولم يكن انفصالاً عن الوطن الذي يجري حب السلطان له مجرى الدم في عروقه والمطلوب من القلة المسيطرة المتنفذة في قطاع الشمال ان ترفع يدها عن دارفور لئلا تعقد قضاياها كما عقدت من قبل قضايا المنطقتين في جولات المفاوضات الكثيرة الفاشلة التي عقدت بأديس أبابا .
وبعد توقيع اتفاقية نيفاشا سعى الجنوبيون من قادة الحركة الشعبية للتركيز على الجنوب وقضاياه دون إيلاء الشمال ذرة من اهتمامهم لا سيما بعد تولي الفريق سلفاكير ميارديت
قيادتها، واعتبر الانفصاليون الجنوبيون الحديث عن برنامج ومشروع السودان الجديد أو السودان القديم ضربا من ضروب الهوس لا يهمهم في قليل أو كثير وأرادوا بعد الانفصال مفارقة الشماليين في الحركة بإحسان بإقامة قطاع منفصل يخصهم هو قطاع الشمال مع مد جسور الوصل والتعاون معهم لمواجهة خصمهم المشترك في ذلك الوقت مع الإبقاء على الفرقتين الشماليتين التاسعة والعاشرة في الجنوب تحت إمرة القيادة العامة للجيش الشعبي الجنوبي . وركزوا في اتفاقية نيفاشا على الجنوب وجعلوا له المتون وجعلوا شأن المنطقتين في الحواشي والهوامش وخصصوا لهما ملحقاً خاصاً بهما . وبعد انفصال الجنوب لم يعقد قطاع الشمال مؤتمراً عاماً لعضوية مصعدة من القواعد وليست له هيئة شورى وانحصرت القيادة في قلة محدودة متنفذة تقيم خارج السودان وأعطت نفسها الحق في التصرف بحرية مطلقة في كافة الجوانب التنظيمية والسياسية والمالية والعلاقات الخارجية …الخ دون الرجوع لأحد وهي التي كانت تقوم بالتفاوض مع وفد الحكومة باسم المنطقتين في أديس ابابا ووصلت كل تلك الجولات لطريق مسدود لأن المفاوضين من قطاع الشمال كان كل همهم هو الوصول مع وفد الحكومة لاتفاقية تتطابق تماماً مع اتفاقية نيفاشا ويمكن أن نسميها (نيفاشا تو ) تتيح لهم اعتلاء مواقع دستورية عليا واقتسام السلطة السيادية والتنفيذية والتشريعية على كافة المستويات الاتحادية والولائية والمحلية بنسب يتم الاتفاق عليها مع السلطة الحاكمة التي كانت قائمة وقتئذ والتي أضحت الآن في ذمة التاريخ وانطوت صفحتها. وخلاصة القول إن المفاوضين من قطاع الشمال أهملوا قضايا المنطقتين واعتبروها من سقط المتاع واستغلوا منبر المفاوضات لأجندتهم المشار اليها سعياً للوصول ( لنيفاشا تو ) وأخذوا يتفاوضون باسم الشعب كله دون تفويض منه … ونأمل تجنب هذه الأخطاء في المفاوضات القادمة وينبغي التركيز على قضايا المنطقتين في الجانب الذي يليهما وإشراك ابنائهما في المفاوضات وهي تعج بالمؤهلين الأكفاء القادرين من أهل العطاء والبلاء الوطني من الناشطين في كافة المجالات وتعج المنطقتان بالحكماء والعقلاء والعلماء والقيادات الأهلية وهؤلاء ينبغي أن يكون لهم القدح المعلى في المفاوضات لأنهم أصحاب
الحق الأصيل وأهل ( الجلد والرأس ) وعلى البعض أن يكفوا عن تخدير سكان المنطقتين بالتصريحات العنترية والأرقام الفلكية وهم يدركون قبل غيرهم ان هذا لا يعدو أن يكون طق حنك لدغدغة العواطف وإطلاقها لا يكلف المرء أكثر من تحريك شفتيه ومثل هذه المسائل الجادة لا تحتمل الإثارة وتحتاج لجلوس متأنٍ مع المختصين في طاولة مباحثات فيها ملفات تحوي أرقاما ومعلومات للوصول لبرامج تفصيلية فيها تحديد للزمان والمكان وتكون السلطة الرسمية اتحادية أو ولائية ملزمة بتنفيذها … وقد طالب البعض بأن تنقل المفاوضات لإحدى العواصم العربية النفطية الغنية ولعلهم أرادوا ان يعاملوا بذات الطريقة التي عومل بها المفاوضون عند انعقاد مفاوضات الدوحة التي انعقدت لأكثر من عامين وتم التكفل بإقامة المفاوضين في أرقى الفنادق وإعاشتهم والصرف عليهم ببذخ وتلك تجربة مضت وانقضت وأصبحت من ذكريات الماضي القريب والآن فان المفاوض صاحب القضية الفعلية يمكن ان يفاوض تحت ظل شجرة ويمكن ان يقيم أثناء المفاوضات في قطية أو في منزل عادي .
وكتب الأستاذ جمال محمد أحمد أنه زار جوبا عاصمة الإقليم الجنوبي بعد توقيع اتفاقية اديس ابابا في مارس 1972م وتكوين الحكومة الإقليمية وفي المساء مر بوزارة الإعلام ورأى ضوءًا ينبعث من أحد المكاتب وذهب لذلك المكتب ووجد شاباً بادله التحية بأحسن منها ووجده يلبس بنطالاً وقميصاً ومظهره بسيط وكان يعمل وحده كالنحلة في ذلك الليل ويقوم بعمل المراسلة ويكتب ويطبع بنفسه على الآلة الكاتبة ويرسل ما يكتبه ويقرأ ما يرد إليه ويترجمه ويفعل كل هذا بهمة عالية. وذكر الأستاذ جمال أن ذاك الشاب هو ماديقن دي قرنق وهو وزير الإعلام بحكومة الإقليم الجنوبي في ذلك الوقت ووصفه بأنه شاب صاحب قضية ويتمتع بهمة عالية … وجيفارا كان شريكاً لصديقه فيدل كاسترو في الذي جرى من تغيير ثوري في كوبا وعندما تولى كاسترو الرئاسة عينه وزيراً في حكومته وكتب جيفارا رسالة ودع فيها صديقه وذكر له أن مهمته انتهت في كوبا وسيواصل مسيرته ويحمل بندقيته للمساهمة في انجاح ثورة تغيير أخرى في إحدى دول امريكا اللاتينية وأعلن أنه لا يملك من حطام الدنيا الفانية شيئاً يذكر لان نضاله كما ذكر لم يكن مدفوع القيمة ومقبوض الثمن ولو سلك ذلك الطريق المعوج الذي تفضي إليه سبل عديدة لأضحى من كبار الأثرياء ( مال للخناق ) ولكنه هجر السلطة التي أتته تجرجر أذيالها وزهد في المال وهو صاحب قضية لا يريد أن ينشغل بسواها ولم ينشغل بذاته وتضخيمها .
ومقر المفاوضات القادمة في جوبا سيشهد وجود خواجات وغيرهم من المراقبين مع توقع وجود كثيف لأجهزة الإعلام المحلية والعالمية المرئية والمسموعة والمقروءة وان بعض مرضى داء ( الشو ) سيكون همهم هو ملاحقة الفضائيات والإذاعات بهدف الظهور ليس إلا وقطعاً ان بعض الإطلالات مهمة عند الضرورة للإدلاء بإفادات مهمة ذات قيمة . والأهم من هذا كله نأمل أن ينفذ الجميع في جلسات المفاوضات للب القضايا مباشرة دون سفسطة وجدل عقيم سقيم وقد مل الجميع هذه الأسطوانات المشروخة . وهناك قضايا طرقت كثيراً وعلى سبيل المثال ان الحديث عن مناطق الهامش والمهمشين مهم ويدرك جميع سكان السودان ذلك . وان أي فرد يستطيع ان يكتب عنه صفحات كثيرة ويمكن ان يعتلي اية منصة ويتحدث عنه بطلاقة وإبانة والعبرة ليست في تعريف ما هو معروف للجميع ولكن درهم من الإنجاز خير من قنطار من التنظير والكلام الكثير، وكما قال الرئيس الأمريكي القتيل جون كنيدي على كل مواطن أن يسأل نفسه .. ماذا قدمت لوطني دون أن يسأل ماذا قدم لي وطني ؟ وعلى الذين يكثرون من طق الحنك عن الهامش والمهمشين أن يسألوا أنفسهم هل أنهم يفعلون هذا من قبيل التعاطف معهم أو من قبيل الكسب السياسي بإثارة العواطف، وعلى كل منهم أن يسأل نفسه هل ساهمت في يوم من الأيام في بناء حائط في مدرسة أو نقطة غيار أو حتى المساهمة بوضع مدماك واحد أم أنهم لم يقدموا شيئاً وحصيلتهم صفرية ولم يتكرموا بقضاء يوم واحد مع هؤلاء المهمشين الذين يتحدثون عنهم ليجلسوا معهم على الأرض ويقفوا على اوضاعهم على الطبيعة وليس بالتخيل لأن الفوارق الطبقية تحول والجلوس معهم .. والمفاوضون غير مطالبين بطرح كل قضايا السودان وهي قضايا تهم عشرات الملايين من المواطنين غيرهم في الأمن القومي والاقتصاد والعلاقات الدولية والسياسة الخارجية وهيكلة الحكم من القاعدة للقمة وهموم المواطنين المعيشية … الخ وكلها يمكن طرحها في مؤتمرات وورش عمل تضم المختصين وكافة المهتمين . وهناك قضية ينبغي ان يتم حسمها بعد وضع وإجازة الدستور الدائم بعد قيام البرلمان المنتخب القادم وينبغي عدم اإارتها من هذا الطرف ليقابلها هياج مضاد من الطرف الآخر وخلق معركة مفتعلة في غير معترك . والغريب ان بعض المفاوضين يشترط فعل كذا وكذا لاغياً بذلك وجود الشعب كله وفي هذا فرعونية ( لا أريكم إلا ما أرى ) واختصار الوطن كله في شخصه مثل لويس الذي اختصر فرنسا في شخصه وقال ( أنا فرنسا ) ولكل دولة ذات سيادة تحترم نفسها وسيادتها جيش قومي واحد يمكن ان تكون له أذرع مساعدة بموافقته وتفويضه وفق لوائحه ونظمه وقوانينه دون أن تكون هناك مليشيات لا تخضع له يمكن ان تنفلت وتقوم بحرب عصابات ولذلك فان الجيش القومي والقوات النظامية والأمن القومي هي خطوط حمراء ( وقومية بلا تسييس ) والجبهة الثورية تريد ان تكون شريكة في الفترة الانتقالية لقحط في السلطة واذا وضعت السلاح فإن مشاركتها يمكن ان تكون قرباناً للسلام ولا يضير الوطن شيئاً ولا يكلفه كثيراً إذا أضيف أربعة مثلاً لمجلس السيادة وأصبح العدد خمسة عشر مع تعيين نائب لرئيس الوزراء ومنحهم مناصب وزارية اتحادية وولائية وتشريعية عند إعادة تشكيل مجلس الوزراء المرتقبة والمطلوبة وفي سبيل السلام يهون ويرخص كل شيء ….وتضم الحركات الحاملة للسلاح مقاتلين يمكن أن تستوعب القوات النظامية منهم من تراه لائقاً للعمل في صفوفها بإعادة تأهيلهم وتدريبهم وتوفير مطلباتهم من مرتبات وغيرها والذين لا يتم استيعابهم على الدولة أن تسعى لإيجاد بدائل تضمن لهم العيش الكريم أو إعانتهم ودعمهم مالياً ليستقروا، وأوجه هنا حديثاً مباشراً للشاب المثير للجدل بما له وما عليه حميدتي وأذكر هنا اسمه مجرداً من الرتب والألقاب الرسمية ولا ينكر أحد أنه لعب دوراً محورياً في التغيير وقد انحاز لخيارات الشعب في اللحظات المفصلية الحاسمة وفي الأربعة أشهر التي لم تكن في البلاد حكومة وسلطة تنفيذية وكانت الأزمات في أشدها كان لحميدتي القدح المعلى في إيجاد حلول اسعافية لأزمات السيولة النقدية والعملات الحرة والخبز والوقود … الخ مع زملائه وبالأخص مع صديقه الأثير الرئيس البرهان . والمطلوب من حميدتي الآن أن يتولى ملف السلام وبسط الأمن وتوفير المال من جيبه ومن جيوب الآخرين لتوفيرها للمقاتلين ليضعوا السلاح وينخرطوا في مسيرة السلام ولو لم يفعل بعد ذلك غير ذلك لكفاه من موقف وطني مشرف.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق