البروفيسور عارف عوض الركابي يكتب: مرض (كورونا) بين عِظة المؤمنين وغفلة الكافرين

انشغل الناس في هذه الأيام بمرض (كورونا) وباتوا يتابعون تحركات انتشار هذا المرض الذي ينقل بواسطة (فيروس) لا يرى بالعين المجردة ، وانشغلوا بأخبار ما ترتب على إصابة عشرات آلآلاف وكان سبباً في وفاة بعضهم.. توقفت المطارات في بعض الدول وأوقفت المصانع والتجارات وضعف الاقتصاد في بعض الدول ، وأصاب في أيام قليلة دولة الصين ما أصابها وتضررت من آثار ذلك مما لم يكن لديهم في الحسبان وهم في قمة (الاستعراض) و (العنفوان) !! رغم ما لديهم من قوة اقتصاد وتقدم في الصناعات بل احتكار لنسبة كبيرة من صناعات العالم .

لا إله إلا الله ..

ما أضعف هذا المخلوق ..!!

وما أهونك يا ابن آدم !!

إن كثيراً من البشر لا يتدبرون فيما حصل ويحصل في مثل هذه الأحوال .. فهي مجرد ظواهر وحوادث بعضها يعدّدون أسبابه الحسية وبعضها يجعلونه مجرد ظواهر (طبيعية).. وأما المؤمنون الذي يعلمون بل و(يوقنون) أنه لا يحصل في هذا الكون شيء إلا بإذن الله تعالى .. ولا تحولٌ من حال إلى حال ، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنهم هم من يعتبرون من هذه المصائب وما يتجدّد من الأحداث .. وتُحْدِثُ لديهم وتفيدهم إيماناً زائداً .. بل مثل هذه الحوادث تقرب لهم ما تعلموه وحفظوه مما دلت عليه نصوص الوحي مما أجراه الله على الأمم السابقة .. من أمراض وأسقام وبلايا ومحن وخسف ومسخ وإغراق وزلازل وغير ذلك .. وكان أمر الله قدراً مقدوراً.

ومما يفيده المؤمنون من هذه الطواعين والأمراض سريعة الانتشار وواسعة الهلاك ونحوها من الأحداث ـ أيضاً ـ زيادة خوفهم من ربهم جل وعلا .. وتتجدد التوبة والاستغفار لديهم مما يثمر بعدهم بسبب ذلك الخوف وزيادته عن المخالفات التي تغضب ربهم عليهم.. فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون .. ويقبلون على الدعاء (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) وفي المقابل يزداد رجاؤهم بما يرون من تلك المصائب في رحمة ربهم .. ورأفته بهم .. وحفظه لهم .. بسبب ما وفقهم إليه من إيمان واستجابة لداعيه وعمل بطاعته ، واستجابة لحكمه ، وقبول لشرعه ، وتحكيم له في سائر ومختلف الأحوال !!.. فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون .. والقرآن الكريم قد بشّرهم في آيات كثيرة منها قوله سبحانه : (وكذلك ننجي المؤمنين).

تأملت في انتشار هذا الفيروس الذي لا يرى بالعين المجردة وما ترتب على انتقاله بين بني آدم وما ترتب على ذلك من مآلات وأحداث عظام على مستوى العالم .. ثم تأملت في معاني أسماء الله تبارك وتعالى التي دلّت على قوته وقدرته وجبروته وقهره وعظمته سبحانه وتعالى .. والتي منها : (القوي) و (المتين) وهما اسمان وردا مقترنين في قوله تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) سورة الذاريات.

لقد ورد اسم الله (القوي) في عدة مواضع من القرآن الكريم ، وأما اسمه (المتين) فقد ورد في موضع واحد مقروناً بوصف الله بأنه ذو القوة كما في الآية السابقة.

ومعنى القوي : أي الذي لا يعجزه شيء ولا يغلبه غالب ولا يرد له قضاء ، ينفذ أمره ، ويمضي قضاؤه في خلقه ، يعز من يشاء ويذل من يشاء ، وينصر من يشاء ويخذل من يشاء ، ولا منصور إلا من نصره ، ولا عزيز إلا من أعزه ، فالقوة جميعاً له سبحانه وتعالى ، والمخذول من خذله ، والذليل من أذله (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) آل عمران.

ومعنى المتين : أي شديد القوة .. سبحانه وتعالى ، على ما يليق بجلاله وكماله سبحانه ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .

هذه الأحداث وانتشار مثل هذا الوباء وآثاره مما تندهش له العقول وترجف له القلوب .. هي من شواهد قوة الله الذي وصف نفسه بأنه (شديد المحال) أي : شديد الحول والقوة فلا يريد شيئا إلا فعله، ولا يتعاصى عليه شيء ، ولا يفوته هارب .. فالله أكبر .. إنها شواهد قوة الله الذي رفع السماء بغير عمد .. وهي السقف المحفوظ التي بناها الله عز وجل بقوته (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) .. (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) سورة الحج. إنها شواهد من يحفظ هذه السماوات والأرض ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41) سورة فاطر.

إنها شواهد قوة الله الفعال لما يريد .. الذي قهر كل شيء .. فما شاء الله كان وما لم يشأه لم يكن .. إنها شواهد قوة الله الذي بقوته نصر أنبياءه وأيدهم بنصره .. وأنجاهم من كيد أعدائهم .. فهو الذي كتب أنه ينصر من نصره .. بل جعل نصر المؤمنين حقاً عليه سبحانه وتعالى.

إنها شواهد قوة الله الذي أهلك الكافرين وانتقم منهم .. فمهما اغتروا بأنفسهم .. وبما فتح الله عليهم من الخزائن والملك .. وأطال لهم الأمد .. إلا أنه عاقبهم بظلمهم .. وجاءتهم العقوبات متنوعة ..  فبعضهم جاءه العذاب وهم (بياتاً وهم نائمون) وآخرون (ضحى وهم يلعبون) .. بعضهم بالماء وآخرون بالرجفة وغيرهم بالخسف .. في أنواع متنوعة من العقوبات مما يشهد لقوة الله الجبار الواحد القهار .. سبحانه وتعالى .

إن من شواهد قوة الله تعالى أنه لا مفر إلا إليه .. ولا ملجأ للعبد ولا منجا منه إلا إليه ، ولذلك فالمؤمن يفر إليه ، ويستغيث به ، ويشكو إليه ضيقه وبثه وحزنه .. ويرجوه أن يكشف ما به من ضر .. وينجيه من الكرب .. وفي القرآن من قصص القدوة أنبياء الله في هذا الجانب ما يقوي من صلة العبد بالله .. ويزيد من قوة التوكل عليه .. فهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

هذا شيء يسير مما يقال .. في معاني هذين الاسمين العظيمين من أسماء الله تعالى .. وقد سمى الله نفسه بهذه الأسماء ليعرفه بها خلقه .. وليقدروه حق قدره ، وليعملوا بمقتضاها ويعبدوه بما دلت عليه من معان عظيمة.. ومن حقق ذلك فهو الحري بأن يفوز بالوعد العظيم الذي ورد في شأن من علم وعمل بأسماء الله كما في حديث إحصاء تسعة وتسعين اسماً منها ، فإن معنى الإحصاء : العلم بمدلولها وحفظها وعدها والعمل بمقتضاها ..

وهذا من الخير الكثير والرزق الوفير الذي ينبغي أن يشمر في معرفته وتحقيقه وتحصيله الموفقون .. وهو من الرزق (الخاص) الذي لا يلقاه إلا ذو حظ عظيم.

وأما الكافرون الذي حرموا أنفسهم من هذا العلم العظيم .. والعمل الجليل .. وأغلقوا قلوبهم وعقولهم عن معرفته ، وحيل بينهم وبينه .. فانشغلوا بدنياهم فعمروها وزخرفوها وفتنوا بها .. وأعرضوا عن آخرتهم فخربوها .. فإنهم وإن لم يدركوا هذه المعاني والشواهد .. ويعلموا ما تدل عليه من قوة الرب القاهر القادر الواحد في هذه الدنيا.. فإنهم لا محالة سيدركون ذلك وأكثر منه ..لكنه متى ؟! إنه في يوم القيامة .. يوم يرون إحياء الله لهم ، ويرون العذاب .. بأبصارهم .. فيعلمون حينئذ أن القوة لله جميعاً ، ولكن علمهم وقتها لا ينفعهم ولا يجديهم ولا يغني عنهم من عذاب الله .. حيث جاءتهم الشواهد والأدلة في الدنيا فعميت عنها أبصارهم ، وتبعوا وانساقوا وراء شواتهم وملذاتهم .. وربما تعلقوا بالأوثان وغيرها من مخلوقات الله التي لا تملك لأنفسها النفع أو الضر قبل أن تملكه لهم!! واستبدلوا عبودية الله الذي خلقهم وخلق جميع الخلق لهذه الغاية ..استبدلوا ذلك بعبوديتهم لأنفسهم الأمارة بالسوء ، وعبودية الشيطان عدو الإنسان الذي هو في عداوته مبين ، وما أروع ما قال ابن القيم رحمه الله في وصفهم عندما قال في نونيته عنهم وعن أمثالهم :

هربوا من الرق الذي خلقوا له*** 

فبلوا برق النفس والشيطان

فاللهم فقهنا في دينك .. وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا .. وزدنا علماً يا عليم .. واجعلنا ممن يتعظ ويعتبر .. وألهمنا رشدنا ..

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى