كســـلا.. مدينة تحت سيطرة مافيا التهريب

تحميل حكومة الولاية المسؤولية

كسلا: صديق رمضان
لم تضع أسرة الرقيب بشرطة مكافحة التهريب بكسلا منور إبراهيم حامد في حسبانها وهي تودعه صباحا في طريقه للعمل أنها لن تراه مجددا ، وفي ذات التوقيت لم تتملك اسرة الجندي مصعب عبدالله محمد أدنى شكوك بأن ابنها سيتعرض لمكروه رغم خطورة مهنته ، بيد أن الأقدار قالت كلمتها وهما يؤديان واجبهما المقدس في مطاردة مدمري الاقتصاد السوداني من المهربين، فسيارتهم التي كانت تطارد عربة لمهربين تحمل على متنها خمسين جوال دقيق مدعوم في طريقها لاريتريا تعرضت لحادثة حركة على طريق كاتكوة الترابي المعروف باسم (الحقارة)بمحلية كسلا ليستشهد مصعب ومنور وتتعرض قدم زميلهما محمد محجوب للبتر، ذهبت أرواحهما في خواتيم شهر يناير ولكن لا يزال التهريب يتواصل بولاية كسلا التي ازدهرت فيها تجارة مافيا التهريب وسط عجز من حكومتها، وفي رواية أخرى تواطؤ ليس له مبرر كما يؤكد كثيرون.
ازدهار وعودة قوية
في كل زيارة صحفية أسجلها الى ولاية كسلا أتوجه نحو شرطة مكافحة التهريب للوقوف على الضبطيات من السلع الغذائية خاصة المدعومة التي كانت في طريقها الى دولة اريتريا ، وفي زيارتي الأخيرة تعجبت من ارتفاع وتيرة التهريب الذي تحول الى مهنة تدر دخلا مقدرا تحت سمع وبصر حكومة الولاية. يقول احمد الذي التقيته بكسلا وهو من الشباب الذين شاركوا في الثورة: (للأسف فان التهريب ارتفعت وتيرته بصورة مخجلة تؤكد على ان ضعاف النفوس يستغلون ضعف حكومة الولاية وحالة الفراغ الذي تعاني منه، فالوالي وبدلا من إصدار قرارات صارمة لإيقاف نزيف الاقتصاد الوطني عبر بوابة كسلا فانه يقف موقف المتفرج بل تساعد قراراته الخاطئة في حماية هذا النشاط الهدام).
قرارات خاطئة أم متعمدة
في ذات الزيارة يممت صوب الشريط الحدودي للوقف على عمليات التهريب التي لم تحتاج منا لكبير عناء لتمييزها، فعبر الكثير من المنافذ يتسلل المهربون وهم يحملون البضائع السودانية مثل الدقيق والوقود والأدوية والمشروبات الغازية وغيرها الى اريتريا ، وكثيرة هي الشوارع الترابية التي يسلكونها والتي لا تبعد كثيرا عن الطريق القومي فالمسافة الفاصلة بينهما تبلغ سبعة عشر كيلو بالقرب من محلية كسلا فشارع حقارة الذي يقع بين قريتي اللفة وأبوقمل من أبرز الطرق الترابية التي يسلكها المهربون وصولا الى اريتريا، وكذلك شارع الهوا الذي يقع بالقرب من ود شريفي ، وغير بعيد عن ذلك فان الطريق الترابي الذي يقع بالقرب من جبل موسى يعتبر ايضا منفذا للتهريب وكذلك طريق اللفة ،أما بالمحليات الشمالية فإن التهريب يبدو مقننا من واقع إلغاء حكومة الولاية وجود نقطة شمبوب التي كان الغرض منها تفتيش السيارات التي تخرج من مدينة كسلا في طريقها الى المحليات الشمالية بقراها الممتدة على حدود السودان مع اريتريا بطول 417 كيلو مترا، أعتقد ان هذا القرار كان انتصارا كبيرا لعصابات المافيا ولا أعرف السر الذي يكمن وراء اتخاذ الوالي لهذا القرار؟.
حسرة وأسى
وفي اللفة جلسنا الى قوة من قوات الدعم السريع التي عبر عدد من أفرادها عن بالغ أسفهم من وقوفهم مكتوفي الأيدي وهم لا يستطيعون التدخل لإيقاف التهريب ،وأشاروا الى أنهم وخلال فترة محدودة العام الماضي تمكنوا من ضرب مافيا التهريب في مقتل إلا أن قرارا اتخذه والي الولاية الحالي قضى  بعدم مشاركة الدعم السريع في القوات التي تكافح وتحارب التهريب ، مؤكدين على أن الشرطة مهما أوتيت من إمكانيات لا تستطيع أن تؤدي المهمة دون مساعدة الجهات النظامية الأخرى، ولفتوا الى أنهم على اتم الجاهزية للمشاركة في إيقاف التهريب اذا أصدرت الحكومة قرارا في هذا الإطار ،وأضاف أحدهم: (الوالي اتخذ قرار بإيقافنا عن العمل بدعوى عدم معرفتنا بالتفاصيل الجغرافية والسكانية للحدود، نحن هنا منذ أكثر من عام وأصبحنا نعرف كل صغيرة وكبيرة عن كسلا ويجب أن تتاح لنا فرصة المشاركة في حماية اقتصاد البلاد من التهريب وأن نساعد الشرطة في جهودها).
حقائق غريبة
كثيرة هي الشواهد التي تؤكد أن مافيا التهريب تعمل بحرية تامة بعد أن قننت حكومة الولاية هذه الممارسات الاقتصادية الضارة، فعلى سبيل المثال فإن كل من يحصل على تصديق من الحكومة بإمكانه ترحيل بضائع تجارية بما فيها الدقيق المدعوم والوقود الى القرى الحدودية ، أخبرني أحد المصادر ان قرية حدودية بها متجر واحد فقط يحمل أكثر من عشرين من مواطنيها رخصا تجارية ويحصلون على تصاديق حكومية لترحيل بضائع اليها بصورة شبه يومية،وقال: هل تصدق أن هذه القرية تتوجه ناحيتها في الأسبوع أكثر من مائة عربة تحمل بضائع ،هل يعقل هذا الأمر ، وقال إن الولاية كذلك تستقبل في اليوم مئات الشاحنات التي تحمل سلعا ليس لها أسواق بكسلا ، وأردف: (للأسف التهريب بات يحظى بحماية الحكومة ، والتجار وأصحاب المصانع في الخرطوم باتوا جزءا منه بالتعاون مع المافيا الموجودة في
كسلا).
تشجيع ودعم
سألت المختص في ملف التهريب ،مدير مكتب الجزيرة بكسلا ، سيف الدين هارون ،عن حقيقة ازدياد معدلات تهريب السلع من كسلا الى اريتريا، فجاءت إجابته سريعا وهو يؤكد على ان التهريب يمر بأفضل فتراته، وان هذه التجارة تشهد ازدهارا غير مسبوق، لافتا في حديث لـ(الإنتباهة) الى أن إلغاء نقطة مراقبة شمبوب كانت ضربة البداية الحقيقية لعودة مافيا التهريب لتمارس علمها بحرية ، مبينا أن نقطة ارتكاز شمبوب كانت تمثل خط الدفاع الأول والأخير لقوات المكافحة غير ان -والحديث لسيف هارون – حكومة الولاية اتخذت قرار إلغائها وهو الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه للتأويلات والاتهامات، وأضاف:حاليا فان التهريب ورغم الجهود الضخمة التي تبذلها قوات المكافحة إلا انه يشهد تناميا واضحا والسبب يعود الى أن الحكومة تستخرج أذونات للمهربين لترحيل بضائع من مدينة كسلا الى القرى الحدودية والتي منها يتم تهريب البضائع الى داخل اريتريا عبر عربات الكارو وغيرها.
خطر حقيقي
يمضي سيف الدين هارون في حديثه ويلفت الى أمر هام يتمثل في أن الكثير من الشركات الكبيرة التي تمتلك مصانع بالعاصمة ترسل يوميا عشرات العربات المحملة بالبضائع الى كسلا وهو أمر أثار انتباه الجميع لجهة أن الواردات من العاصمة فوق حاجة المدينة والولاية وهذا يعني أن مافيا التهريب وصلت مرحلة متقدمة بشرائها كميات ضخمة من البضائع من العاصمة لتهريبها الى اريتريا لعلمها المسبق ان الأمر ليس صعبا في ظل سياسة استخراج الأذونات الرسمية لترحيل البضائع الى قرى الشريط الحدودي ومن ثم تهريبها ، مؤكدا على أن كسلا باتت بوابة التهريب وان ازدهار هذه التجارة جعل الذين كانوا يعملون في الاتجار بالبشر يتجهون الى تهريب البضائع لعائدها الكبير ، ويعتقد هارون أن ترديد الشارع بكسلا ان حكومة الولاية متورطة في هذا الأمر لم يأت من فراغ ولكنه نتيجة لوجود عدد من الشواهد والبينات التي تؤكده ، مطالبا الحكومة المركزية باتخاذ قرارات عاجلة لإيقاف التهريب بكسلا، متحسرا على إيقاف قوات الدعم السريع عن مكافحة التهريب والتي اعتبرها خير معين لشرطة المكافحة التي قال إنها الآن تقاتل في جميع الجبهات منها عصابات المافيا ومنها حكومة الولاية التي تشجع بقراراتها الخاطئة التهريب.
الواقع دون تزييف
ينشط رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي بولاية كسلا ، همرور حسين همرور في حملات أسفيرية وسياسية لمحاربة ومكافحة التهريب ، يقول لـ(الإنتباهة) ان التهريب في كسلا ليس وليد اليوم ، مبينا أنه وخلال فترة الإنقاذ كان يحظى بتشجيع وحماية النظام المباد الذي كان يمنح التصاديق لرجال الإدارة الأهلية بالمحليات والقرى الحدودية لترحيل البضائع ومن ثم تهريبها ، مؤكدا أن حكومة النظام المباد كانت تعرف هذه الجريمة غير أنها كانت تغض الطرف عنها لضمان الحصول على ولاء رجال الإدارة الأهلية، منوها الى ان جهاز الأمن كان هو من يمنح التصاديق، وأردف: التهريب في عهد الإنقاذ كان يتم بصورة منظمة بل حتى أذرع الحزب ونافذيه كانوا يحصلون على التصاديق لتهريب البضائع الى اريتريا ، مؤكدا أن مافيا التهريب توسعت أعمالها في عهد الانقاذ وكان يقف خلفها ولاة ووزراء ونافذون، مستدلا بوجود عدد كبير من محطات الوقود بكسلا خاصة بين خشم القربة وحاضرة الولاية إضافة الى وجود الكثير من المخابز على المستندات الرسمية فقط .
واقع جديد
ويمضي همرور في حديثه لافتا الى أنه وبعد سقوط نظام الإنقاذ فان الأمر ازداد سوءا ، وقال إن الوالي الحالي لكسلا يتعامل مع هذه القضية بتهاون غريب لا يجدون له تفسيرا، موضحا جلوسهم إليه واستنكارهم لإلغاء نقطة مراقبة شربوب علاوة على منح الرخص التجارية والتصاديق دون تدقيق ، وقال إنهم ورغم نداءاتهم المتكررة إلا ان حكومة الولاية لم تكترث لهذه القضية، وأردف: هل يعقل أن يتم استخراج تصاديق لعدد ثلاثمائة لوري في الأسبوع لتحمل بضائع وتتوجه نحو القرى الحدودية ، هذا الأمر بالمنطق لا يستقيم عقلا ، بالاضافة الى ذلك فانه حتى البصات السفرية التي تتوجه للأرياف بات معظمها يحمل بضائع وليس ركابا، معتبرا أن أخطر ما في الأمر ان البضائع السودانية تباع في اريتريا بالنقفة وان التاجر السوداني يأتي لبيعها في كسلا لدى تجار محددين بدورهم يبيعونها للتجار الاريتريين الذين يهربون الذهب الى مصر، وينوه همرور الى ان فئة المائتي جنيه من العملة السودانية وبحسب تأكيدات تعرضت للتزوير وأنه يتم استعمالها في معظم معاملات التهريب، ويعتبر أن الهدف من وراء ذلك تخريب الاقتصاد السوداني، مستنكرا تحوير وتحويل البعض لهذه القضية الى إثنية .
وأضاف: حينما نتحدث عن ضرورة إيقاف نزيف الاقتصاد بمحاربة التهريب فان البعض يعتبر أننا نستهدف مكونا سكانيا محددا، وهذا الأمر غير صحيح ،نحن نتحدث عن وطن وليس أفرادا أو قبيلة وإذا لم نعمل على محاربة التهريب فإن اقتصاد السودان سينهار.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق