موازنة ٢٠٢٠

كنت أرصد بدقة اجتماعات اجازة موازنة العام ٢٠٢٠م واترقب ما ستسفر عنه تلك الاجتماعات التى ظلت تنعقد لاكثر من يومين ارتفعت خلالها اسقف التوقعات والطموحات، بينما كنت اعتقد بشدة ان الموازنة لن تخرج سوى بخفى حنين وخرجت كما توقعتها ..
أعتقد ان الشكل الذي خرجت به الموازنة لا يرقى الى شكل موازنة لدولة، فاذا نظرنا اليها نجد انها فضفاضة في معظم بنودها حيث لم تحدد بدقة ما تصبو اليه في عدة نقاط اضف الى ذلك انها لم تراعِ للفقر المدقع وستدخل البلاد والعباد في نفق ضيق يتوجب معه الخروج الى الشارع مجدداً لاسقاط هكذا حكومة.
اهتم واضعو موازنة ٢٠٢٠م بارضاء البنك الدولى وانفاذ سياساته الرامية الى رفع الدعم عن اهم السلع الضرورية كالبنزين والجازولين والكهرباء وتحرير سعر الصرف والنظام المصرفي وتعويم العملة المحلية وغيرها من سياسات البنك الدولى التى راعت لها الحكومة طمعاً في جدولة الديون ومنح قروض جديدة للسودان .
ما لا يعلمه الكثيرون ان موازنة ٢٠٢٠م ليست سوى ذات الموازنة التى وضعها معتز موسى وسعى في انفاذها العام الماضي والتى اسماها بنظرية العلاج بالصدمة، هذا النوع من انواع العلاج الاقتصادي اثبت فشله حينما طبق في ثلاث دول مختلفة فهو نظام يتوقف على رفع الدعم وتعويم الجنيه وتحرير سعر الصرف وخصخصة المؤسسات وغالباً ما ينتج عنه ارتفاع اسعار الصرف وهو ما حدث ابان فترة تولى معتز موسى لرئاسة مجلس الوزراء وها هو التاريخ يعيد نفسه من جديد .
إن رفع الدعم عن المحروقات سيقود الى انهيار قطاع النقل وارتفاع كلفة المواصلات ولمعالجة ذلك فلن يتأتى الامر الا باحد امرين اما فتح الباب امام الشركات العالمية للاستثمار فى البلاد خاصة في مجال البنى التحتية والنقل والمواصلات او تشجيع الناقل الوطنى وانشاء خطوط السكك الحديدية والترماى، وان اتجه المستثمرون واصحاب المال الى الاعتماد على السكك الحديدية في نقل البضائع فذلك سيتسبب في انهيار قطاع الشاحنات واخراجها من سوق العمل باعتبارها سترفع كلفة النقل والترحيل للبضائع بسبب ارتفاع اسعار الوقود .
طالما ما زال قطاع البنى التحتية مدمراً فذلك سينعكس سلباً على اسعار السلع الضرورية والكمالية والتى يتم نقلها من الموانئ الى المدن ، ستتأثر اسعار السلع ايضاً بالاضافة الى ارتفاع اسعار النقل بارتفاع الضرائب، حيث تناولت الموازنة زيادة معدلات التغطية الضريبية وهذه ينزلها التجار مباشرة في اسعار السلع وستنعكس سلباً على المواطن، اضف الى ذلك ان تعويم العملة المحلية وتحرير سعر الصرف والنظام المصرفي سيقود الى ارتفاع اسعار الدولار نظير الجنيه وقد يفوق الـ١٥٠جنيهاً خلال اشهر عديدة فضلاً عن ان تحرير النظام المصرفي سيقود بطريقة مباشرة الى ارتفاع سعر الدولار الجمركى، وكله حيرتفع سواء أكان اسعار السلع او البضائع او الدولار او الوقود او حتى التضخم نفسه سيرتفع بشدة .
إن تحرير الدولار ورفع الدعم عن الكهرباء خاصة في قطاع الصناعة سيقود اما الى انهيار القطاع الصناعى بالبلاد او ارتفاع كلفة المنتج المحلى، بسبب ارتفاع اسعار المدخلات والمواد الخام وارتفاع كلفة التصنيع ما ينعكس على ارتفاع كلفة الانتاج، وذلك سيجعل المنتج المحلى غير مرغوب فيه في ظل منتج مستورد يصل البلاد ويباع بسعر اقل مقارنة بالمنتج المحلى .
الميزانية التى يبدو انها لا تشبه ميزانية دولة وتبدو وكأنها نموذج وضعه طلاب في المستوى الاول من كلية الاقتصاد، كانت فضفاضة وخجولة ومبهمة واتسمت بعدم الوضوح فيما يتعلق بدعم التعليم والصحة وكيفية تشغيل العطالة وهذه تحديداً ترد في كل الموازنات منذ عهد الانقاذ ولا تجد طريقها للتطبيق خاصة في ظل ميزانية اغفلت جانب الاهتمام ودعم الزراعة واغفلت جانب ضبط السوق، وبصراحة ونجيكم من الاخر الميزانية دى حررت السوق بطريقة غير مباشرة واطلقت يد التجار والبنوك والمؤسسات التجارية، واغفلت جانب الاسر الفقيرة فماذا سيفعل مبلغ دعم ٣٠٠ جنيه لاسرة فقيرة، الموازنة المذكورة رفعت كلفة غاز الطهى والسلع الغذائية بطريقة مغلفة حينما رفعت الدعم عن الوقود الذي يستغل في نقل تلك السلع يعنى حتشوفوا ارتفاع اسعار الغاز والرغيف لان اى زيادة في الترحيل بتنعكس على المنتج يا جماعة، ولا تفرحوا بالزيادة المضاعفة فهى زيادة في الراتب الاساسي فقط يعنى تبلوها وتشربو مويتها .
ليس امامنا خيار سوى ان نقول موازنة ٢٠٢٠م لعب على الدقون وذر للرماد في العيون وتخدير للمواطن ويجب ان لا يسكت الشارع على تلك الموازنة والسكوت عليها يعنى زيادة رقعة الفقر في بلادى وزيادة الطبقات الثرية ثراءً على حساب المواطن، الموازنة هذه يا هؤلاء موت بالبطيء فلتنهض امتى ولتناهضوا الفقر القادم ، اللهم قد بلغت فاشهد!

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق