مهـــددات الثـــــورة

ما حدث في الخرطوم يوم الثلاثاء (14/1)، يحمل دلالات خطيرة ومؤشرات مهمة في تنبيه للحكومة الانتقالية في أنها لم تكن حاسمة في معالجة ملفات حساسة ومهمة وعاجلة. صحيح أن للذين قادوا ذلك الاحتجاج «المسلح» في مسألة مطلبية لهم قضية عادلة، لكن الصحيح أيضاً أن الأسلوب الذي اتبعوه في إيصال صوتهم وتظلمهم يشكل تهديداً خطيراً للأمن والاستقرار، بسبب الأوضاع الحساسة التي تمر بها البلاد والمعروفة للجميع، وذلك لأن هنالك جهة معروفة متربصة بالثورة وتبحث عن ذريعة للانقضاض عليها.
ومن الدلالات الخطيرة -مع الأسف- أن الشعب سيطر عليه انطباع – قاله لي الكثيرون– هو أن الحكومة الحالية «ضعيفة». وما حدث هو أحد دلالاته أن الحكومة لم تعالج هذه القضية في حينها وبالطريقة التي لا تترك ظلماً على المستهدفين بقرار إعادة هيكلة الجهاز. وكيف أنهم ما زالوا يملكون سلاحاً؟!
كما أن عملية عدم «تنفيذ» ما قررته هذه الحكومة يعزز انطباع البعض بأن هذه الحكومة ضعيفة وأن الدولة العميقة ما زالت حاضرة في الفضاءات العسكرية والأمنية والمدنية.
في تقديري، ما حدث يستدعي أن تجتمع الحكومة بشقيها (مجلسي السيادة والوزراء) في اجتماع مشترك وإصدار قرارات شجاعة بتطبيق القانون وفرض هيبة الدولة ويتم تحديد الآلية التي يتم بها كل ذلك. وفي ظني أن الوضع إن لم يتطلب فرض حالة طوارئ فإنه على الأقل يستلزم تكوين غرفة عمليات لمواجهة التفلتات الأمنية. وقد نشرت بعض الصحف تقارير مخيفة عن الأوضاع في العاصمة، فهناك مثلاً تقرير في صحيفة (الانتباهة) (الخميس: 9/1) يقول إن مناطق في جنوب الخرطوم (مايو والحزام) أصبحت مناطق غير آمنة في كل الأوقات وأنها تقريباً أصبحت خارج القانون وخاصة الجزء العشوائي هناك. أليس في ذلك استفزازاً للسلطات الرسمية وانتقاصاً من هيبة الدولة؟
ثم إن انتشار ظاهرة النيقروس بمثل هذه الطريقة المرعبة، أليس هو مؤشر خطير على انعدام الأمن والطمأنينة للمواطن؟! والنيقروس (Negroes – أي الزنوج) موجودون في كثير من أحياء العاصمة وليست في الأحياء الطرفية فقط. وجود هذه الظاهرة يستدعي أن تشكل الحكومة لجنة لدراستها وتستعين بالجهات المختصة في ذلك لمعرفة من «هم» ومن أين جاءوا؟ وكيف تشكلت مجموعتهم أو جماعاتهم/عصاباتهم؟ وما هي الجهة التي تمولهم – بالسلاح (الأبيض) والمال؟ وكيف يمكن التعامل معها أو القضاء عليها؟.
جانب آخر من مهددات الأمن يرتبط بوضع القوات النظامية، خاصة الجيش والشرطة. وأحسب أنهم تأثروا ببعض الهتافات والشعارات التي كان يرددها الشباب في الثورة. ومعروف أن أية ثورة – خاصة عندما تندلع بصورة عفوية – تحدث بها بعض السلبيات والأخطاء. ومن سلبيات هذه الثورة هو ما كان يردده بعض الشباب في الحراك من عبارات تنتقص من هيبة الشرطة والجيش. وهذا بسبب عدم وجود قيادة واعية ومنظمة تضبط الشعارات والهتافات والأدبيات الخاصة بالثورة (لا سيما في البداية – قبل ظهور قحت). فتصدر العبارات غير اللائقة أحياناً بسبب اندفاع الشباب وانفعالهم وردة الفعل المشحونة بقناعة لديهم أن هذه القوات كانت أداة قمعية في يد النظام السابق. لذلك يحتاج الأمر الآن لمعالجة عاجلة لرد الاعتبار للشرطة والجيش. وأقترح أن تنظم لجان المقاومة مواكب تسمى «رد التحية للشرطة والشعب» أو «رد الاعتبار للجيش والشعب» لاستدراك ما خرج من عبارات في لحظة غضب (ثوري). أتمنى أن ينظم اتحاد المهنيين وقوى الحرية والتغيير وباستنفار قواعدها في لجان المقاومة مواكب ترفع من الروح المعنوية لشرطتنا وجيشنا بعد ما تم إهمالها واتجه تركيز النظام السابق إلى «قوات خاصة» لحمايته!.لو تذكرون قبل ١١ أبريل (تاريخ تنحية البشير)، كانت الشرطة أصدرت بياناً قالت إنها لن تتعرض للمتظاهرين السلميين .بينما كان (دسيس) يغني ويردد معه الشباب (من الجنسين): «شفاتة جو بوليس جرى.. كنداكة جات بوليس جرى!! وليس كل الجيش مع البشير ولأن البشير لم يضمن ولاء الجيش رغم تسييسه لم يثق فيه، فشكل قوات موازية وقوات خاصة لحمايته.. هاتفتُ صديقي الشاعر عبد العظيم أكول وطلبتُ منه كتابة قصائد أو شعر غنائي تعطي قواتنا النظامية حقها الأدبي وتعيد لها هيبتها واعتبارها، بل ومكانتها الطبيعية في قلب الشعب. فاستجاب وأرسل لي قصيدتين: واحدة للجيش وأخرى للشرطة. والآن نبحث عن من يتولى تلحينهما ليرددهما الشباب من أجل إعادة بناء الثقة مع قواتنا الفتية و رد الاعتبار لها.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى