السودان: الطيب مصطفى يكتب: العدالة العرجاء والتفريق بين انقلاب وانقلاب!!

عجبت لقرار كارثي وظالم، لا أدري من الذي أصدره، يقضي بإعادة ضباط وضباط صف ما سمي بـ (حركة) 24 أبريل 1990م للخدمة، بل وترقيتهم ومن ثم احالتهم للمعاش واعتبارهم شهداء .. نسأل الله تعالى أن يتقبل جميع الشهداء في كل عصر ومصر إنه سميع مجيب.
والله نحن في محنة وحيرة وتخبط عجيب، ففي حين يجرم انقلاب 30 يونيو الذي لولاه لما وصل رئيس ونائب رئيس مجلس السيادة وبقية أعضاء المكون العسكري في ذلك المجلس إلى مناصبهم ورتبهم العسكرية الحالية، ويخضع منفذو انقلاب الإنقاذ حالياً للمحاكمة، يكرم منفذو انقلاب رمضان 1990م بل ويعتبرون أبطالاً وشهداءً، ويسمى ذلك الانقلاب بـ (حركة!) فيا له من اسم دلع لطيف يذكرني باسم (حركات الكفاح المسلح) الذي خلع بغباء وانكسار على الحركات (المتمردة) التي مازالت تحمل السلاح ضد الدولة وضد القوات المسلحة السودانية وتسمي المناطق التي تسيطر عليها، في حضور حمدوك رئيس الوزراء المسيكين الذي زارهم في عاصمتهم كاودا والذي (لا يهش ولا ينش) ولا ينتصر لسيادة الدولة التي نصبته في منصب أكبر من حجمه الضئيل، تسميها (المناطق المحررة)! بل يذكرني بقيام نفس تلك الحركة المتمردة عبر تجمع المهنيين الشيوعي الذي تسيطر عليه (عن طريق قياديها الشيوعي محمد يوسف) بتنظيم المسيرات في الخرطوم لإعادة هيكلة الجيش السوداني ويقبض على بعض منتسبيها من الضباط في قلب تلك المسيرات ببطاقاتهم العسكرية سعياً منهم لـ (حل وبل) الجيش السوداني العريق واحتلال مكانه بعد تصفيته، كما يحدث الآن ومنذ فترة، من خلال الاحالات المنظمة للتقاعد لمنسوبيه ومنسوبي هيئة العمليات بجهاز الأمن!
لا أراني محتاجاً للتذكير بالشعارات المنتقاة بعناية في مسيرات تجمع المهنيين التي يرددها الصبية (المخدرين) والذين يهرفون بما لا يعرفون من عبارات مفخخة: (معليش معليش ما عندنا جيش) و (كنداكة جات بوليس جرى) والتي شاء الله تعالى أن يفضحها ومروجيها، ولكن متى يعلم قادة الجيش بما يخطط لهم وللسودان من خلال مفاوضات جوبا وغيرها من مؤامرات يشيب لهولها الولدان؟!
العجب العجاب أنه لا أحد تكرم علينا بإيراد الحيثيات التي بني عليها القراران سواء التجريمي لانقلاب الإنقاذ أو التكريمي لانقلاب البعث الرمضاني، بالرغم من أن الفعل الذي بدر من منفذي الانقلابين واحد ومتطابق، فيما عدا أن الانقلاب الأول نجح وتسلم السلطة بينما الثاني فشل وعوقب منفذوه بموجب القوانين العسكرية المعروفة!
أود أن أوجه مرة أخرى سؤالاً بريئاً لمن أصدروا القرار: ما هو الفرق بين انقلاب 30 يونيو 1989م والانقلاب البعثي في 24 أبريل 1990م والانقلاب الآخر الشيوعي (هاشم العطا) والذي حدث في يوليو 1971م والذي يحق لأفراد أسر منفذيه أن يطالبوا بذات المعاملة التي اغدقت على الانقلاب البعثي (يوليو 1971م)، سيما أنه لا خلاف في الحيثيات بين الانقلابين اللذين فشلا فيما عدا أن الانقلاب الشيوعي حقق نجاحاً طفيفاً حيث استمر ثلاثة أيام، قبل أن يحبط بعد أن أزهق أرواح عشرات الضباط في مجزرة بيت الضيافة؟!
يمكن استدعاء جميع الانقلابات السابقة منذ الاستقلال لتقديم السؤال المنطقي: لماذا التفريق بين أحمد وحاج أحمد، ومتى يدرك البرهان وحميدتي حجم الاستهداف الذي يراد للسودان ولقواته المسلحة؟
قرارات ارتجالية لا يكاد يخلو منها أي يوم من الأيام، تنم عن قلة خبرة وربما خيانة واضطراب في التفكير و (تمرير أجندة) وضعف سياسي مريع كان ينبغي أن يلفت نظر من يصدرونها. إن القرارات الفطيرة لن تكتب لها الاستمرارية، وسرعان ما تلغى مع أول تغيير وما ذلك على الله بعزيز!!
متى يثوب بنو علمان لعدالة السماء المطلقة بعيداً عن عدالة تطفيف المكيال والميزان العرجاء؟!
على كل حال فإن القرار لا يختلف كثيراً عن قرارات أخرى انتقائية وإقصائية وظالمة كثيرة تتخذها الحكومة والمنظومة العدلية التي جثم على صدرها اليسار العلماني بقيادة الشيوعيين، لا استثني منها حملات الدفتردار الانتقامية للكنس والكسح والمسح وإعادة تمكين المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة من العناصر الهشة والضعيفة التي تركض ركض الوحوش وتتنافس على الغنائم والاسلاب ولعاعة الدنيا وزيادة المخصصات بصورة مخجلة، بينما الوطن الجريح ومواطنه المسكين يعاني من الفقر والفاقة، بعد أن سرقت ثورته واغتصبت، ولا عزاء لشهدائه وأسرهم غير الحسرة على (الموت سمبلة) ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى