الخبير الاقتصادي د. منصور يوسف العجب لـ(الانتباهة):تغيير العملة ضرورة ملحة.. ولا بد من تسعير السلع الأساسية

حوار: ندى محمد أحمد
تظل الأزمة الاقتصادية، هي العنوان الرئيس للفترة الراهنة، على نحو أشكل معه وضع الموازنة العامة، جراء الاختلاف على قضية رفع الدعم أو الإبقاء عليه، فكانت الدعوة لمؤتمر اقتصادي يعقد في مارس المقبل، للفصل في قضية الدعم، ولتسليط الضوء على هذه القضية الجوهرية استضافت «الانتباهة» الخبير الاقتصادي د.منصور يوسف العجب أبوجن، الذي تقلّد العديد من المهام ذات الصلة بالشأن الاقتصادي، منها منصب وكيل وزارة التخطيط الاقتصادي، ونائب مدير وحدة إعداد المشروعات بالسودان، ونائب برلماني مستقل، وتم اختياره وزيراً للتجارة عن الاتحادي الأصل، إلا أنه اعتذر عن تقلد المنصب، وشارك في العديد من المؤتمرات الاقتصادية بالخارج والداخل.. وإليكم حصيلة هذه المقابلة.

] بداية د.منصور ما هي أسباب الأزمة الاقتصادية التي نعيشها اليوم ؟
– من أهم سمات الازمة الاقتصادية الحالية، نهج التمكين الذي انتهجه النظام السابق، وعلى رأسه الحرية الاقتصادية التي تؤدي للاحتكار، فمن خلال التمكين تركزت الموارد في ايادي اناس لا علاقة لهم بالانتاج، فهم عقليات تجارية، تهتم بـ(القلب) السريع، وبالتالي فاننا كما قال بروفسور فريد عتباني مدينون للشعب السوداني باعتذار، لاننا وقفنا مع سياسة البنك الدولي في الزراعة الالية المتمددة، بدون ادنى اعتبار للتوازن البيئي والصناعة، والجفاف والتصحر، فهذه العقلية التجارية هي التي حالت بين البلاد والانتاج، فللانتاج جانبان، لم يهتم بها احد، هناك الجانب العضوي الطبيعي ،وهو مدخلات الانتاج ، والاسلوب العلمي في الزراعة ، فالعقلية التجارية لا تستثمر في الاصول الثابتة ، وفي الحفاظ على التربة وخصوبتها ، وفي الغطاء النباتي،  فقط تهتم بالزراعة لدرجة وصولهم لمحمية الدندر القومية ، التي تمثل ثاني اكبر حظيرة في العالم بعد غابات الامازون ، فاذا انتهت هذه الحظيرة على الدندر السلام كمنطقة زراعية، فهذه جهات لا تعنى بالاستثمار المنتج ، وهناك مسألة مهمة جداً، تتمثل في  تشوهات كبيرة في التسويق التجاري، واذا لم نعالج هذه التشوهات لا حل لقضية السودان الاقتصادية .
] فيم تتمثل هذه التشوهات ؟
– التمويل الذي يذهب لغير المنتجين ، فالسلم لا يُلجأ له الا في الظروف القصوى ، فلا يوجد فرق بين السلم والشيل ( المنتج الصغير يتسلف من التاجر فلوس في بداية الموسم ، وعندما يبيع محصوله بعد حصاده يكون رخيصاً ، فيأخذه منه التاجر ويخزنه ولاحقاً يبيعه بثمن عال ) ، اما السلم فان دينك لدى البنك يسدد عيناً وليس نقداً ، فالتمويل لا يذهب للمنتج الصغير ، وفقاً للدراسات فان 25% من الحصول يتلف بسبب التخزين التقليدي ، والنقل الرديء ايضاً يُتلف المحاصيل ، واكبر جريمة ارتكبتها الانقاذ في حق الشعب السوداني تدمير السكة الحديد ، ومشروع الجزيرة ، بجانب المضاربة التي اضرت بالعملية الانتاجية ، فالمال الذي يتحصل عليه المنتج منخفض ، وكذلك تاجر التجزئة عائده محدود جداً ، وكل العائد يذهب في هذه التشوهات ، لذلك فان على رئيس الوزراء عبدالله حمدوك معالجة هذه التشوهات ، كما لا بد من استبدال العملة بعملة جديدة ، والبحث عن تجار العملة ، وتفعيل مبدأ من اين لك هذا ، ولازم نستورد قمح ، لانه طعام الشعب ، فالانظمة التي لا توفر طعام الناس تذهب، ومن المشاكل ايضاً هي الازداوجية الاقتصادية، وهي الموروث التاريخي لقطاعين ، القطاع التقليدي والحديث ، فالاول تحت هيمنة الثاني بصورة مدمرة ، لذلك حصل التهميش الذي نتج من الاستغلال السيء للموارد ، مما انتج الصراع حول الموارد، والهجرة للعاصمة الخرطوم ، لذلك لا بد من العدل في توزيع الاراضي .
] يكثر الحديث اليوم عن أن الذهب هو الحل الموجود لحل الأزمة الاقتصادية.. ما رأيك؟
– القضية ليست الذهب ، لا بد للدولة ان يكون لها دور بالمفهوم الحديث للدولة الديمقراطية، التي تكون قابلة للمحاسبة ،والفصل بين السلطات، ولا بد ان تلعب دوراً فاعلاً في الانتاج والانتاجية ، وادعو لوزارة تخطيط قومي، تخطيط مركزي وقاعدي واقليمي للتنمية ، فلا عمل بدون تخطيط .
] وزير المالية يرى أن الحلول تتمثل في رفع الدعم.. ألا يوجد حل غير رفع الدعم هذا ؟
– لماذا لا يوجد حل غير رفع الدعم ، الحل في تحسين الانتاج ، ومعالجة التشوهات في العملية التسويقية ، لانها توفر موارد كبيرة جداً ، ولا بد من استرداد الاموال التي نهبها النظام البائد، ولا بد من الاهتمام بتسعير السلع الاساسية للمواطن، رفع الدعم ليس هو المخرج، وهذه حلول صندوق النقد والبنك الدوليين، وهذا كلام مرفوض، وقد فرضت علينا في عهد الرئيس الراحل نميري ، تخفيض العملة 13 مرة ، وانا احذر من تخفيض قيمة العملة، ومفترض ان تضع الدولة يدها على الذهب .
] وزير المالية يتحدث عن دعم نقدي مباشر للأسر.. إلى أي حد يمكن تطبيق ذلك ؟
– هناك الضمان الاجتماعي ( الدولة تدفع للمواطن ما يعيشه) وهذا لا يقدر عليه السودان، وهناك خيار الجمعيات التعاونية الاستهلاكية .
وادعو للتنمية الريفية المتكاملة ،وتخطيط اقليمي للتنمية ، ولا بد من دراسة الامن الغذائي قبل اصدار القرارت السياسية، خاصة في شرق السودان وجبال النوبة والشمالية ودارفور حيث الفقر المدقع . ولا بد من الاهتمام بالاقتصاد السياسي.
] هل تتوقع دعم البلاد مما عرفوا بأصدقاء السودان في أبريل المقبل؟
– نحن بحاجة لمؤتمرات اقتصادية وسياسية ودستورية، وهناك مؤتمر اقتصادي قومي عقد في ابريل 1986 ، والمطلوب مراجعة مقررات هذا المؤتمر والاستفادة منها وهناك مقررات اللجنة الاقتصادية للتجمع  الوطني الديمقراطي ، هذه توفر الكثير ولا غضاضة في دعم اصدقاء السودان .
] التهريب أحد الحُجج الحكومية لرفع الدعم.. أما من حل لمشكلة التهريب هذه ؟
– العلاقات الاقليمية مع دول الجوار مهمة، هيبة الحكومة صارت ضعيفة، لا بد من عقوبات سريعة وصارمة على المهرّبين، فالتهريب يدمر البلاد .
] ماهو الوضع الذي يجب أن يكون عليه البنك المركزي ليؤدي دوره المطلوب منه في الفترة الانتقالية .
– دور البنك المركزي اساسي، وفي الدول الشمولية تتم الهيمنة عليه لمصلحة النظام الشمولي . المفترض ان يكون مستقلاً في السياسات النقدية والمالية، والاشراف على المصارف، فضلاً على الاشراف على الموارد الخارجية، على ان يعمل بالتنسيق مع وزارة المالية دون هيمنة، على ان لا يتدخل في عمله رئيس الوزراء او مؤسسة الرئاسة.
أعتقد انه من المفترض الفترة الانتقالية تكون خمس سنين فهناك حاجة للتخطيط العاجل ومتوسط الاجل وطويل الاجل، انا كنت مقرر الخطة الستية في عهد نميري ، والقطاع الزراعي فيها هو الوحيد الذي لم يكن فيه خبير اجنبي، واهم ما فيها الاعتماد على المعلومات القاعدية، سواء في القطاعات الزراعية والصناعية ، فالقطاعات الاقليمية هي التي وفرت لنا المعلومات ، فاخرجنا خطة ستية ممتازة .
] للوصول لزراعة تمثل إنتاجاً حقيقياً وصناعة صحيحة.. ما هو المطلوب ؟
– المطلوب توسيع الانتاجية ، وتطبيق علمي للزراعة  كما كان سابقاً ، وتخطيط الموارد الزراعية ، وتقسيمها على اسس علمية ، والتسويق دون تشوهات ، ليستفيد المنتجون وكل السودانيين ، ولا بد من ارجاع مفوضية الزراعة الالية ، ولا بد للمحليات من اشراف مباشر على كيفية استغلال الارض ، فضلاً عن الاهتمام بالجوانب التقنية والطبيعية والتكنولوجية، بجانب الايادي العاملة، ورأس المال الفكري القائم على مستوى التعليم الفني ، والمالي ، والحفاظ على التوازن البيئي ،واذا توفرت هذه الشروط ممكن نوفر الطعام لدول الجوار كلها .
] والصناعة…؟
– لا بد من تكامل القطاع الصناعي مع القطاع الزراعي ، ونجري دراسة على الصناعات الاستهلاكية البسيطة، الزراعة توفر موارد للصناعة وتوفر الصناعة المنتجات ، فضلاً عن التكامل الاقليمي مع دول الجوار.
] ما هي الموارد المطلوبة لمواجهة متطلبات التنمية والمعيشة؟
– لا بد من تعبئة الفوائض الاقتصادية الحقيقية والكامنة؛. وذلك من خلال الإصلاحات الهيكلية المؤسسية والضرائبية التصاعدية مع محاربة مواقع الاستهلاك البذخي والفساد الذي اتسم به النظام المباد وخاصة الفئات الاجتماعية الطفيلية والحكام الفاسدين؛ كما لا بد من محاربة الاستهلاك الذي يسميه بعض الكتاب الاقتصاديين بالبذخ والاستهلاك السفهي ،والذي يرفع من معدلات التضخم ويهدر الفوائض الاقتصادية،.
اخبرني زميل سابق بالتخطيط بان هنالك  ثلاثة الاف سيارة خاصة تصرف مواد بترولية يومياً بالمجان. لا بد من الحد من ذلك ومحاسبة المسؤولين عن ذلك.
بجانب ان الفائض الاقتصادي الكامن لا يمكن الوصول اليه الا بإصلاحات هيكلية ،كما وضح البروفسور الامريكي بول باران في كتابه الاقتصاد السياسي للنمو والذي ترجمه للعربية البروفسور  الاقتصادي العراقي فالح عبد الجبار من جامعة لندن.
أيضاً على مجلس الوزراء ومعه منظمات المجتمع المدني السودانية دور مهم في دعم موقف ومطلب الشعب السوداني في رفع العقوبات عن السودان المرتبطة بدعم الارهاب، وذلك يتطلب التمسك بمبادئ الثورة السودانية المدنية السلمية ودفع الديمقراطية الى الامام ؛ واعني هنا الديمقراطية الحقيقية،  وكما قال ابراهيم لينكولن ؛ حكم الشعب وللشعب وبالشعب ، وذلك عبر عدة خطوات ،الاولى من خلال انتخابات حرة ونزيهة والثانية مهمة جداً وتعني حماية مصالح الجماهير من خلال الفصل بين السلطات التنفيذية والسيادية والتشريعية والتي تعنى بالشفافية والمحاسبة وحكم القانون واستقلال القضاء ، ولتحقيق الديمقراطية لا بد ان نضع أيادينا مع بعض لازالة التهميش الناتج عن التشوهات الهيكيلة، واشير الى ان تقصير الفترة الانتقالية قبل اجراء الاصلاحات الهيكلية الضرورية ،لإزالة التهميش سيقودنا للاسف لنفس التجارب السابقة التي نتجت عنها تجارب ديمقراطية تنقصها صفة الديمقراطية الحقيقية على الرغم من الثورتين العظيمتين  ٢١ اكتوبر و ٦ ابريل، لذلك انا من انصار تمديد الفترة الانتقالية لتحقيق الاصلاحات الهيكلية الاقليمية والمؤسسية والاقتصادية والمالية والحزبية ، ورفع وعي المواطن بواجباته وحقوقه بعد ان تعمل هذه الاصلاحات  الهيكلية في رفع وعيه بحقه وتمتعه بالحرية الكافية في الاختيار لتحقيق نظم ديمقراطية حقيقية نضمن استمراريتها.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى