برناردشو والطبيب المثقف والطبيب الجاهل

بقلم:د. وليد شريف عبدالقادر

والناس تسأل والهواجس جمة
طب وشعر كيف يتفقـــان؟
الشعر مرحمة النفوس وسره
هبة السماء ومنحة الديان
والطب مرحمة الجسوم ونبعه
من ذلك الفيض العلي الشأن
ومن الغمام ومن معين خلفه
يجدان الهامــاً ويستقيـان
• الأبيات لصاحب رائعة أم كلثوم (الأطلال) الدكتور إبراهيم ناجي، قيلت الأبيات في حفل تكريم أعد له بمناسبة صدور ديوانه الشعري (وراء الغمام) ، وقد علق على هذا الديوان عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في أثره القيم حديث الأربعاء قائلاً : (ما زلنا بين العلماء الذين لم يصرفهم العلم عن الأدب ، أستغفر الله بل الذين أغراهم العلم بالأدب فاقبلوا عليه وزاحموا فيه أصحابه الذين أنفقوا فيه حياتهم ووقفوا عليه جهودهم زاحموهم مزاحمة الموفق المنتصر الذي لم يظفر من النجح بحظ قليل … إلى أن يقول ونحن نكذب شاعرنا الطبيب أن زعمنا له أنه نابغة بل نحن نكذبه أن زعمنا له أنه عظيم الحظ من الامتياز وإنما هو شاعر مجيد تألفه النفس ويأنس إليه قارئه أحياناً ويطرب له سامعه دائماً …) .. وأنا عزيزي القارئ اتفق مع عميد الأدب العربي في رأيه ولكنني أرى الطبيب الذي يتفوق على أهل الأدب ومحترفيه في نظم الشعر أو القصة أو أي جنس أدبي، ليس هذا بخارق أو أتى بما لم تستطعه الأوائل لأنه اعتمد على الطيف الإلهامي والمسمى (بالموهبة) والمواهب من عند الله يهبها لمن يشاء من عباده وخلقه.. لكن يفغر الأفواه الطبيب المثقف صاحب الرؤية الشاملة والذي يرى الطب أكثر من سماعة ..وعمارة .. وصف مرضى ينتظر ويلهث في سبيل الدخول إليه الدخول ومستوصفات خاصة تتهلل أساريرها عندما تدلف أقدامه الكريمة الى فنائها الرحيب .. طبيب يبذ أهل الأدب والثقافة فيقارعهم في مجالاتهم وفروعها المختلفة وينبغ في ذلك ..طبيب يؤثر على مرضاه بعمق علمه ومعرفته وتواضعه لا بروشتاته المكتنزة ونظرة الاستعلاء الكامنة من تاريخ نقص حيوي مؤثل في تربيته وباكورة نشأته وتضعضع دينه ومبادئه.. والحقيق بالدراسة والاهتمام هو مَنْ يُطلق عليه لقب (الطبيب الموسوعي) لأنه جمع بين قبيلتين في شخصه المميز قبيلة أهل العلم وقبيلة أهل الأدب والثقافة.
هجوم عنيف ناله الشاعر المصري الكبير الرقيق محمود حسن إسماعيل وهو يصرح في لقاء مثير أُجرى معه ( أنا لا اعترف أبداً بأي شعر ترتبط جذوره بثقافة الكتب.. لا بد أن ينبع الشعر من التجارب النفسية المستقلة ..من انصهار الشاعر في العالم الواقعي الذي يعيش فيه )..وبدأ الهجوم الكاتب الناقد الشهير المعروف رجاء النقاش متسائلاً: فهل يريد الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل بهذا الكلام أن يكون شعراؤنا مجموعة من الجهلاء وأعداء الثقافة؟ ثم واصل قائلاً: والفصل بين الشاعر والثقافة هو استمرار للرأي الذي يدعو الشعر نوعاً من الزينة، والتسلية التي يلجأ لها الإنسان في حياته الاجتماعية.. أي انه جمال فني ( لو يعلم شاعرنا) جمال مبتذل يثير السخرية أكثر مما يثير الإعجاب.
• وفي ذات المقام الساخر الانجليزي الفيلسوف جورج برنارد شو مستهجناً شعراء (مواهب بلا ثقافة) قال إنه يكره القصيدة التي تصبح مثل ( تابوت من خشب الورد مبطن بالحرير الفاخر أعدته سيدة غنية لتدفن فيه كلبها) أي جمال فني وضيع يثير الدهشة لفراغ محتواه وغرضه أكثر مما يثير الإعجاب والذوق الفني.. وكذلك الطب عزيزي القارئ ليست وظيفته أن يكون تابوتاً جميلاً لكلب ميت تملكه سيدة ارستقراطية فارغة العقل والقلب والحياة بل وظيفته أن يكون غذاءً عميقاً للقلب والعقل لأنه ببساطة يعبر عن دستور صحة مريض وأمن مجتمع وازدهار وتقدم وطن.. (وطبيب بلا ثقافة ومعرفة واسعة.. كجرائم بلا عقوبات عادلة و رادعة)
• وفي الختام حتى الملتقى أعزائي القراء أسأل الله لكم اليقين الكامل بالجمال حتى يقيكم شر الابتذال في الأشياء .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق