رحل صوت المغني حزين!

> طيف من ذكريات يخبو بريقها، ثم يضيئ في دواخل ذاكرة متعبة أرهقتها السنوات وتعاقب الفصول.

> في ثمانينيات القرن الماضي وبقاعة الشارقة جامعة الخرطوم، جلس طلاب على أعتاب التخرج يستمعون لشاب نحيل كث الشعر والشارب، وقف ممشوقاً في كامل أناقته، يردد كلمات الشاعر الكبير عبد القادر الكتيابي، التي لا زال صداها يرن في أذني:

لمحتك وقلت بر آمن بديت أحلم

ألملم قدرتي الباقية

وأشد ساعد على المجداف

تلوح لي مدن عينيك

وترفع لي منارة بسمتك سارية

بديت أحلم

> قلت لمن صحبني لهذه الفعالية وأنا لا زلت في مراحل دراستي الأولى، من هذا؟ اكتفى بابتسامة ومنحني وردة، طلب مني تقديمها له.

> ذهبت بخطى متعثرة صوب المسرح، فانحنى الفنان وهمس بود: (ربنا يوفقك يا ابني .. شكراً).

> حينها التهبت الأكف بعاصفة من التصفيق، ووقفت مذهولاً من رهبة المشهد الذي كان كفيلاً بأن أمنح حواسي لهذا الصوت الآسر حتى اللحظة.

> مصطفى سيد أحمد.. الإنسان قبل الفنان، شخصية استثنائية، حمل همومه وأوجاعه، وتغلب على ظروف مرضه ليقدم لنا باقة من الروائع والأعمال الخالدة.

> لم توقفه الحرب المعلنة، ومحاولات إبعاده عن الأجهزة الرسمية، فابتكر (الجلسات الخاصة) بآلة العود، ليوصل رسالته إلى ملايين المعجبين بفنه ورؤيته التي سبقت عصره.

> سرعان ما التف حول مصطفى شعراء وجدوا ضالتهم في صوت شجي، وشخصية مثقفة تنتقي المفردة الصعبة وتطوعها بصورة مذهلة لأعمال فنية أدهشت كل من سمعها، فكان الالتقاء الفريد مع (صلاح حاج سعيد، محمد الحسن سالم حميد، محمد طه القدال، محمد المهدي عبد الوهاب، أبوذر الغفاري، يحيى فضل الله، قاسم أبوزيد، محمد عبد الله شمو) وغيرهم.

> حظنا العاثر وقف حاجزاً أمام استمتاعنا بحفلاته على مسارح الخرطوم، لأنه غادر البلاد بحثاً عن العافية في المشافي وابتعاداً عن ملاحقات تعرض لها كثيراً بعد انقلاب 1989م، فهاجر كما الطيور ليبني (عشاً من الغناوي).

> صرنا نتسقط أخبار مصطفى في المنافي البعيدة، ونتسابق على (شرائط الكاسيت) الشحيحة التي وثقت لأعماله، وكان من يحظى بكنز ثمين، ينظم جلسة عامرة تحت ضوء القمر في مدينتنا (بربر الحبيبة) لينساب صوته دافئاً يهز دواخلنا ويملأنا بالشجن:

خبريني .. هل أنا أبدو حزينا

هل أنا القاتل والمقتول حيناً والرهينة

هل أنا البحر الذي لا يأمن الآن السفينة

> شكَّل رحيل مصطفى صدمة كبيرة لنا نحن المعجبون بفنه في تلك المدينة الذواقة، ونصب الكثيرون منا سرادق عزاء، استمرت لفترة طويلة وصارت حديث الناس، لتنتقل بعدها وتتطور لمنتدى جامع، تمت محاصرته سريعاً من قبل السلطات المختصة وإيقافه.

> كانت ساعات وصول جثمان مصطفى إلى مطار الخرطوم استفتاءً حقيقياً لفنان حظي بقبول تجاوز كل الأرقام، وترك بصماته واضحة في خريطة الغناء السوداني.

> خطف الموت مصطفى قبل أن يروي ظمأ محبيه، وخلف وراءه حسرة لا تنتهي، لتبقى سيرته العطرة تضمخ حياتنا، وملاذاً نلجأ إليه كل ما (تغطت الأرض بالتعب).

> (سرق) رحيل ود سيد أحمد المقبول (صباحاتنا) وهو الذي ذهب (حزيناً) قبل أن (يفرهد شتيل إحساسنا) به.

> وسط كل هذه الآلام المتجددة، هل نسيت محمود عبد العزيز؟.

> لا، فهذا لنا لقاء آخر معه في مساحة قادمة إن شاء الله.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق