اعتبروا يا أولي الألباب

أحمد يوسف التاي
الآن وقد بلغت القلوبُ الحناجر، والعالم كله يرتجف ذعراً ، والهلع والخوف يجتاح أركان الدنيا الأربعة، وكل الدول المتقدمة والناهضة والفقيرة البائسة تتحالف وتصطفُ في مواجهة فيروس صغير جداً لا يُرى بالعين… الفيروس الصغير ـ وهو أضعف مخلوقات الله عزّ وجلَّ ـ نراه يقذف الرعب في قلوب الناس أجمعين، ويدير معركته ضد الإنسانية كلها بأسلحة مختلفة، يتفنن في أساليب الحرب وتاكتيكاتها ينتقل بخفة فيطوّق العالم بأسره ويفرض عليه الحصار فلا خارج ولا داخل ، وتراه يشنُ حرباً بيولوجية قاتلة، واقتصادية مدمرة، ونفسية مُهلكة تجعل العالم كله في ذهول ولم تسعفه ثرواته المادية ولا منتجاته التقنية، ولا خبراته العلمية من هذا القاتل الصغير…
فيروس صغير يغزو العالم بجيوشه، فلا ترسانة حربية تقف في طريقه، ولا رادارات ترصد تحركاته، يتسلل بأمر الله ولا عاصم من أمر الله إلا الله، ولا رادَّ لقضائه، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون…
لكن ستنتهي جائحة «كورونا»، وعندها سيتنفس العالم الصعداء لتبقى الدروس والعبر التي لا يعقلها إلا العالمون، فما حدث للعالم الآن هو بلا أدنى شك آية من آيات الله القاهر فوق عباده وذكرى لاُولي الألباب (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ)…(إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ)…
الحقيقة التي لا خلاف حولها أن هذا الوباء القاتل ليس ككل الأوبئة التي شهدتها المجتمعات منذ أن خلق الله الأرض وما عليها ولم يحدث أن ابتلى الله البشرية بجائحة كهذه، جائحةٌ تتحدى العلماء وما بلغوا من العلم، ضحاياها الدول الكبرى قبل الصغرى ، والمشاهير قبل المغمورين والكبار قبل الصغار، والأغنياء قبل الفقراء، والأطباء وعامة الناس، فحقاً إن في ذلك لعبرةٌ لأولي الأبصار.
يحدثنا القرآن الكريم في سياق قصص الغافلين والمتجبرين والطغاة وما حاق بهم أن الله يتحدى الأمم الطاغية والملوك الجبابرة والبشرية الغافلة بأضعف مخلوقاته ليلفت الأنظار بقوة إلى قدرته المطلقة، فكان مصرع النمرود أعتى ملوك الأرض بـتسلل «بعوضة» إلى أنفه، وكان تدمير جيش أبرهة الحبشي بـ»طير أبابيل»، وكما سلّط على فرعون قبل نهايته القمّل والضفادع والجراد، آيّات مفصلات، وهكذا سنة الله في الكون ولن تجد لسنة الله تبديلاً…
تحدثنا أمس عن إجراءات السلامة والوقاية من هذا الوباء الفتّاك، واليوم نذكّر أنفسنا والآخرين بالتوبة إلى الله والتضرع والتقرب إليه، فاتباع إجراءات الوقاية، والتضرع إلى الله هو المطلوب من عباد الله المؤمنين، وأمّا الآجال فبيد الله، وأما الضراعة والوقاية فمنّا، وهذا في رأيي من علامات الإيمان، كما في قوله تعالى: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة»، وكما في الحديث الشريف عن مرض الطاعون فجاءت إجابته صلى الله عليه وسلم: (إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأرْضٍ، فلاَ تَقْدمُوا عَلَيْهِ، وإذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلا تخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ)، وهذا هو الحجر الصحي الذي يستهتر به أقوامٌ جهلاء ويعدونه ضعفاً في الإيمان.. اللهم هذا قسمي فيما أملك..
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين..

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق