الثوار والعسـكر..قصة هبوط وصعــــود ؟

أجراه: صابر حامد

عام وأيام مرت على اندلاع شرارة ثورة ديسمبر الظافرة، التي لم تجد مساندة في بدايتها عدا مواصلة وقودها (الشباب) في المواكب والمسيرات الليلية رافعين الشعار الأشهر (تسقط بس) دون تراجع أو طلب أدنى، منذ ديسمبر 2018 وحتى أبريل كانت القوات المسلحة بعيدة عن المشهد إن لم يحسبها الثوار تعمل لصالح بقاء المعزول البشير في السلطة، ولم تكن هناك إشارة إيجابية سوى انتقاد وحيد وجهه قائد قوات «الدعم السريع» في شهر الثورة لمسؤولين في الحكومة، وربما يكون العُرف العسكري والتراتبية تمنعهم من ذلك .
(الانتباهة) رصدت هتافات الثوار في المواكب الموجهة لـ(العسكر) بدءاً من (الجيش جيشنا) وصولاً إلى (يا العسكر مافي حصانة) في محاولة من الصحيفة لتقييم العلاقة بين الطرفين بعد عام من الثورة.

انتقاد حميدتي
مع بداية الثورة لم يطرح الثوار في شعاراتهم خيار ان يتسلم الجيش للسلطة فكان الهتاف الأول والأشهر (تسقط بس) و(حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب) لكن مع الايام تدخل (العسكر) في خط الثورة او قل دعم شعارات الثورة فكان حديث قائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان (حميدتي) في خواتيم ديسمبر من عام ٢٠١٨ منتقداً أزمة النقود، وخلال كلمة ألقاها في حفل استقبال كتيبة خاصة من «الدعم السريع» بطيبة الحسناب (جنوب الخرطوم) طالب بمحاسبة مسؤولين (لم يسمهم) بأنهم تسببوا في الأزمة الاقتصادية واتهمهم بالتسبب في أزمة السيولة بالبلاد. وقال إن هناك انفلاتاً في الأسعار وغياباً للرقابة، وتساءل عن أسباب وصول البلاد إلى المرحلة الراهنة من الأزمات.
المعزول يحتمي بالجيش
وفي الطرف الآخر (الجيش) خاطب الرئيس المعزول عمر البشير في عطبرة مهدداً بتدخل الجيش لحسم الأمر، بعد تمدد المظاهرات في ولايات البلاد واشارته إلى أنه سيسلم الجيش السلطة حال استدعى الأمر. في تلك الفترة العلاقة بين الثوار والجيش لم تكن واضحة وغالباً ما يكسوها اتهام بأن الجيش أصبح غالبية قادته (كيزان) يتبعون للنظام البائد، وما عزز هذا الاتهام لدى الثوار الهدوء في اوساط القوات المسلحة إزاء الحراك الذي شكل غالبية مدن السودان.
مرحلة (وُد(
شكّل وصول الثوار محيط القيادة العامة للقوات المسلحة، مرحلة جديدة في العلاقة بين (الجيش والثورة) ذلك أن الوُد بين الإثنين كان واضحاً باحتواء الجيش الثوار وتصدى بعض قادته للهجمات التي كانت تنفذ ليلاً لفض الاعتصام في ايامه الأولى، في هذه الفترة بدأت هتافات الثوار تصدح بها الحناجر لاستمالة الجيش للثورة فكان هتاف (الجيش جيش السودان.. الجيش ما جيش كيزان) وهذا الشعار كان محاولة لفصل القوات المسلحة عن النظام الحاكم وحزب المؤتمر الوطني، إضافة لشعار (الجيش جيشنا ونحن اهلوا بنستاهلوا)، لذلك فإن أيام الاعتصام الأولى تعد افضل مرحلة كانت العلاقة فيها بين الثوار والجيش في أفضل الحالات وكان الانسجام كبيراً، لجهة ان بعض أفراد القوات المسلحة كانوا يرددون شعارات الثورة مثل (اي كوز ندوسو دوس)، إضافة لمشاركتهم في ليالي السمر في محيط القيادة العامة بالعزف على الآلات الموسيقية وترديد الاغنيات الوطنية وعزف (جلالات الجيش) وسط ترديد الثوار، بجانب الأحاديث حول زواج أحد الجنود في الجيش من (كنداكة) وما صحب ذلك من هتافات تشير للوُد في العلاقة بين الطرفين بينها (حتسقط .. وحنعرس جياشي).
(حميمية)
تعليقاً على العلاقة بين العسكر والثوار قال رئيس لجنة العمل الميداني بقوى الحرية والتغيير شريف محمد عثمان، إن الشعب السوداني بطبيعته ينظر للقوات المسلحة بأنها الحاضن والحامي للدستور والنظام القائم، وهو الدور الذي يجب أن تضطلع بها، إلا أن عثمان يرى في حديث لـ(الانتباهة)، بأن العلاقة بين الطرفين شهدت اعلى درجة الانسجام والحميمية خلال تواجد الثوار امام القيادة العامة للجيش اثناء الاعتصام خاصة الموسيقى العسكرية التي كان يتغنى بها الثوار واضاف: (الطبيعي العلاقة يجب ان تكون هكذا بين الجيش والمواطنين).
الجيش وصناعة الثورة
وفي سياق العلاقة بين العسكر والثوار سيما علاقة الوُد التي شهدتها فترة الاعتصام امام القيادة العامة للجيش، يقول الناطق باسم القوات المسلحة العميد عامر محمد الحسن، إن علاقة الجيش مع الجميع علاقة طيبة ومحل ثقة لكل مكونات الثورة، وأشار عامر لـ(الانتباهة)، بأن العلاقة بين الجيش والثوار محل احترام وتقدير، لجهة أن الجيش ساعد في صناعة الثورة مع الثوار وصولاً لتحقيق رغبات الشعب.
علاقة حذرة
عند دخول قوات «الدعم السريع» الخرطوم في العام الماضي زعم الناس أن الرئيس المعزول عمر البشير أراد أن يستغل القوات لمجابهة وصد اي تحركات والخروج في مظاهرات ضده، وعلى الرغم من ان التخوف ظل قائماً حتى عقب إقامة الاعتصام، فيما زاد التخوف عقب سحب كبير لقوات الجيش من جزء كبير من محيط القيادة وابدالها بـ»الدعم السريع» فظل الثوار يتوقعون بأن «الدعم السريع» ستقوم بفض الاعتصام في أي وقت، لكن ثمة تحول حدث في موقف الثوار تجاه «الدعم السريع» فكان اللافت رفع لافتة كبيرة في أعلى نفق (بري) داخل منطقة الاعتصام وبها صورة كبيرة لقائد قوات «الدعم السريع» (حميدتي) كُتب عليها (الراجل الضكران الخوف الكيزان(.
فض الاعتصام
لم تدم علاقة الوُد بين الثوار والجيش طويلاً، فكان فض الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش قاصمة الظهر والطلاق البيّن بين الجيش والثوار، وفي هذه المرحلة علت هتافات (معليش معليش.. معليش ما عندنا جيش) مرد هذه الهتافات إيصال صوت لوم للقوات المسلحة لجهة ان الاعتصام فض من أمام مقرها الرئيس، وعدم تدخل الجيش لحماية الثوار من القوات التي فضت الاعتصام وقتلت العشرات، بينما عبّر الثوار عن غضبة عارمة ضد الجيش خاصة بعد انتشار فيديوهات في مواقع التواصل الاجتماعي لإغلاق الجيش إحدى بواباته في وجه الثوار ومنعهم من الدخول على الرغم من ان الموت خلف الثوار لكنهم فشلوا في استمالة الجيش لحمايتهم.
وقبل فض الاعتصام شهد محيط القيادة العامة توتراً كبيراً بين الثوار وقوات «الدعم السريع»، لا سيما بعد مقتل عدد من الثوار في شارع النيل مما دعا للمطالبة بإبعاد «الدعم السريع» من محيط القيادة العامة وهتف البعض بـ(قوات مسلحة بس والدعم يطلع برا(، عقب فض الاعتصام وخاصة مليونية ٣٠ يونيو كانت الهتافات ضد المجلس العسكري والمطالبة بإسقاطه فكانت (مجلس برهان يسقط بس،، وحميدتي كمان يسقط بس،، المجلس كلو يسقط بس(.
تأثير الشعارات
وحول الهتافات التي يرددها الثوار سيما التي تطلق ضد القوات المسلحة مثل (معليش ما عندنا جيش)، قال الناطق باسم الجيش، إن الشعارات أثرت معنوياً على بعض الفئات في القوات المسلحة لكن بصورة ضعيفة (حسب قوله) لجهة أن منسوبي القوات المسلحة مؤهلون بأن لا يتأثروا من أي طرف مواطن أو العدو. فيما يرى شريف محمد عثمان بأن العلاقة بين الثوار والعسكر شهدت أكبر تراجع بعد فض اعتصام القيادة العامة الذي كان صدمة للثوار، مما خلق أثراً نفسياً سيئاً عن القوات المسلحة لدى الثوار لذلك كانت بداية الهتفافات ضد العسكر، لكنه شريف (رئيس لجنة العمل الميداني بالحرية والتغيير)، يرى ضرورة التوعية للثوار بدور القوات المسلحة، بالمقابل على القوات المسلحة أن تقوم بواجباتها خاصة كشف تفاصيل ما حدث في فض الاعتصام وتقديم المتورطين في الجريمة للعدالة، اضافة لتفكيك التمكين الحزبي داخل المؤسسة العسكرية لصالح الوطن.
استمرار التدهور
رغم الاتفاق بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري وتكوين مجلس سيادة مشتركاً وحكومة مدنية، إلا أن تدهور العلاقة بين الثوار والجيش ظلت متدهورة ذلك لان غالبية الثوار يرون ان فض الاعتصام تم بواسطة قوات نظامية ويتحمل العسكر جميعهم المسؤولية، لذلك ظل شعار (معليش ما عندنا جيش) قائماً الى يومنا هذا، بينما ظهر هتاف جديد في مواكب ١٩ ديسمبر ٢٠١٩ بعد مرور عام على الثورة فتعالت الأصوات هاتفه (يا عسكر مافي حصانة يا المشنقة يا الزنزانة) وهو إشارة إلى الاتهامات المتعلقة بفض قوات نظامية لفض الاعتصام) . وهو يعد تطوراً جديداً في تدهور العلاقة بين الجيش والثوار، فضلاً عن هتاف (ما تدي العسكر ظهرك(.
أصوات نشاز
على الرغم من أن غالبية الثوار في المواكب التي خرجت عقب مجزرة فض الاعتصام كانوا يرددون هتافات مناوئة للقوات المسلحة واخرها الهتافات في مليونية (19) ديسمبر الماضي (يا عسكر مافي حصانة يا المشنقة يا الزنزانة)، إلا أن الناطق باسم القوات المسلحة عامر محمد الحسن، يرى أن الاصوات التي تهتف ضد الجيش نشاز ولا تعبّر عن المواطنين الذين يحترمون القوات المسلحة.
وقال لـ(الانتباهة): (هذه اصوات نشاز تصدر من قطاعات محدودة ولا تعبّر عن المواطنين الذين يحترمون القوات المسلحة)، وحول الشعارات التي تطلق ضد القوات المسلحة منذ بداية الثورة قال عامر: (لا بد من تحمل الاصوات التي تهتف ضد الجيش لانهم مواطنون لذلك فنحن نمتص الصدمات والدليل على ذلك امتصينا الهتافات التي اطلقت ضدنا منذ بداية الثورة على الرغم من معظمها مجاف للحقيقة من اناس يريدون احداث شرخ في القوات المسلحة).
ما زالت متوترة
فيما يرى شريف محمد عثمان، بأن العلاقة بين الثوار والجيش ما زالت متوترة، وأن بعض الافراد في القوات المسلحة يتذمرون من الهتافات التي يطلقها الثوار ضد الجيش، بيد أن عثمان يرى أن توتر العلاقة الحالي بسبب الظروف التي صنعتها (فض الاعتصام).
واشار إلى ضرورة بناء علاقة قوية بين الجيش والثوار تقوم على الاحترام والواجبات التي يجب ان تضطلع بها القوات المسلحة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق