عسكرة الجمارك

هاجر سليمان
عدنا اليكم من بعد طول غياب بسبب وعكة صحية ألمت بنا، فلا ننكر اننا طيلة فترة غيابنا كنا نتابع الموقف عن كثب ونحلل مجريات الاحداث، وخرجنا بعدة نقاط سنوردها فى سلسلة حلقات قادمة, وسنضع بين ايديكم مستقبل السودان فى ظل المتغيرات والاحداث الماثلة امامنا. وسنحلل ما يحدث ونخبركم اعزائي القراء، ولكن دعونا نخصص سانحتنا هذه للحديث حول الجمارك، خاصة ان الجمارك دار حولها لغط كثيف الايام الماضية يجعلها مادة دسمة للكتابة، ورأيت كتابات البعض التى أرى انها تفتقر للموضوعية، خاصة تلك التى تنادى بسلخ الجمارك من الشرطة واعادتها كقوة مدنية. ولكل من ينادى بهذا الاتجاه نقول ان نداءكم لا يخرج عن لباس الجهل بمجريات الاحداث، فعالمياً وفى كل دول العالم الجمارك قوة عسكرية نظامية ذات اسس وضوابط شرطية، ولمن ينادى جهلاً نقول ان الجمارك بطبيعتها تعمل عملاً شرطياً، فهى تضبط عمليات التهريب وتقوم بمنعها ولها سلطات الايقاف والتفتيش والاتهام، وهذه السلطة لا يمكن لمدنى ان ينفذها، فهى تتوافر فقط للشرطة، لذلك الجمارك بحاجة للشرطة وليست الشرطة بحاجة للجمارك.
ونحسب ان تجربة عسكرة الجمارك فى السودان تجربة حديثة، والسودان يعتبر آخر الدول التى ضمت الجمارك للشرطة، والى وقت قريب كان بعض ضباط الجمارك يتصرفون وكأنهم مدنيون، ولولا عمليات الاحلال والابدال والتنقلات التى تمت بين الشرطة والجمارك لما اصبحت قوة شرطية منظمة، اضف الى ذلك ان عسكرة الجمارك مكنت رجل الجمارك من انفاذ عمله والاضطلاع بدوره كاملاً فى ظل تمتعه بصلاحيات رجل الشرطة، بالاضافة الى تمكينه من انفاذ قانون الجمارك، ولا يستطيع مدنى انفاذ القانون باعتبار ان السلطة التنفيذية هى سلطة اصيلة لدى الشرطة والقوات النظامية.
ودمج الجمارك فى الشرطة وتدريبهم شرطياً ونقل الشرطيين الى الجمارك اكسبها خبرة كبيرة فى التكتيكات الميدانية والعمليات والمطاردات وخطط نصب الكمائن وضبط المهربين وقطع الطريق امامهم، وأصبحت لها خبرة كبيرة فى فرض هيبة الدولة وسيادة حكم القانون وحماية الثغور والانتشار في الحدود، اضف الى ذلك ان الزى الشرطى للجمارك اثناء انتشارها يسهم فى بسط الامن والاستقرار ويسهم فى حفظ الحدود والمعابر.
وذلك بجانب المزايا الاخرى، فالشرطة السودانية مدرسة حكيمة تسهم دوماً فى ضبط من لا ينضبط، واسهمت فى ضبط وتنظيم قوات الجمارك ادارياً ورقابياً، لذلك من الصعب حلها واحالتها لقوة مدنية. ونحسب أن تبعية الجمارك ادارياً للشرطة وفنياً لوزارة المالية تكسبها قوة ومتانة ولا تضعفها كما يزعم البعض من ذوى الاجندة والافكار الهدامة، فالجمارك تعتبر ذات ايرادات مالية عالية والداعم الاساسي لخزانة الدولة، واصبح يعول عليها الآن بطريقة غير مسبوقة، فحينما كانت الجمارك مدنية كانت شأنها شأن الضرائب والزكاة لا يوجد قانون عسكرى ينظمها ويضبطها، وتقوم بمد خزانة الدولة بما تجود به قريحتها، ولكن حينما اصبحت قوة عسكرية اصبحت اكثر انضباطاً.
والآن أصبحت الجمارك قوة مسلحة تطارد فى الحدود وتسترد الاموال، وتمتلك العتاد والعدة لمكافحة عمليات التهريب، وتحقق الربط بأعلى مما هو مطلوب منها وكله بالقانون، ولولا القوانين النظامية لما تمكنت من فعل كل ذلك. وباختصار من ينادون بتمدين الجمارك حمقى ليس الا، ولكى تتأكدوا من صدق حديثنا فإن الجمارك فى اغلب دول العالم قوة شرطية، انظروا لدول الاقليم والدول العربية، الم تزوروا مطاراتها؟ فالمنطق يقول بأن لا تعرضوا اقتصاد البلاد لتغييرات جذرية غير مضمونة العواقب، ويمكن دراسة التجربة بكل جوانبها ومعرفة الإيجابيات والسلبيات ومن ثم اتخاذ القرار، ولو علينا تتم عسكرة الضرائب والزكاة وليس الجمارك لوحدها.. أها شن قولكم؟!

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق