السودان: الطيب مصطفى يكتب: هيبة الدولة والسلام المستحيل!

] حق لإبراهيم الشيخ القيادي بحزب المؤتمر السوداني ورئيس وفد (قحت) للتفاوض حول السلام أن يرجع مغاضباً من جوبا بعد أن إعترف ب(استحالة تحقيق السلام بالشكل الراهن للتفاوض) ، وهو ذات ما كنا نعتقد ، ذلك أن السلام اليوم أبعد منه غداة سقوط النظام السابق.
] وهكذا تتمزق الوثيقة الدستورية مرة أخرى بعد أن انتهت فترة الستة اشهر المنصوص عليها والمحددة لإحراز السلام في تلك الوثيقة بدون أن يتحرك قطار السلام خطوة واحدة إلى الأمام ، إنما رجع القهقرى ، فبربكم ما الذي نجحت فيه (قحت) منذ أن وسد الأمر إليها بدون أية شرعية مستحقة ، أي بمنطق (كريم أدى غشيم)!!!
] نعم ، لقد تمزقت الوثيقة الدستورية مرة أخرى جراء الفشل في التوصل إلى سلام في التوقيت المحدد كما تمزقت يوم زورت وجاءتنا (قحت) بوثيقة مختلفة عن تلك التي وقعت بحضور إقليمي ودولي باذخ!
] لماذا أقول إن السلام أبعد مما كان عليه يوم سقوط نظام الإنقاذ؟
] لأن مهر السلام ، ولا أقول دمه ، موزع بين قبائل شتى بمعنى أنه لا توجد سلطة مركزية واحدة تتفاوض حول السلام مثلما كان عليه الحال في عهد النظام السابق الذي كان لا ينازعه في ذلك أحد أما اليوم فإن الأمر متنازع بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء و(قحت) بل إن داخل كل من الكيانات الثلاثة هناك أكثر من جهة تفاوض وتمنح وتمنع بدون مرجعية متفق عليها بين الجميع ، هذا فضلاً عن أن السلطة الواحدة في النظام السابق كانت تتفاوض حول دارفور ومنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق أما اليوم فقد (تمرد) كل السودان تقريباً لدرجة إنه حتى شمال السودان بات يطالب بمنبر تفاوضي لأول مرة في التاريخ ناهيك عن الشرق وعن حركات مسلحة جديدة بل وعن النازحين الذين منحوا منبراً جديداً قيد التشكيل!
] للأسف فان شرق السودان لم يعد في عافية فقد بات مصدر (عكننة) بعد أن اشتعلت المعارك بين مكوناته القبلية والأثنية بصورة غريبة ومخيفة باتت تهدد الأمن القومي للبلاد أما دارفور فهي أصلاً (عايرة وادوها سوط) جراء انفتاح شهية الحركات المسلحة لرفع سقوفاتها التفاوضية وهو أمر لا يقتصر عليها أنما يشمل الجميع فالحالة الثورية التي أحدثت تغييراً في الاستراتيجيات والخطط تمددت لتشمل الجميع على حساب السلطة المركزية التي أضحت مستضعفة ومهيضة الجناح بعد أن تطاول عليها الجميع وحملوها كل مشكلاتهم وتظلماتهم القديمة والجديدة مما أخشى أن يهوي بالبلاد إلى مستنقع الاحتراب والخراب الذي ضرب دولاً كانت أكثر عافية في محيطنا الإقليمي.
] للأسف تزايد شعار صراع المركز والهامش ضراوةً وبات المركز (ملطشة) لا بواكي لها بالرغم من أنه العاصم الأول من قواصم التشظي والانقسام والتفكك فهو الذي يمسك أطراف البلاد ويجمع شتاتها ويحول بينها وببن التمزق والتفرق.
] من تراه يقنع الجميع أن المركز الذي يبغضون هو الذي يمثل الجميع وأنه بالنسبة لأمن البلاد ووحدتها وسلامها الاجتماعي أكثر أهمية وبدلاً من حمل المعاول لهدمه على الجميع الحرص عليه مع علاج عواره حتى لا تتمزق بلادنا أيدي سبأ.
] أرجع لأقول إن الحابل اختلط بالنابل فتجد حميدتي ، وهو في رأيي الفاعل الأكثر تاهيلاً من حيث امتلاكه القدرات العسكرية والمالية ، يصول ويجول بين دول الجوار وبين الحركات المفاوضة لكنه يبذل جهده بل ويغدق العطاء على الطرف الخطأ ففي حين تجده يوقع كل حين اتفاقاً مع عقار آخرها حول الإغاثة الإنسانية بالرغم من أنه (عمده بلا أطيان) ولا يملك أن ينفذ الإتفاق الأخير لأنه ليس مسيطراً على الأرض ، يفشل حميدتي – حتى الآن – في التوقيع مع الحلو !
] للأسف نحن نعمل بفقه كلما جاءت أمة لعنت أختها فلو كنا تعافينا من أمراض القلوب والتشاحن والتباغض والسخائم لبدأ الحكام الجدد من حيث انتهى سابقوهم بدلاً من فتح المجال للغاشي والماشي!
] كذلك تجد بعض أعضاء آخرين من المجلس السيادي يشدون الرحال بين الفينة والأخرى إلى جوبا وكذلك الحال بالنسبة لرئيس الوزراء حمدوك الذي لم ينس حظه من حق إتاحه له منصبه الذي لا يجد إعترافاً من أحد ، كما إن (قحت) تصر على لعب دور في التفاوض كما رأينا من تصريح ابراهيم الشيخ الأخير والذي يعتبر نفسه معبراً عن (قحت) (الحزب الحاكم) لكنه حزب متشاكس لا يملك رؤية موحدة حول القضايا الخلافية الشائكة فهو والشيوعي والأمة ليسوا متفقين على تلك القضايا وليس أدل على ذلك من الرؤى (المشاترة) للحزب الأكثر فاعلية في (قحت) والذي يعتبر بمثابة الحزب الحاكم الحقيقي الآن وأعني به الحزب الشيوعي بأجندته المتحركة التي توشك أن تغرق البلاد في الفوضى.
] كذلك فإن هناك مفوضية سلام مكونة بموجب الوثيقة الدستورية ووضع على رأسها رجل مؤهل ويعتبر الأكثر تأهيلاً من كل الضالعين في أمر السلام وأعني به بروف سليمان الدبيلو الذي جرد من سلطته وأخذ الآخرون يتراكضون بحثاً عن دور سيما وأن هناك فراغاً كبيراً لبعض العاطلين الحاشرين أنفسهم في الملف بدون أدنى سبب يؤهلهم لذلك!
] لست أدري ما (قنع) ابراهيم الشيخ وأصابه بالإحباط بالرغم من أنه ألمح إلى عجزه عن (معالجة الإختلالات المرافقة للعملية التفاوضية) لكني مقتنع أن مشكلة المشاكل لكل أطراف المركز أو السلطة المفاوضة أنهم لم يتفقوا على رؤية أو مرجعية موحدة حول القضايا المطروحة مع تعدد الجهات المفاوضة وتهاون الشق العسكري في فرض هيبة الدولة وفي وضع مرجعية للتفاوض تقوم على ما إنتهى إليه الأمر خلال النظام السابق بدون تهاون أو فتح جبهات جديدة لن تزيد البلاد إلا تمزقاً وضعفاً.
] مثلما أخطأ المجلس العسكري في تسليم السلطة لقحت التي فشلت في معالجة كل ما أغضب الشارع وأشعل الثورة ، سواء معاش الناس أو تحقيق السلام أو توفير الحريات بل تصاعدت الأزمات وانقسم الشارع وإزداد احتقانه وضعفت هيبة الدولة وتناقصت سيادتها على أرضها جراء الخلافات المحتدمة سيما بعد أن تفاقمت روح التشفي والإنتقام والترصد الذي أيقظ المارد الإسلامي ، مثلما أخطأ المجلس العسكري الذي يعلم أن البلاد ليست أفضل مما كانت عليه يوم تسلمه السلطة عليه أن يعيد الأمور إلى نصابها قبل فوات الآوان.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى