مشارح الخرطوم.. تتعدّد الأسباب و(الجثة) واحدة

الخرطوم: صديق رمضان
في عهد النظام المباد كان الحديث عن الإحصاءات بالمشارح الثلاث بالعاصمة من الخطوط الحمراء، التي ترفض الأجهزة الأمنية مجرد الاقتراب منها، لأن الأرقام تصلح لتكون مؤشراً لإدانة الحكومة والمجتمع، وبعد أن باتت الإنقاذ صفحة من الماضي فإن الواقع اختلف وهذا هو الأمر الذي جعلنا نتصفح أوراق المشارح الثلاث بالعاصمة، والتي كشفت ورغم الإيمان التام بالقضاء والقدر عن أوجه عديدة تحتاج إلى الدراسة العميقة والمتأنية وعلى سبيل المثال، فإن عدد الأطفال حديثي الولادة ومجهولي الهُوية الذين دخلت جثامينهم المشارح خلال عامين وتسعة أشهر بلغ 677 طفلاً، أما الذين تمت مواراة جثامينهم الثرى ولم يتم التعرّف على هُويتهم في ذات الفترة فقد بلغ عددهم 1633 مواطناً، فيما تصدّرت حوادث السير أرقام أسباب الموت، ويأتي بعدها الوفاة في ظروف غامضة، بالإضافة إلى الانتحار والقتل العمد، وبلغ عدد الجثامين التي استقبلتها المشارح الثلاث في 33 شهراً تسعة آلاف واثنين وخمسين جثة.
2017.. أرقام مُفزعة
دعونا نبدأ في بداية تحقيقنا هذا بتصفح اوراق المشارح الرسمية المتمثلة في الارقام والاحصاءات التي تشير الى انه وفي العام 2017 استقبلت مشارح امدرمان، بشائر والاكاديمي، ثلاثة الاف وخمسمائة واثنين وخمسين جثة، بواقع 1608 بمشرحة ام درمان تم تشريح 1264 منها، فيما استقبلت مشرحة بشائر 1331 جثة تم تشريح 1149، واخيراً تأتي مشرحة الاكاديمي التي استقبلت في العام 2017 613 جثة تم تشريح 357، ومن هذا يتضح أن مشرحة ام درمان التي تقدم خدماتها لاربع محليات هي الاعلى استقبالاً للجثث، ورغم ذلك كان يعمل فيها حتى النصف الاول من شهر ديسمبر اختصاصي تشريح واحد، فيما يعمل في بشائر والاكاديمي سبعة اختصاصيين، ويبدو امر مشرحة امدرمان غريباً بعض الشيء، لجهة اهمية وجود اكثر من خمسة اختصاصيي تشريح فيها لضغط العمل، وهو امر حاولنا ان نجد له تفسيراً، وافادنا مصدر ان وزير الصحة السابق والمعتقل حالياً مأمون حميدة هو من وجه بذلك رغم وجود اثنين من الاختصاصيين لفترة من الزمن بدون اعباء في مشرحة امبدة التي لا تزال تحت التشييد.
أسباب الوفاة
ونغوص في ذات الاحصاءات للعام 2017 والتي تًصنِّف وتُوضِّح اسباب وفاة 3552 مواطناً تم ادخال جثامينهم المشارح الثلاث الموجودة بالعاصمة، يأتي الموت في ظروف غامضة في المرتبة الاولى بستمائة وثلاثة وسبعين بمشرحة امدرمان، وستمائة واحد عشر ببشائر، اما جرائم القتل فقد بلغت 146 بامدرمان و138 بمشرحة بشائر و29 بالاكاديمي، وتجاوز رقم الموت بسبب حوادث المرور الالف ومائتي حالة، فيما بلغت حالة وفاة الاطفال حديثي الولاة اكثر من مائتين.
توزيع المحليات
وتوضح ذات الاحصاءات نصيب كل محلية من الجثامين التي تم ادخالها المشارح الثلاث في العام 2017، وتأتي مشرحة امدرمان في المقدمة باستقبالها لاكبر عدد من الجثث من محليات اخرى حيث بلغت جثامين محلية امبدة 455، وبحري 346، و كرري 248 جثة، اما مستشفى بشائر فان اكثر المحليات التي تم تحويل جثامين الى مشرحتها فهي الخرطوم بواقع 245، ثم جبل اولياء بعدد221 جثمان، وفي مشرحة الاكاديمي فقد تصدّرت محلية الخرطوم بعدد 548 جثماناً.
الدفن بواسطة المشارح
تتولى المشارح ايضاً مسؤولية دفن جثامين الذين يتوفاهم الاجل لاسباب مختلفة وهم مجهولو الهُوية وفي العام 2017 تم دفن 780 جثمان مجهول الهُوية بواقع 117 طفلاً و100 كبار سن، وذلك بمشرحة امدرمان، اما بشائر فقد تم دفن 352 جثماناً، فيما تم دفن 112 جثماناً بواسطة مشرحة الاكاديمي.
2018 العدد يرتفع
في العام 2018 فان عدد الجثامين التي استقبلتها المشارح الثلاث بالعاصمة بلغ 3592، كان اعلاها بمشرحة امدرمان وبلغ 1749 منها 743 في حوادث مرور و189 جرائم قتل و101 بسبب الغرق، 136 من حديثي الولادة و14 حالة تسمم بالصبغة، اما مشرحة مستشفى الاكاديمي فقد استقبلت 856 جثمان منه 254 موت في ظروف غامضة و250 حوادث مرور، وثمانية اطفال حديثي الولادة وذات العدد طلق ناري، اما مستشفى بشائر فقد استقبلت مشرحته في العام المنصرم 987 جثماناً منها 369 حالة وفاة بسبب حوادث المرور و292 الموت في ظروف غامضة و94 جرائم قتل و95 اطفال حديثي الولاة ،وبلغت الجثامين التي تم تشريحها بالمستشفيات الثلاثة 2701 .
مجهول ومعلوم الهُوية
وفي ذات العام فان الذين توفاهم الاجل وشاءت الاقدار ان يتم ادخالهم المشارح الثلاث بالخرطوم فقد اشارت تصنيفاتهم الى ان معلومي الهُوية منهم بلغوا 2813 بواقع 1405 بامدرمان، و723 بالاكاديمي، و685 ببشائر، فيما بلغ عدد مجهولي الهُوية 499 منهم 207 بمشرحة امدرمان، اما الاطفال حديثو الولاة فقد كان عددهم 279 طفلاً دخلت جثامينهم المشارح اكثرهم في ام درمان بواقع 136 طفلاً.
2019 .. انخفاض محدود
أما العام 2019 فقد شهد حتى شهر سبتمبر انخفاضاً في عدد الجثامين التي دخلت المشارح الثلاث والتي بلغت 1909، والغريب في الامر ان بشائر سجلت اعلى نسبة استقبال للجثامين على غير العادة في الاعوام الماضية، حيث كانت امدرمان تتصدر وبلغت في بشائر 1006 جثامين، فيما جاء الاكاديمي في المركز الثاني بعدد 563 جثماناً، واخيراً امدرمان بعدد 340، اما احصاءات الجثث التي تم تشريحها فقد بلغت 1391 اعلاها ببشائر بواقع 808 جثث، اما التي يتم تشريحها فقد بلغت 559 جثة.
مجهولو ومعلومو الهُوية
وعلى صعيد مجهولي ومعلومي الهُوية فان عدد معلومي الهُوية من الجثامين التي تم ادخالها المشارح الثلاث فقد بلغت 1433 جثة، اعلاها في مشرحة بشائر بعدد 632 وادناها بامدرمان وبلغت 270، اما في جانب مجهولي الهُوية من كبار السن فقد بلغ عددهم 354 منهم 260 بمشرحة بشائر، وعلى صعيد الاطفال حديثي الولادة فقد بلغ عددهم 164 .
تتعدّد الأسباب والموت واحد
وفيما يتعلق باسباب وفاة الجثامين التي تم ادخالها المشارح الثلاث حتى شهر سبتمبر من هذا العام، فان حوادث المرور جاءت في المرتبة الاولى بواقع 608 حالات وفاة، ثم الموت في ظروف غامضة وبلغت حالاته 595، فيما احتلت وفيات الاطفال حديثي الولادة المرتبة الثالثة بعدد 158 ثم جرائم القتل بـ145 جريمة، وتأتي بعد ذلك اسباب اخرى منها التسمم بالصبغة (12 حالة)،الحريق (26 حالة)، الصعق الكهربائي، الشنق ،الاجهاض، بالاضافة الى العلل والجروح والكسور .
إيرادات ؟
من الغرائب التي وقفنا عليها من خلال تقليبنا لاوراق المشارح الثلاث بولاية الخرطوم التي تتبع لادارة هيئة الطب العدلي التابع لوزارة الصحة بولاية الخرطوم، انها من الجهات الايرادية حيث بلغ دخل المشارح في العام 2018 مبلغ 659 الف جنيه ببشائر، و832 الف جنيه بمستشفى الاكاديمي، فيما بلغ دخل مشرحة امدرمان 85 الف جنيه، وفي هذا العام حققت مشرحة الاكاديمي حتى سبتمبر 601500 جنيه، فيما بلغ دخل مشرحة امدرمان 80000 جنيه، والايرادات التي تحققها هذه المشارح تأتي من الرسوم المفروضة من قبل وزارة الصحة على جثامين الاجانب التي يتم حفظها وتشريحها وتحنيطها.
ناقوس خطر حقيقي
في ظل عهد الانقاذ المباد فان الحديث جهراً عن احصاءات المشارح كان من الممنوعات، ورغم ان اختصاصيي التشريح الاحد عشر بالعاصمة يتصفون بالشفافية، الا ان الاجراءات الصارمة حالت كثيراً بينهم والكشف عن حقائق تبدو صادمة للرأي العام، وابرزها بطبيعة الحال مجهولو الهُوية الذين يمضي عددهم في ارتفاع والذين بلغ عددهم في العام 2017 رقماً كبيراً وهو 780 وقد تم دفنهم بعد استيفاء الاجراءات القانونية، اما في العام 2018 فقد بلغ عدد مجهولي الهُوية بالمشارح الثلاث 499، اما في هذا العام وحتى شهر سبتمبر فقد بلغ عدد مجهولي الهُوية 354 جثة، وخلال عامين وتسعة اشهر فان مجهولي الهُوية الذين تم دفنهم بلغ عددهم 1633 جثة، وعلمنا انهم من مختلف الاعمار حيث تعمل ادارات المشارح بالتعاون مع الادلة الجنائية على تصويرهم ومن ثم دفنهم بعد اكمال الاجراءات القانونية بمشاركة النيابة وكل الجهات المختصة.
مجهولو الأبوين
أما الخطر الثاني الذي كان ايضاً من المحظورات هو الاطفالي مجهولو الهُوية وهم ابناء العلاقات الجنسية غير الشرعية، حيث يتم التخلص منهم على قارعة الطريق وكثير منهم يصل الى المشارح ناقصاً بعضاً من اعضائه وقد بلغ عددهم في العام 2017 رقماً كبيراً، وهو 234 طفلاً حديث الولادة، اما في العام 2018 فقد ارتفع عدد الاطفال حديثي الولادة الى 279 طفلاً، حيث استقبلت مشرحة امدرمان اكبر عدد منهم بواقع 136 طفلاً، اما في هذا العام وحتى شهر سبتمبر فان عدد الاطفال مجهولي الهُوية الذين استقبلتهم المشارح ثم تم دفنهم لاحقاً فقد بلغ 164 طفلاً، وهذا يعني ان مشارح العاصمة فقط استقبلت في عامين وتسعة اشهر 677 طفلاً وهو رقم كبير يستدعي التوقف عنده ملياً.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق