محكمة قتلة أحمد الخير.. (كتب عليكم القصاص)..!

الخرطوم : رقية يونس

أُسدل ستار قضية المعلم أحمد الخير صباح أمس، بإصدار حكم الاعدام شنقاً حتى الموت لـ(29) مداناً من منسوبي جهاز المخابرات العامة، وسجن اثنان منهما لثلاث سنوات، بالاضافة الى تبرئة (7) منهم من الاتهام في القضية.. المدانون داخل قفص الاتهام وعقب صدور حكم الاعدام في مواجهتهم ظلوا يرددون عبارات (اسود ..وحوش)، في المقابل ضج الحضور بالتهليل والتكبير وانفجارات بالبكاء فرحاً بالحكم..
وشهدت المحاكمة اجراءات امنية مشددة في الدخول وانتشرت قوات الشرطة وناقلات الجنود تفوق الـ(60) عربة على طول المحكمة وفرضت سياجاً بالسلك الشائك منعاً للدخول الى المحكمة حيث تم اغلاق الشارع المؤدي اليها من تقاطع دار حزب الامة وشلت حركة المرور تماما ًوتم تغيير مسار المركبات العامة لشوارع اخرى، في الاتجاه تجمع آلاف الجماهير من المعلمين والطلاب حول (صينية) بيت الخليفة بام درمان يحملون لافتات لصور الشهيد الخير وتطالب بالقصاص في ميدان عام للمتهمين، وآخرون يحملون علم البلاد معلق بطرفه حبل معقود بطريقه (حبل المشنقة)، وآخرين يطرقون الدفوف وينشدون اغاني الثورة حيث اعادت الى اذهان الكثيرين اعتصام القيادة الشهير.

الإعدام شنقاً قصاصاً
أصدرت محكمة جنايات ام درمان وسط أمس حكماً تاريخيا ً بالإعدام شنقاً حتى الموت قصاصاً في مواجهة (29) من منسوبي جهاز المخابرات العامة من بينهم مدير وحدة مكتب امن خشم القربة ضابط برتبة نقيب الى جانب ضابطي امن، وذلك لإدانتهم بالاشتراك الجنائي في القتل العمد للمعلم الشهيد أحمد الخير عوض الكريم، بمنطقة خشم القربة إبان الاحتجاجات التي ضربت البلاد نهاية ديسمبر للعام 2018م.
سجن اثنان ..
واعلن شقيق المعلم الخير للمحكمة تمسكه وجميع اولياء الدم عن الخير بالقصاص دون سواه وذلك عند تخيير المحكمة له بعد ادانتها للمدانين .
واصدرت ذات المحكمة برئاسة القاضي د.الصادق عبدالرحمن الفكي، حكماً بالسجن لثلاث سنوات في مواجهة اثنان من المدانين هما الثلاثون والرابع والثلاثون، لادانتهما بالحجز غير مشروع للمجني عليه المعلم الخير.
براءة (7)..
فيما اصدرت ذات المحكمة حكماً بتبرئة (7) من المتهمين من منسوبي الجهاز من الاتهام بقتل المعلم الخير.
حيثيات الإدانة..
قاضي المحكمة طرح اسئلة عديدة حتى يصل للحكم العادل في الدعوى وابتدرها بهل كان المجني عليه على قيد الحياة حين اعتقاله؟ وتوصل الى الاجابة بنعم، وعلل ذلك الى انه ومن خلال محضر القضية انه تم اعتقال المعلم في 31 من يناير للعام 2019م عندما كان متواجداً امام صيدلية ديوان الزكاة بخشم القربة واقتيد لحراسة الامن بمكتب خشم القربة حيث اكد شهود هذه الواقعة الى جانب افادتهم بان المعلم ادى صلاة الصبح معهم حتى جاءت قوة من امن كسلا وتم ضربه ونُقل الى كسلا وفي الطريق تعب كثيراً وتوفي حيث اكد الطبيب وصول المعلم بمستشفى كسلا واعضاءه الحيوية متوقفة .
عنف جنائي ..
وطرح القاضي سؤالاً آخر بماهي اسباب وفاة المعلم الخير؟ وأرجع ذلك الى انه وبحسب افادة الطبيب الشرعي بمستشفى القضارف د.عبدالرحيم صالح فان المجني عليه توفي نتيجة تعرضه لعنف جنائي تام وذلك من خلال الاصابات المتفرقة بجسمه وما نتج عنها، واكد قاضي المحكمة في حيثيات قراره بانه جاء واضحاً كالشمس في كبد السماء ان سبب الوفاة للخير ومفارقته الحياة لتعرضه لضرب مبرح والاصابات الناتجة عنه، وشدد قائلاً: على أن الاصابات بهذه الكيفية على جسم الخير تشير الى تعرضه للتعذيب، وذلك من خلال اقوال شهود الاتهام وتقرير الطبيب، ولفت القاضي ان التقرير الشرعي افاد بأنه ومن الكشف الظاهري على جثة الخير تبين وجود سحجات وكدمات متفاوتة بمختلف ظهره وساقيه والعضدين وفخذه، في ذات الوقت نوه الى ان تقرير الطبيب الشرعي الى عدم وجود اصابة بكسور في الجمجمة او الاطراف او الوجه، ولم يتبين وجود اصابة بالمستقيم اوالقولون او القضيب اوالخصتين، واشار القاضي الى انه وبفحص عينات دم للمجني عليه لم يثبت وجود سموم فيها.
تعذيب وضرب..
قاضي المحكمة طرح سؤالاً ثالثاً، وقال من الذي احدث الكدمات والسحجات في جسم المجني عليه الخير؟ وافاد بانه ومن خلال اقوال بعض شهود الاتهام فان المعلم اعتقل وتعرض للضرب بمكتب امن خشم القربة حيث ذكر شاهد للمحكمة بان المدان الـ(37) اغلق خلف المعلم باب الحراسة وقال له (اوع تقول لي جنابو انا ملك الموت )، ولفت قاضي المحكمة الى ان بعض الشهود ذكروا بانه وبضرب المعلم من قبل قوة امن كسلا بقيادة المدانين الثاني والثالث واصبح لايستطيع الحركة وفي حالة اعياء شديد وازهقت روحه حيث كان الضرب باستخدام خرطوش المياه وخرطوش الـ(دي دي آر) وركلاً بالاقدام بواسطة الحذاء العسكري (البوت) الى جانب تعرضهم والخير لإساءات بألفاظ نابية، وشددت المحكمة على ان الضرب كان بإيعاذ من المدان الاول مدير امن مكتب خشم القربة، واشار القاضي الى ان احد المتهمين من خشم القربة وقتها طلب من المدان الاول ايقاف الضرب على المعلم وبقية المعتقلين الذي استغرق ساعة او (40) دقيقة الا انه قال له (يازول ماعندك بيهم شغله). في ذات الوقت اكدت المحكمة بان بعضاً من المتهمين من قوة خشم القربة اكدوا واقعة تعذيب المعلم من قوة كسلا وبالتالي فإنها بينة تعضد اقوال شهود الاتهام .
اتفاق جنائي..
وطرحت المحكمة كذلك سؤالاً رابعاً بهل اتفق المتهمون في ضرب المعلم؟واكدت المحكمة بان المدانين الـ(29) بالقتل العمد للمعلم الخير قاموا بضرب المعلم الخير من يوم الخميس 31 يناير وحتى يوم الجمعه الاول من فبراير للعام 2019م وألحقوا به الاذى والكدمات والسحجات حتى توفي في يوم الثاني من فبراير للعام 2019م نتيجه ممارسة سلوك قاسي من المتهمين للمعلم، واردف القاضي قائلاً: (ما حدث هو استمتاع الجاني بتسبيب الاذى للمجني عليه) وبالتالي ارتبطت افعال المدانين في ضرب المعلم فوق مرحلة الشك المعلوم، فيما اكدت المحكمة بان المتهمين اشتركوا جنائياً في وضع تدبير وتنسيق للقبض على المعلم وضربه بالخرطوش ومساعدة وتشجيع بعضهم على ذلك، ولفتت المحكمة الى ان التواجد في مسرح الحادثة يعتبر مساهمة في الجريمة وتشكل جميع افعال من ارتكبوها .
واكدت المحكمة توفر الركن المادي والمعنوي في جريمة القتل العمد والقصد الجنائي للمتهمين، وذلك من خلال ضربهم المعلم وكانت النتيجة الراجحة هي الموت .
طابور الشخصية ..
وحول طابور الشخصية اكدت المحكمة بان التعرف على المدانين في القضية لم يكن على الشهود فقط، وانما كان من خلال خطاب صادر عن مدير جهاز المخابرات العام الفريق اول ابوبكر دمبلاب، حيث اوضح قوة امن خشم القربة المتواجدة يوم الحادثة بجانب افصاحه عن قوة أمن كسلا التي ذهبت لمامورية لخشم القربة بقيادة المتهمين الثاني والثالث ضابطي برتبة ملازم أمن .
لا استفادة من الموانع ..
وأكد قاضي المحكمة في حيثيات قراره الى عدم استفادة المتهمين من اية موانع المسؤولية في القانون الجنائي او قانون الامن الوطني، ولم يستفيدوا من حق الدفاع الشرعي او المعركة المفاجئة ولم يتعرضوا لاستفزاز شديد من قبل المعلم ولم يشكل خطراً عليهم ولم يتعرضوا لحادث عرضي منه ولم يرتكبوا جريمتهم نتيجة الاكراه، الى جانب عدم تلقيهم اوامر من مديريهم بتعذيب المعلم، وشددت المحكمة على ان المتهمين ووقت الحادثة كانوا بكامل قواهم العقلية ولم يستفيدوا من واقعة الاضطراب النفسي والعقلي، وشددت المحكمة على انه تبين بان المتهمين تكالبوا على المعلم وقاموا بالضرب والركل وفق تخطيط مسبق.
واكدت المحكمة بان المتهمين اصحاب خبرة عامة بقانون الأمن الوطني والجنائي وكان عليهم أن يعاملوا المعتقل بما يحفظ كرامة الانسان، ونوهت المحكمة الى أنه ووفقاً للقانون وفرض الاعتقال وقت الاحتجاجات يتم ايداع المعتقلين الحراسة وتأخذ معلوماتهم وتحجز اموالهم ويخضعوا للتفتيش والتحري والتحقيق.
قبول الشهادة ..
ورفضت المحكمة طلبات ممثلي دفاع المدانين برد شهادة بعض شهود الاتهام لتهمة الولاء والمصلحة وبررت الى انها اطمئنت لشهادتهم وصحتها الى جانب ان افادتهم جاءت متماسكة وتعضد بعضها البعض، ونوهت الى ان اختلاف الشهود في التفاصيل الصغيرة لايؤثر في جوهرها لأن الدقة في الاقوال يعني دليلاً للتواصل والاختلاق فيها .
مناهضة التعذيب ..
وعقب النطق بالحكم في الدعوى الجنائية عقدت هيئة الاتهام عن الحق العام النيابة وهيئة الاتهام عن الحق الخاص مؤتمراً صحافيا ً بغرفة المحامين داخل مجمع محاكم جنايات ام درمان وسط، وابتدر الحديث النائب العام تاج السر الحبر، وقال بانه سعيد جداً بان جميع اطراف القضية وحتى المتهمين قد نالوا فرصة عادلة لتقديم قضيتهم، لافتاً الى أن القضية قد هزت وجدان الشعب السوداني قاطبة، لاسيما وان المعلم الخير قد اعتقل واقتيد لحراسة الامن بخشم القربة وتعرض للتعذيب فيها حتى الموت.
وطالب الحبر، بضرورة أن يصادق السودان على العهد الدولي لمنع ومناهضة التعذيب والمعاملة السيئة التي تهين كرامة الانسان، اضافة الى مطالبته بان يصادق السودان على العهود الدولية على حقوق الانسان، منوهاً الى ان هذه الحقوق قد تم اختراقها في النظام السابق وتمت عبرها انتهاكات، مشدداً على ان الحكم في القضية جاء بأسس قانونية واضحة واضحة فندت كل ادعاءات الدفاع حتى تمت ادانة (29) مداناً فيها بالاشتراك الجنائي والقتل العمد وحكموا بالاعدام شنقاً حتى الموت قصاصاً، بالاضافة الى ادانة بعض المدانين بالسجن لادانتهم بالحجز غير المشروع .
قضية مهمة ..
المحامي الشهير عضو هيئة الاتهام عن الحق الخاص وامين امانة المؤتمر الشعبي إسماعيل الازهري، وصف الدعوى بأنها من القضايا المهمة في تاريخ القضاء السوداني، موضحاً بأن الحكم هو نتيجة لبذل جهد المحامين والمحكمة التي ادت الامانة في القضية، واستدل بقول الله تعالى:»ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب).
لا حصانة ولا إفلات ..
القانوني إسماعيل التاج عضو بقوى الحرية والتعبير، قال إن القرار يشكل علامة مميزة وجعل الثورة تصل لاهدافها واضلاعها الثلاثة (حرية سلام وعدالة)، مشدداً على انه لامكان للحصانة في السودان الجديد ولايوجد من يفلت في هذا العهد من العدالة، وطالب بضرورة انضمام السودان لبرتوكول الحقوق المدنية.
وحيا اسر الشهداء وتوعد البلاد بمسيرة جديدة للعدالة .
القصاص لمن انتهك ..
وكان للمعلمين نصيب للادلاء بدلوهم في القضية بالامس، حيث وصف المعلم احمد ربيع سيد احمد، خلال المؤتمر الصحافي، بان يوم امس هو تاريخي في الدولة السودانية وبداية عهد جديد، والتمس بان يتم القصاص لكل من انتهك حقه في البلاد .
أول قضية ..
الخبير القانوني المعروف د.عادل عبدالغني، عضو هيئة الاتهام افاد بان الحكم هو علامة فارقة في القضاء السوداني ونقطة تحول لكل الجرائم التي يتم التستر فيها من قبل الاجهزة الامنية، مؤكداً بانها اول قضية يحاكم فيها منسوبين لجهاز المخابرات العامة في جريمة قتل بسبب التعذيب لاسيما وان جهاز المخابرات كان قلعة حصينة لايطرق بابها ناهيك عن اقتلاعه من قبل هيئة الاتهام التي تمكنت من تحويل ملف القضية الى المحكمة الجنائية العامة وسحبه من امام جهاز الامن الذي كان قد شكل لها محكمة في الاروقة المظلمة دون استدعاء اولياء الدم وشهود الاتهام -بحد قوله- ولفت عبدالغني الى ان تحويل الملف للمحكمة الجنائية هو تحقيق للارادة قبل سقوط العهد السابق، مشدداً على ان القرار استند على جميع القوانين الجنائية والاثبات والدستورية ، مؤكداً بان حكم المحكمة هو البقاء وانهم يعضدونه بالنواجذ.
انتزاع الحق ..
ساطع الحاج عضو هيئة الاتهام قال بان الحكم هو لحظات فارقة ويستطيع الشعب السوداني أن ينتزع حقه ويكسر شوكة الجهاز القمعي الذي كان مع حكومة الطاغية منذ (30) عاماً، مشيراً الى ان المتهمين نالوا حقهم من المحاكمة العادلة، وكانوا لن ينالوها في العهد البائد الذي قتلوا فيه الشهيد .
انتصار للمعلمين ..
سعد الخير عوض الكريم شقيق المعلم الشهيد قال بان الحكم ليس انتصاراً وعدالة لاسرتهم فقط، وانما لكل السودانيين والثوار وعلى الخصوص هو انتصار لشريحة المعلمين قاطبة.
راضية عن الحكم ..
امام المحكمة كانت الحاجة هدى يوسف وهي خالة الشهيد الخير، تذرف الدمع الغزير تبكي دموعاً اختلطت بالحسرة لفقدان ابنها الخير وفرحاً لاخذ العدالة مجراها بالاعدام لمن قتلوه.
(الإنتباهة) انتزعت منها عبارات مقتطبة ولكنها عميقة وقالت بان والدة الشهيد الخير متوفية وانها منذ ذلك الوقت اصبحت امه، ولفتت الى ان صدور الحكم بالامس هو راحة لها وهي راضية تماماً من قرار المحكمة، وظلت تكرر عبارة (الحمدلله الحمدلله) على الحكم وقتها احاط بها العديد من الثوار والطلاب يمسكون برأسها يطبعون قبلات احترام متتالية على جبينها ودموعهم تغلب المشهد وبينهم من كان يقالدها فرحاً ويرردون (ام الشهيد امي)، (ايا ام احمد كلنا احمد)، (ام الخير امي )، (ودم الشهيد ماراح لابسنو نحن وشاح)، فيما انطلقت زغاريد مدوية من حناجر بعض السيدات كذلك، وكانت خالة الشهيد وسطهم تردد عبارة (الحمدلله والله اكبر)، في مشهد تقشعر له الابدان، ورصدت (الإنتباهة) بان من بين الحشود من يحملون البوسترات والملصقات عليها العديد من شهداء الثورة .
في ذات الاتجاه التقت (الإنتباهة) وسط التجمهر امام ساحة المحكمة بقريب المعلم وقال بان الحكم هو قصاص لكل شهيد تم قتله في هذه الثورة المجيدة .
ذوو الخير..
قبالة المحكمة من الجهة الشمالية يقع مبنى التأمين الاجتماعي حيث رصدت (الإنتباهة) تجمعاً من ذوي الشهيد الخير (شيباً وشباباً نساءً ورجالاً واطفالاً)، كانوا يتابعون بشغف قرار الحكم المنقول على الشاشات الفضائية ومن بينهم من كان يجلس على الارض وآخرين يقفون يفركون اصابعهم كأنما ضاقت بهم المقاعد المصطفة بالصالة الرئيسة لمبنى التأمين وعقب الحكم انفجروا بالبكاء وظلوا يقالدون بعضهم واطلقوا عبارات التكبير والتهليل في مشهد دراماتيكي مليئ بالعبرة .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق