منجم (فينا ) للذهب.. لصـــالــح مــن طُــرد المُعـدِّنـون؟

بورتسودان: صديق رمضان

قضى الشاب آدم أبكر نصف عمره في معسكر كلْمة للنازحين الذي يقع على تخوم مدينة نيالا حاضرة جنوب دارفور، بعد وفاة والده في الحرب التي دارت رحاها بالإقليم حمل على عاتقه مسؤولية أسرته، لم يترك عملاً إلا وطرق بابه ودائماً تأتي المحصلة متواضعة لا تتجاوز توفير أدنى متطلبات الحياة لإخوته ووالدته، وحينما ظهر الذهب في منطقة «فينا» بمحلية شرق الجبل ابتسم له الحظ أخيراً مثل غيره من عشرات الآلاف من النازحين الذين وجدوا أخيراً مصدر دخل ثابت كان سبباً في عودتهم الطوعية إلى مناطقهم وتغيير واقع حياتهم نحو الأفضل، غير أن فرحتهم لم تكتمل بعد أن قررت سلطات جنوب دارفور إغلاق المنجم.

هبة السماء
حتى شهر مارس من العام الماضي كانت الاوضاع تمضي طبيعية ورتيبة بمحلية شرق جبل مرة بولاية جنوب دارفور، وهي من المناطق التي هجرها اهلها بسبب الحرب غير ان الاوضاع تغيرت تماماً في شهر ابريل حينما لمع المعدن النفيس في اعلى الجبل لتتناقل الألسن هذا الخبر السار الذي نزل برداً وسلاماً على مواطني المنطقة الذين ابتسم لهم الحظ اخيراً وقدم لهم المعدن النفيس على طبق من ذهب، بعد معاناة مع الحرب والنزوح، لتنشط المنطقة خاصة «كدنير» وهي من كبريات الوحدات الادارية بمحلية شرق الجبل ، ليعود اولئك الذين لاذوا بالكهوف من الحرب ومن اتخذ معسكرات النازحين ملجأً ومستقراً اليها، ورغم ان منجم «فينا» يقع في مناطق سيطرة الحركات المسلحة الا ان منطق المصالح الاقتصادية فرض وجوده عقب حدوث تنسيق فريد من نوعه بين الحركات واجهزة الحكومة بوساطة ناجحة من الادارة الاهلية والمجتمع، وتواضعت كل الاطراف على حماية عمليات التعدين واستغلالها لتكون عامل جذب للنازحين حتى يعودوا الى مناطقهم لاعمارها بعد ان دمرتها الحرب.
«كدنير» و»ليبا»
وذات الاقدار السعيدة التي جعلت الذهب يظهر في «فينا» في جبل مرة فانها ابتسمت ايضاً لاهل منطقتي «كدنير» و»ليبا» فقد احتضنتا مواقع عمليات استخلاص وبيع الذهب وكان كل الخام يصل في أمان الى المنطقتين وخاصة «كدنير» ومع تصاعد عمليات التعدين نمت المنطقة سريعاً وجذبت عشرات الالاف من المشتغلين في هذا المجال ووصلت الطواحين الهوائية الى ثلاثمائة، والماكينات الكبيرة الى ثلاثين، بالاضافة الى خمسة وسبعين من الطواحين المائية، وفي ظل الاستقرار فان الاوضاع كانت تمضي بوتيرة متسارعة حتى وصل الانتاج اليومي بحسب احصاءات رسمية الى سبعة كيلو جرامات وهي تعادل مائتي الف دولار، ومن واقع وجود كميات كبيرة من الذهب فان عدد العاملين في المناجم وصل الى خمسة وتسعين الف مواطن من كل ولايات السودان، لتشهد المنطقة حركة اقتصادية لافتة، ومثلما جذب الذهب الباحثين عن الرزق الحلال فانه ايضاً كان سبباً في وجود المتفلتين الذين ارتكبوا خلال شهري اغسطس وسبتمبر اربعين حادثة .
قرار مفاجئ
أثارت الحوادث المتكررة حفيظة مواطني المنطقة الذين لم يجدوا غير تحميل مسؤوليتها للقوات النظامية الموجودة التي سيروا اليها مسيرة استنكار، ويبدو ان ثمة من كان ينتظر مثل هذه السانحة فكان ان اتخذ والي جنوب دارفور اللواء ركن هاشم خالد محمود، القرار رقم 81 في شهر اكتوبر اي بعد ستة اشهر فقط من اكتشاف الذهب وقضى بمنع كافة اشكال التعدين الاهلي في محليات شمال الولاية «شرق الجبل، مرشينج، الوحدة»، واصاب هذا القرار اكثر من 118 الف مواطن بالاحباط والغضب، وذهب البعض بعيداً في تفسيراتهم له بانه اراد من القرار قفل المنجم لصالح شركات محددة، واعتبروا ان القرار ظالم لانه منع اهل المنطقة من التعدين وهو حق مكفول لم يُحرم منه مواطنون في اي منطقة في السودان، وبعد ان امتثل المعدِّنون للقرار لم يستسلموا فقد طرقوا كافة الابواب حيث تقدموا بمذكرة في الثالث عشر من اكتوبر الى حكومة الولاية وغيرها من جهات وجلست وفود في لقاءات الى الوالي غير ان كل هذه الجهود باءت بالفشل بداعي تمسك الوالي بقراره لتقع خسائر فادحة على المعدِّنين الاهليين الذين يقدرونها بخمسمائة مليون جنيه .
تناقض وتدخل
ويقول مقرر لجنة متابعة فتح مناجم شرق الجبل، عيسى باسي، ان حكومة الولاية ادعت في البداية ان المنجم يدعم المتمردين وانهم فندوا هذا الادعاء ،واضاف في حديث لـ(الانتباهة) ان هذا الاتهام عار تماماً من الصحة وهي كلمة حق اريد بها خلاف ذلك، فقد اوضحنا لحكومة الولاية ان الانتاج بعد قرار الوالي لم يتوقف، وانه وبدلاً من دخول المنتج خزانة الدولة خرج كلياً عن سيطرتها، مبيناً انهم وبعد دحض كل حجج حكومة الولاية فان الوالي كشف عن السبب الحقيقي الذي يقف وراء اصرار قرار اغلاق المنجم ويتمثل كما اوضح في صدور توجيه من نائب المجلس السيادي الفريق اول محمد حمدان دقلو، وقال باسي ان الوالي اكد لهم عدم امكانية فتح المنجم اذا لم يتلق توجيهاً من حميدتي، ويمضي عيسى في حديثه ويلفت الى ان الوالي وجّه في الرابع عشر من نوفمبر بترحيل خام الذهب» الكرتة» من «كدنير» الى محليات اخرى، ويعتبر ان في هذا دلالة واضحة بان القرار تم اتخاذه لحرمان اهل المنطقة من هذا الحق، ويرى ان فيه تعسف، وقال ان ذات الخام المنتج من المنجم يتم ترحيله الى مناطق اخرى مثل «صولبا، طيبة، الشاكرين» وينقل الى اسواق طحن خارج دارفور مثل ام بادر وجبرة، وقال ان شركة محددة استولت على الكرتة وانها تقف وراء ابعادهم عن المنجم، لافتاً الى ان جهات طلبت منهم العمل في مناجم اخرى بعيدة عن منطقتهم الاصلية، الا انه يؤكد رفضهم لعلمهم المسبق للمشاكل التي يواجهها المعدِّنون في مناجم «جبل عامر، سونقو ،سافا، هشابة، سربا وصليعة».
استقرار وعودة طوعية
وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة وراء تحقيق السلام ومن ثم العودة الطوعية للنازحين بدارفور الى مناطقهم الاصلية، فان عمليات التعدين بمنطقة «كدنير» أسهمت في عودة أعداد كبيرة من النازحين وهذا ما يؤكده عيسى باسي الذي يلفت الى ان كثيرين تركوا حياة المعسكرات واختاروا الاستقرار في المنطقة بعد ان توفرت لهم مصادر دخل جيدة، منوهاً الى ان العودة الطوعية صحبتها خطوات جادة وظاهرة النتائج تمثلت في خلق جسور التواصل بين الحكومة والحركات المسلحة ،معتبراً ان هذا القى بظلاله الايجابية على النسيج الاجتماعي بمحلية شرق الجبل الذي اكد بانه بات مترابطاً وحريصاً على الاستقرار، وبخلاف ذلك يلفت عيسى الى ان المحلية شهدت حراكاً اقتصادياً غير مسبوق وان هذا انعكس بدوره على الخدمات، غير انه يؤكد على ان قرار الوالي بدد كل النجاحات الاجتماعية والاقتصادية والامنية التي تحققت في الفترة الماضية.
«الدعم السريع» والاتهامات
أما حسين يحيى ود زرقة، فيبدي اسفه على ايقاف العمل في اسواق «ليبا» و»كدنير»، لافتاً في حديث للصحيفة، الى ان الذهب وبعد ان كانت تفرض الحكومة سيطرتها عليه بات يتم تهريبه، مبدياً تعجبه من قرار الوالي الذي لا تسنده حيثيات منطقية واضاف :اعتقد ان السبب يعود كما يردد كثيرون في دارفور، ان مناجم الذهب باتت هدفاً وهذا الامر يمثل مصدر ازعاج للمعدِّنين التقليديين الذين يتم حرمانهم من مصدر دخلهم لفائدة جهة واحدة، ولعل ما حدث في مناجم جبل عامر وغيره يوضح حقيقة السيطرة على الذهب بدارفور، ويلفت الى ان شركة واحدة ايضاً ظلت تحظى باحتكار الكرتة وان هذا هو سبب اصدار الوالي لقرار منعهم عن العمل، حتى يتيح لها الفرصة كاملة للحصول على اكبر قدر من الكرتة، مبدياً دهشته من ان المواطنين الذين يذهبون للتنقيب عن الذهب في مناطق الحركات لا يتعرضون لمضايقات ولكن في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة يتعرضون لمضايقات واضحة، تهدف الى ابعادهم كلياً عن العمل في الكرتة، معتبراً ان الشركة ليست حكومية وان هذا يعني عدم تمييزها وحمايتها بالقرارات التي تصدرها حكومة الولاية، ورأى ان ما يحدث حالياً يعيد انتاج ازمة دارفور مرة اخرى .
وُجهة لكل السودانيين
أما محمد خير مكي احمد، فقد لفت الى ان اسواق «كدنير» لاستخلاص وبيع الذهب بالاضافة الى الابار كانت تستوعب 118 الف مواطن من مختلف ولايات السودان، وينحدرون من 136 قبيلة، ويقول إن المنطقة وعلى اثر وجود هذه الاعداد الكبيرة من السودانيين شهدت تطوراً كبيراً خاصة على صعيد تماسك النسيج الاجتماعي ورفع معدلات العودة الطوعية، وينوه الى أن سبعة الاف محل تجاري تم اغلاقها بسبب قرار الوالي.
مراجعة القرار
ولان أمد إيقاف العمل في اسواق «كدنير» تطاولت ايامه، فان الشرتاي محمد سليمان حسب الله، يجدد مطالبته للحكومة الاتحادية بضرورة النظر الى قضيتهم بعين الاعتبار، مؤكداً في حديث لـ(الانتباهة) ان الدولة التي رفعت شعار تحقيق السلام، عليها ان تدرك بانهم ايضاً طلاب سلام ويبحثون عن استقرار الاوضاع في دارفور، معتبراً ان مناطق التعدين بمحلية شرق الجبل وفرت فرصاً مثالية للنازحين للعمل والعودة الطوعية، وان هذا يصب في سياسة الدولة، غير ان الشرتاي يبدي حزنه من وجود جهات تعمل على النقيض من سياسة الحكومة بتشريدها للعاملين في اسواق الذهب في ثلاث محليات، معتبراً احتكار عمليات تنقيب واستخلاص وبيع الذهب لجهة محددة، احدث نوعاً من الغبن لانه تمييز سالب، ويجدد مطالبته للدولة باعادة النظر في قرار والي جنوب دارفور الذي قضى بايقاف عمليات التنقيب واستخلاص وبيع الذهب بمحلية شرق الجبل .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى