معركة كافوري..(أفلام الرعب) في شوارع الخرطوم!!

بحري: صديق رمضان

(جلسوا تحت ظل الأشجار التي توجد امام منزلي، بدا عليهم الارتباك لذا توقعت الا ينجحوا في ما ذهبوا اليه)، بهذه الكلمات ابتدر المواطن ياسر صالح حديثه معنا بعد ان توقف عن نظافة الحديقة التي توجد امام منزله مباشرة بمربع (6) بحي كافوري، ويشير الى ان الدهشة مازالت تسيطر عليه، ولم يجد تفسيراً للخطوة التي اقدم عليها منسوبو هيئة العمليات بجهاز الامن، والرجل الخمسيني الذي يقع منزله الانيق الى الشرق من الساحة التي شهدت اشتباكات عسكرية عنيفة ينوه بأن الرعب الذي تسلل إلى ابنائه لم يحدث من قبل، وقال انهم لم يتنفسوا الصعداء الا عند الساعة الثانية من صباح يوم امس، حينما توقف صوت اطلاق النار، لتشرق الشمس وتكشف عن سيطرة القوات المسلحة الكاملة على المبنى الذي تحصن به متمردو جهاز الامن لسبع عشرة ساعة منذ بداية الأحداث حتى نهايتها.

دون سابق إنذار
سألت ياسر صالح عن تفاصيل ما حدث بحكم ان منزله هو الاقرب الى مقر هيئة العمليات التابعة لجهاز الامن التي تم حلها في شهر يوليو الماضي، وتمردت امس الاول بدعوى عدم استلام افرادها استحقاقاتهم كاملة، قبل ان تتمكن القوات المسلحة والدعم السريع من السيطرة الكاملة على الاوضاع، قال ان الاحداث بدأت عند الساعة العاشرة وثلاثين دقيقة من صباح امس الاول، واضاف قائلاً: (كان كل شيء يسير بشكل طبيعي، ولم تلح في الافق نذر احداث عاصفة، غير انه عند الساعة العاشرة والنصف صباحاً تفاجأنا باصوات اطلاق نار كثيف، وخرجت من منزلي سريعاً للاستيثاق من حقيقة ما يحدث، فوجدت جنوداً في هيئة العمليات يحملون اسلحة خفيفة ويطلقون الاعيرة النارية في الهواء، ولم يكتفوا بذلك فقد عمدوا الى اغلاق الطريق الذي يقع بالقرب من محطة الوقود التي تقع الى الشمال الشرقي من مقر الهيئة وهي لا تبعد عنهم سوى (200) متر، ومثل غيري من سكان مربع (6) تملكتني الدهشة، ولاحقاً علمنا ان هؤلاء الجنود يطالبون بحقوقهم عقب الاستغناء عنهم، ولكن اكثر ما لفت نظري انهم وبعد اغلاقهم الطرق التي تؤدي الى مقر هيئة العمليات، بدا عليهم عدم امتلاكهم خطة واضحة، فقد جلس عدد منهم تحت اشجار منزلي الخارجية، وفي لحظة كنت اود الحديث معهم ــ بحكم انهم شباب ــ لاقول لهم ان الخطوة التي اقدموا عليها وخيمة العواقب وان عليهم المطالبة بحقوقهم سلمياً، ولكن كان التوتر يسيطر عليهم تماماً، فلذا عدت ادارجي الى منزلي، وبالفعل حدث ما كان متوقعاً بعد ان فرضت القوات المسلحة سيطرتها التامة على الموقع واعادت الهدوء الى الحي).
ماذا حدث؟
وجهت سؤالي هذا الى احمد الطيب الذي يعمل بالقرب من محطة امان للوقود التي تقع الى الشمال الشرقي من مبنى هيئة العمليات بمربع (6) بكافوري من النقطة التي ختم بها المواطن ياسر صالح حديثه، فقال الشاب الثلاثيني وقد حملت ملامح وجهه سعادة غير خافية، إن يوم امس كان عصيباً، فقد سيطر منسوبو هيئة العمليات على المنطقة، وادخلوا في قلوب سكانها الرعب باطلاقهم الاعيرة النارية في الهواء بكثافة لم نشهدها من قبل، وفي منتصف النهار توقفت الحركة كلياً في مربع (6)، وحتى محطة الوقود اوقفت العمل وخلت الطرق من المارة، ولكن عند الساعة الرابعة مساءً بدأ الوضع يزداد تعقيداً، فقد حضرت الى المنطقة ارتال من السيارات التابعة للقوات المسلحة، وعند مغيب الشمس حدث اشتباك خفيف تراجع على اثره منسوبو هيئة العمليات ولاذ بعضهم بالفرار في الطرق القريبة من مقرهم، وقال: (بعد صلاة العشاء كنا نراقب الاوضاع من وراء اسوار منازلنا، فحضرت دبابات وعربات مصفحة واستمر تبادل اطلاق النار، ولكنه هدأ عند العاشرة مساءً، وظننا ان الازمة قد انجلت، غير ان وصول المزيد من التعزيزات العسكرية جعلنا نتوقع ان تعود مجدداً، وبالفعل هذا ما حدث، فعند منتصف الليل حدث اشتباك قوي وتعرض مبنى هيئة العمليات لهجوم من القوات المسلحة والدعم السريع استمر حتى الواحدة والنصف صباحاً، وطوال هذه الفترة لم يعرف النوم طريقاً الى اعيننا، لتهدأ بعد ذلك الاوضاع وتتوقف اصوات اطلاق النار، وعلمنا ان الجيش فرض سيطرته على المبنى تماماً، وشعرنا بالارتياح بعد أن عشنا اوقاتاً عصيبة).
رعب حقيقي
الأوقات العصيبة التي عاشها سكان حي كافوري بمحلية بحري الذي يصنف ضمن ارقى احياء العاصمة، تقول عنها شادية وهي مواطنة تقطن في عمارة تحت التشييد بانها لم تحدث من قبل، وتلفت الى انهم ومنذ منتصف النهار ادركوا بحكم ان اسرتها قادمة الى العاصمة من مناطق الحرب بغرب البلاد، ان اشتباكاً عسكرياً سوف يحدث، لذا وكما توضح لم يبارحوا المكان الذي اتخذوه سكناً وهو بناية حديثة الانشاء لم تكتمل بعد، وتقول: (مساءً كان ضرب النار متواصلاً.. نعم يتوقف احياناً ولكن سرعان ما يعود اكثر قوةً، وبعد الساعة الثانية عشرة لم نستطع النوم بل لم نفكر فيه اصلاً لان الوضع كان مرعباً بمعنى الكلمة، ولم نجد غير التجمع في مكان واحد داخل الغرفة لان الخوف استبد باطفالنا الذين لم يسمعوا اصوات رصاص بهذه الكثافة، وهو الأمر الذي جعل معظم سكان مربع (6) خاصة الذين تقع منازلهم على مقربة من مقر الامن، يغادرون بالسيارات مبكراً، ولكن الحمد لله الجيش بعد ذلك تمكن من اعادة الهدوء للمنطقة، وذهبنا في الصباح اليهم ولم يقصروا معنا فقد اعطوني مرتبة اسفنج وملايات).
مجنزرات ومصفحات
عقب حديثي مع المواطنين الثلاثة توجهت ناحية مقر هيئة العمليات، الذي ولتقريب الصورة للقارئ فإنه يقع في مربع (6) بحي كافوري، وهو مبنى ضخم مكون من ثلاثة طوابق ولا تجاوره منازل، فاقرب منزل اليه يقع في الجزء الشرقي منه ويبعد ما يزيد على مسافة مئتي متر، اما شمالاً فيوجد طريق اسفلت يؤدي الى كوبر، ويوجد شمالاً ايضاً مبنى تابع لهيئة المواصفات والمقاييس، والى الشمال الغربي توجد محطة كوبر الحرارية (محمود شريف)، اما غرباً فتوجد مخازن، وجنوباً توجد مساحة خالية، وهذا الموقع البعيد نسبياً من مساكن المواطنين حال دون وقوع اصابات بين المدنيين، وقبل ان اصل الى المبنى شاهدت ارتالاً من السيارات الحربية والدبابات، وتكشف لي المشهد اكثر عندما اقتربت، فاحصيت عدد الدبابات المجنزرة التي تبلغ ستاً، بالاضافة الى دبابات تمشي على اطارات وتتجاوز العشرين، بالاضافة الى سيارات الدفع الرباعي التي تحمل على متنها سلاح الدوشكا، علاوة على وجود اكثر من عشر من سيارات نقل الجنود، وعدد السيارات العسكرية الذي لم يقل عن ستين عربة كان يشير الى ان ثمة معركة قد دارت، وانتشرت العربات والدبابات العسكرية شمال وغرب وجنوب مبنى هيئة العمليات، اما عدد الجنود فقد كان كبيراً، ووجدت ان بعضهم يجلس داخل المركبات الحربية وآخرين اختاروا الاستلقاء على الارض، فيما ظل بعض منهم يلوح بعلامات النصر للمواطنين، والغريب في الامر ان الطريق المسفلت الذي يقع شمال مبنى هيئة العمليات لم يتم اغلاقه او بالاحرى تم فتحه بعد ان اغلقه من تمردوا، وهذا جعل مستقلي المركبات العامة والخاصة يلوحون بعلامات النصر الى الجنود المنتشرين في الموقع عند المرور بهم.
آثار وتصدع
ومن ينظر الى مبنى هيئة العمليات متعدد الطوابق من الخارج يتملكه يقين راسخ بأنه تعرض لاعتداء عنيف، فآثار معركة مساء امس الاول تبدو واضحة على جدرانه الشاهقة، فالأعيرة النارية التي تم اطلاقها ناحيته، وبحسب ما احدثته من ثقوب وتصدعات، كانت كثيفة خاصة في الناحية الشمالية التي تطل على الطريق الرئيس، ويقول عنها شاب كان يقف مع مجموعة من المواطنين صباح امس وهم ينظرون الى المشهد، ان منسوبي هيئة العمليات الذين تمترسوا داخل المبنى اطلقوا النيران على القوات المسلحة التي قال انها ردت بعنف، فكان ان اجبرتهم على الاستسلام، اما داخل المبنى فقد تم ترك الابواب الغربية الرئيسة مشرعة، وتمكنا من رؤية ما يدور بالداخل، فقد بدت آثار المعركة واضحة من خلال الاضرار التي لحقت بعدد من السيارات بالاضافة الى النوافذ الزجاجية التي تهشمت، وكانت حركة جنود القوات المسلحة والضباط واضحة داخل الغرف والمكاتب وفي الفناء الخارجي للمبنى.
غنائم ومكاسب
حينما رأيت عدداً كبيراً من النساء والاطفال امام الباب الرئيس لمقر هيئة العمليات تملكتني الحيرة لعدم منطقية وجودهم، وذهبت بظنوني بعيداً، غير انها لم تتملكني كثيراً بعد ان تبددت سحبها سريعاً برؤية النساء وهن يحملن اسرة وحافظات مياه ومراتب اسفنجية وملايات، وتذكرت ساعتها حديث المواطنة شادية التي اطنبت الشكر لضباط القوات المسلحة وهم يوزعون على النساء والاطفال الفقراء الذين يقطنون في بنايات تحت التشييد ما يعتبرونه غنائم، والغنائم التي حملتها النسوة والاطفال كانت موجودة داخل مقر هيئة العمليات، ورأينا عدداً من المواطنين الذين يبدو عليهم الفقر وهم يحملون مقتنيات اخرى يبدو انها تأثرت بالمعركة ولم تعد بحالة جيدة مثل المراوح والستائر، وحيال هذا تباينت رؤانا ونحن نقف الى الشمال الغربي من المبنى، فالبعض رأى ان هذه المقتنيات ملك للدولة وليس لهيئة العمليات ولا يجب التعامل معها على اساس انها غنائم، فيما استحسن الاغلبية ان تذهب الغنائم الى الفقراء، واشار شاب يدعى اسعد الى انه لولا ظلم الاجهزة الامنية واستحواذها على ميزانية مقدرة لما انتشر الفقر.
هروب واعتقال ووفاة
سعينا الى معرفة مصير منسوبي هيئة العمليات بعد انجلاء غبار المعركة، فلم نجد افادة رسمية نعتد بها، غير أن بعضاً من شباب مربع (6) بحي كافوري اشاروا الى انهم شاهدوا عند منتصف الليل عدداً مقدراً من منسوبي هيئة العمليات يهربون عبر الطرق الفرعية بعد ان تعرضوا لاطلاق النار المكثف، وقال أسعد انه كان سعيداً بما حدث، وأضاف قائلاً: (نعم هرب عدد كبير منهم، ونحن من وراء ابواب منازلنا رأيناهم)، فيما كشفت معلومات متداولة على نطاق واسع، ان الذين تم اعتقالهم بعد انتهاء المعركة يتجاوز عددهم خمسة وثلاثين، فيما اشار مواطنون الى ان عدداً من منسوبي هيئة العمليات قتلوا جراء اطلاق النار الكثيف، ولكن الثابت ان اربعة من منسوبي القوات المسلحة تعرضوا لإصبات متفاوتة.
سعادة وحسرة
وأنا أهم بالمغادرة عائداً الى الصحيفة، مثلما تملكتني السعادة بنجاح القوات المسلحة والدعم السريع في إبعاد شبح الانزلاق الأمني عن العاصمة عبر حسم تمرد منسوبين بهيئة العمليات، الا ان الحسرة تملكتني على اختيار شباب يفترض فيهم ان يكونوا مستنيرين، أن يعرضوا مستقبلهم للخطر، فقد كان يمكن لمنسوبي هيئة العمليات ان يتظاهروا سلمياً لنيل حقوقهم، ولكن التمرد أفقدهم تعاطف الشارع الذي في حقيقة الأمر ظل يطالب بحل هيئتهم لما ارتكبته من فظائع في عهد النظام المباد، لذا كان جزء كبير منه فرحاً بما حدث.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق