زكريا حامد.. استعجل هو أم تأخرنا نحن..؟

(1)

مثلما جمّل أحمد المصطفى صورة الفنان وهذبه ، ومنحه هالة من الضياء والبريق ، وجعل مكانته الاجتماعية ترتفع وتسمو ،ليصبح الفنان بفضل أحمد المصطفى في مرتبة (الدبلوماسي)، من حيث الهيبة والنظرة العامة، نعترف نحن معشر الصحفيين أن الأستاذ (زكريا حامد) ارتقى بمكانة (الصحفي) ، وانتقل به إلى مكان علي يحظى فيه (الصحفي) بالتقدير والاحترام.

كنا قبل زكريا حامد نشعر بشيء من الحرج عندما نعرّف أنفسنا ببطاقة (الصحفي) ليس تقليلاً من الإعلام ، ولكن جهلاً لوضعيته – كثيرون ينظرون إلى (الصحفي) بأنه (عديم شغلة) ، والغالبية العظمى لا تقبل أن يكون ابنها صحفياً – في ظل النظرة (المكتبية) المجحفة له – لعل من ذلك قلل ما ينتجه الصحفي ليطلق على إنتاجه من باب التقليل والاستخفاف بالشيء (كلام جرائد).. وهو وصف يطلق على كل ما هو فارغ.

زكريا حامد عدّل تلك الصورة وجعلنا نمشي في الأرض ونحن فخورون بمهنتنا وسعيدون بها.

بفضله تلمسنا الثريا – وشعرنا أن وراء الأبواب والشبابك من ينظر إلينا بشيء من الإعجاب والاستحسان.

يعود الفضل في ظهور صورة الصحفي بأناقة (شجيع السيما) إلى زكريا حامد الذي كان يظهر بكامل الأناقة والبهاء – في كل الأمكنة وكل الأزمنة ، بعد أن كان الصحفي يهمل مظهره – أو لعله يقصد أن يهمل الشكل – تأكيداً على عبقريته.

كل الصحفيين عرفناهم بشكوى دائمة – إلّا زكريا حامد فقد كان كتلة من البهجة والفرح والمرح.

غير تلك الصورة (الشكلية) التي أحسب لزكريا حامد دور كبير فيها – يرجع كذلك الفضل لزكريا حامد في ارتقاء مكانة الصحفي موضوعاً ومضموناً – إذ كانت لزكريا حامد (سخرية) جميلة يتندر الناس بها في المجالس ويتحدث عنها في المناسبات.

زاويته التي كان يكتبها في عدد من الصحف التي عمل بها تحت عنوان (حاجة غريبة) – كان يصرفها القراء كما تصرف (الروشتات) ، غير أن الاختلاف بينها وبين (الروشتة) أن القراء كانوا يتناولون زاويته بفرح عريض وسعادة كبيرة، غير العبوس الذي يصرف مع الروشتات.

(2)

كان الناس ينظرون للصحفي بانطباعات لا تخلو من (الملل) و (الرتابة) – إذ يبدو موظفاً (ثقيلاً) عند الكثيرين.

عندما ظهر زكريا حامد بخفة كلماته ورشاقة عباراته وسخريته الذكية – تبدلت انطباعات الناس عنه – وأصبح بأفضلية زكريا حامد الصحفي (نجم) – مثله مثل الفنان الشهير ولاعب كرة القدم الفذ والأديب الأريب والوزير الناجح.  

أسس زكريا حامد (نجومية) الصحفي – وكان من أوائل النجوم الذين استعانت بهم الفضائيات بعد ثورة الفضاء التي نقلت التلفزيون من المحلية إلى العالمية – القنوات السودانية وهي في مرحلة الانتقال تلك – لم تجد أفضل من زكريا حامد ليكون (ضيفاً) ظريفاً ولطيفاً في معظم البرامج التي تتحدث عن الإعلام والسخرية والفكاهة بصورة عامة.

لهذا كنا ننظر لزكريا حامد بشيء من الإعجاب ، وكان يمثل عندنا (القدوة الحسنة) في عالم الإعلام.

كان مثالاً لنجومية الصحفي ولسخريته اللطيفة التى لا تتعدى على أحد بالكره.

كلماته التي كان يكتبها في زاويته (حاجة غريبة) كان يعرضها لكل الناس – طبيعته كانت بتلك اللطافة والسخرية والنكتة التي تأتي بها (حاجة غريبة).

من النادر أن تجد أحداً يشبه كتاباته – زكريا حامد ما كان يكتبه في (حاجة غريبة) كان نطفة من بحاره الساخرة ومحيطاته اللطيفة.

رجل كان يوزع الضحكات والنكات على كل الناس – يبذل لهم ذلك في سعادة حتى يجعل (الفرح) في حضوره حالة عامة – وحتى يصبح (الضحك) هو الغالب في كل الجلسات التى يكون فيها زكريا حامد حاضراً.

(3)

قبل سفره للقاهرة بأقل من (72) ساعة للعلاج – زرته برفقة الكاريكاتيرست نزيه حسن – كنا نحمل هم مرضه ذلك ولا نعرف كيف نقابله والحزن لم يبق فينا شيئاً بعد أن علمنا بحالته المرضية.

دخلنا إليه ونحن في حالة من (الانهيار) – إلّا أننا عندما رأيناه أخجلنا بصموده – بإيمانه وفرحه العريض.

أشهد الله أني وجدت زكريا حامد أكثر انطلاقاً وحيوية من قبل أن يمرض ، حتى أننا خرجنا من عنده ونحن نشعر بالخجل من احساسنا الذى تمالكنا نحوه.

وجدناه يحكي في طرائفه بذات الطريقة التي كان عليها قبل المرض- بل أنه زاد على ذلك وأصبح يسخر من (المرض) ويحكي لنا بخفة دمه المعروفة عن مواقف وحكايات حدثت له عندما اكتشف المرض وأصبح يتردد على الطبيب.

كان يضحك.

كان أقوى منّا جميعاً.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق