شهادة نسيها التاريخ بمطار الخرطوم

بقلم: صبرى محمد علي (العيكورة)

سلامٌ على مطار الخُرطُوم أينما ذُكر الوفاء، وسلامٌ عليه أينما ذُكر التجرُد والعطاء، وسلامٌ عليه أينما ذُكر الشُمُوخ والكبرياء، وسلامٌ عليه رجولة وأنوثةٌ وحياء، وسلامٌ عليه وهو يُكرمُ في بشاشةٍ وصفاء، أنامل حوائه المُخضبة تُداعب الحواسيب في مهارةٍ وبهاء، وسواعدُ رجاله تحملُ الكَلّ وتُعينُ في غير ما ضجرٌ وازدراء، وتحية شُكرٍ وعرفان للدكتور صديق محمد مُصطفي الذى أهدانى رسالة صوتية لكتابة هذه الزاوية بلا مِيعادٍ بيننا، يقٌولُ المُتحدث وقد سقط اسمه في ثنايا الحديث دُون أن يذكُره: أذكُر فى عام 1983م عندما كُنتُ مُديراً لمطار الخُرطوم اتصل بى أحد المُراقبين الجويين، كان ذلك بعد الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، يفيدني بأن هناك طائرة رئاسية ستحُط بالمطار بعد أربعين دقيقة، وسألته إن كان الطيار قد أبلغه عن هوية الرئيس الزائر فأجاب بالنفى، قال فذهبتُ الى مركز المراقبة واتصلتُ بالكابتن وعرفته بنفسي، وطلبت منه أن نعرف مَنْ على متن الطائرة لأن هُناك إجراءات (بروتوكولية) يلزمُنا القيام بها، فأفاد بأن الملكة اليزابيث ملكة بريطانيا هى من بالطائرة، وأنهم سيهبطون لأسباب فنيّة، ولكن وجهتهم الاساسية هى العاصمة الكينية (نيروبي)، يقولُ: فاتصلتُ بمُدير المراسم بالقصر الجمهوري آنذاك السيد (نديم عدوي) واخبرته بأن طائرة الملكة اليزابيث ستنزل لدينا خلال خمس وثلاثين دقيقة، وطلبتُ منه أن يُخطر الرئيس (نميري) للحضور لاستقبالها كما هو مُتبع، فقال إن الرئيس غير موجود، فقلتُ له فليكُن نائب الرئيس إذن، وكان حينها عمر محمد الطيب فقال إنه أيضاً غير موجود، فطلب منى أن (أتصرف) لحين حضوره، يقول: فصعدتُ الطائرة واستقبلتُها في كامل هندامى الرسمي، وأدخلتُها الصالة الرئاسية وبدأتُ أتجاذب معها أطراف الحديث ريثما تأتى المُرطبات والضيافة، فقالت الملكة بدهشة إنها لأول مرة تسمع (إفريقي) يتحدث الانجليزية بلهجة أهلها وبهذه الطلاقة، قال: فأوضحت لها ببساطة لأن كُل الذين علمونا هُم بريطانيون، فاستحسنت الرد وعيناها تُشِعان فخراً، فذكرت لى طُرفة أنهُم في بريطانيا يقولون إن اللُغة الإنجليزية مرضت في امريكا وماتت في الهند، يقول: فضحكنا سوياً، ثم طلبت منى أن ترى الحمامات (أكرمكم الله)، قال: ففهمت أنها تُريد الحَمّام لنفسها، فتقدمتُ أمامها نحو الحَمّامات الرئاسية، فقالت لا لم أقصد هذا إنما أريدُ أن أرى الحمامات الشعبية لعامة الناس (يا خبر أسود)!! يقول: فاتصلتُ برئيس العُمّال وأخبرته أن يتأكد لى من مستوى النظافة، لأن شخصية مُهمة ستمُر بعد قليل، رغم قناعتي أن مُستوى النظافة كان عالياً جداً ولم أكن قلقاً، فكنا نتابعها فى أعلى مستويات الإدارة بالمطار، فكان بجوار كل حَمّام عامل معه جميع الادوات والمُطهرات، وكان عليه أن يُنظف الحَمّام عقب كل استخدام! يقول: ذُهلت ملكة بريطانيا من مستوى النظافة، وسألتني كيف تحافظون على هذا المستوى الرائع، فشرحتُ لها أن لدينا عُمالاً مُختصين. وأوضحتُ لها كيفية عملهم ومتابعة إدارة المطار لمستوى النظافة، فقالت هذا نظام جيّد ثم أردفت:(may be we can  adopt this system in Heathrow) ) تعني أنهم سينقلون هذه التجربة لمطار (هيثرو)! (انتهى المقطع الصوتى).

    حقيقةً وضعتُ أنا (الموبايل) وأخذت نفساً عميقاً، وتمنيت لو يُبحثُ في أرشيف المطار عن هذا الرجُل المُخلص ولو نسيه التاريخ يوماً ما، مطار(هيثرو) كان يقتدى بمطار الخرطوم فى أوائل الثمانينيات؟ فما الذى تغير؟ سُلُوكنا أم المباني أم الماء والصابون؟ جُملة الملكة هى شهادة فى حق السودان ومطار الخرطوم، فلا أدري لماذا نسيها التاريخُ هكذا؟ وهل لمطارنا (دفتر تشريفات) داخل الصالات ليُسجل عليه الانطباع والشهادة والإشادة؟ سؤال أوجهه للسيد المدير العام الأستاذ عصام الدين أحمد محمد.

وبقناعتي الشخصية أن هذا المستوى باقٍ الى يومنا هذا، ولكن أين الاعلام والمُنصفون تعالوا الى صالة المغادرة وسترون أفضل مما رأته الملكة! إننا بخير يا سادتى، وبالإمكان إعادة هذا المجد وزيادة، طالما توفرت الارادة والادارة مع (ابتداع) شيء من التوثيق الرقمي الحديث لمثل هذه الاشادات. رأسُ مالنا كفاءات وطنية خالصة ليس بينهم (ميري ولا جون) كما هو الحال فى كثير من مطارات العالم، مُتمرسُون فى التقانة والحوسبة واللغات، يعملون فى صمتٍ لا يعشقون الأضواء، فالوقتُ لديهم للحاسوب والوضوء والصلاة، فإذا كان مُدير سابق قد أدهش ملكة بريطانيا بقليل من الماءِ والصابون، فماذا لو رأت أحدث ما توصّل اليه عِلمُ إدارة الطيران وفى ذات المبنى المُتواضع؟

قبُل ما أنسى:

تحية اعتزاز بالوطن ارسلُها للمُدير عصام وبشير عبد الرحمن ومحمد كزّام والمجتبى وحافظ ومحجوب وسهوة وابتهال وسلوى وسامية ورذاذ وسُهاد ومُصطفى وإسلام ومُبارك، وكل الطواقم الأخرى، فأنتُم مِرآة هذا الوطن العظيم، فكونوا أول بسمة تحكى كبرياءنا وشموخنا، وسنكُونُ معكُم بالكلمة والحرف الصَدُوق. ودُمتُم بعافيــــة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق