وضعها على نارٍ ذاتِ لهب فاحترقت «طبخة» البـرهـان..مــــأزق «الجـنـرال»

تحليل: أحمد يوسف التاي
بعد لقائه برئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وجد رئيس المجلس السيادي الفريق أول عبد الفتّاح البرهان نفسه في موقف لايُحسد عليه، خاصة بعد لقائه بأعضاء مجلس الوزراء وممثلي قوى الحرية والتغيير بالمجلس السيادي في اجتماع مشترك، إذ تبيَّن له حجم التجاوز الذي ارتكبه في هذه الخطوة وقوة رفضها وهذا ما لم يكن يدركه تماماً. وللخروج من هذا المأزق الذي وجد فيه نفسه استخدم البرهان لغة مرنة للتنوير بالخطوة أشار من خلالها إلى أن لقائه برئيس الحكومة الإسرائيلية لم يكن إلا لقاءً استكشافياً وأنه لم يوقع على مذكرة تفاهم ولم يبرم اتفاقاً ولم يلتزم للجانب الإسرائيلي بأي شيءٍ، ولم يقف عند هذا الحد، بل أشار إلى أن ما قام به مبادرة شخصية منه، وأن أمر التطببع ستقرره المؤسسات المعنية (مجلس الوزراء ، ووزارة الخارجية). وهكذا حاول امتصاص ردة الفعل القاسية، الأمر الذي خفف عليه ضغط الشركاء لحظتئذ.

الاحتماء بالجيش:
لكن بعد ساعات قليلة وعلى نحو مفاجئ وفي خطوة لها دلالات واضحة، لجأ الفريق البرهان بعد الاجتماع المشترك بين المجلس السيادي ومجلس الوزراء إلى المؤسسة العسكرية واحتمى بها والتقى قيادات عسكرية هناك، وحُظي بتأييدها وعقد مؤتمراً صحافياً لتنوير قادة الرأي ورؤساء التحرير باللقاء، وذلك بوزارة الدفاع بالقيادة العامة للجيش. وقال إن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك كان على علم باللقاء قبل انعقاده وبارك هذه الخطوة بعبارة: (go ahead) قالها بالإنجليزية، وأشار البرهان أيضاً إلى أن لقاءه مع قوى الحرية والتغيير أكد أنهم لايعارضون الخطوة وإنما كان اعتراضهم على عدم مشاورتهم في الأمر مسبقاً، وأكد البرهان أنه قام بذلك لمصلحة السودان وتحرك وفقاً للوثيقة الدستورية التي جعلت مثل هذه القرارات مسؤولية المؤسسات الأمنية..
مجلس الوزراء يكذب البرهان:
وفي تطور لاحق تلا وزيرالإعلام فيصل محمد صالح بياناً كذَّب فيه البرهان وقال إن رئيس الوزراء لم يكن على علم باللقاء وأن رئيس المجلس السيادي غيّر أقواله التي أشار فيها إلى أنه فعل ذلك بمبادرةٍ منه ولم يستشر أية جهة..
مأذق البرهان:
بالإشارة إلى جملة من المعطيات، يدرك المراقب السياسي أن رئيس المجلس السيادي الفريق أول البرهان وفور وصوله الخرطوم عائداً من يوغندا، وجد أن (الطبخة) التي أعدها في عنتبي قد احترقت، ذلك لأنه لم يضعها على نار هادئة أو أن شريك اللقاء السري فتح باب الريح عليها فاشتعلت بها الأسافير ومواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العالمية قبل المحلية، وهكذا احترقت «طبخة» البرهان..
نتنياهو يفضح السر :
ويتجلى مأزق البرهان أيضاً في أنه أراد للقائه بنتنياهو أن يكون سرياً للغاية كأي سر يُدفن في أضابير المؤسسة العسكرية، وأن يُضرب على نتائجه بسياج من التكتم، بينما أراد نتنياهو أن يكون اللقاء علناً لتحقيق مكاسب سياسية داخل إسرائيل في إطار ماراثون الانتخابات الإسرائيلية، هذا علاوةً عن تباهيه بكسر الطوق السوداني الذي استعصى على إسرائيل منذ العام 48 ، لذلك أذاع نتنياهو الخبر الذي عم القرى والحضر، مما شكَّل مفاجأة أيضاً للبرهان الذي كان يريده سراً مخفياً تجري فصوله خلف الكواليس حتى يكتمل.
حمدوك يتنصل:
ويتمثل مأزق الفريق البرهان أيضاً في تنصل رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك عنه بعد
الـ (go ahead)، وقد تنصل حمدوك عنه بعد أن تكاثرت السهام على صاحبه كي ينجوَ بنفسه رغم مباركته للقاء فكثير من الدلالات والمعطيات تشير إلى أن حمدوك كان على علم باللقاء وقد أيده في ذلك والدليل هو أنه وفور عودته غرّد حمدوك على حسابه بتويتر مباركاً هذه الخطوة مما يؤكد علمه ومساندته لها، لذلك ستظل تصريحات وزير الإعلام التي أشار فيها إلى أن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لم يكن على علم باللقاء، مجافية للحقيقة تماماً، لكن الراجح هو أن رئيس الوزراء كان على علم وكان مباركاً لهذه الخطوة، وقد أكدت تغريدته بتويتر ذلك دون أية مواربة، وأن ما حدث الآن هو أنه – اي حمدوك- تنصل عنه وتركه وحيداً مكشوف الظهر كما فعل نتنياهو معه..هكذا وجد الفريق البرهان نفسه مكشوف الظهر وفي وضع لايحسد عليه يحاول الخروج من الورطة.
الخروج من المأزق:
بإلقاء نظرة فاحصة تأخذ في الاعتبار وحدة الجبهة الداخلية، وحماية الشراكة من أية مهددات، يدرك المراقب السياسي أن لقاء عنتبي قد أحدث شرخاً عميقاً في جدار الشراكة السياسية بين العسكر والمدنيين من ناحية، وبين تحالف القوى الثورية من ناحية ثانية، كما أحدث انقساماً كبيراً في الشارع السوداني، وألقى بظلال كثيفة على المشهد السياسي برمته. لذلك فإن المخرج الآمن للبلاد من هذا التشرذم، هو إرجاء هذا الملف وتركه للحكومة المنتخبة أو المؤتمر الدستوري ليقرر فيه تحت الأضواء وبمشاركة الجميع وفي داخل السودان وبإرادة وطنية بعيداً عن الإملاءات الإقليمية والدولية، مع الإقرار بأن خطوة البرهان تلك فيها تجاوز للوثيقة الدستورية وللمؤسسات المعنية بهذا الشأن، وعليه أن يقف عند حد هذا اللقاء ولايزيد إلى حين انعقاد المؤتمر الدستوري وأن تقتصر واجبات حكومة حمدوك على القيام بمهام الفترة الانتقالية، وليس مثل هذه القضايا التي ليست من اختصاصها ومهامها المحددة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق