تصاريح الـ«ديليفري»

بإلقاء نظرة فقط إلى معدل درجات الحذر العالية التي تفرضها الدولة إعلامياً، والتحذيرات التي تبدو في تصريحات المسؤولين في الخرطوم من عدم الخروج من المنزل إلا للضرورة، والناظر كذلك إلى الإجراءات المتشددة الخاصة بفرض حظر التجول على المواطنين ليلاً بالعاصمة لتفادي الإصابة بـ»فيروس كورونا»، أقول بإلقاء نظرة إلى هذه الدرجة العالية من الحذر والتحذيرات من السلطات الصحية ومن الجهات الرسمية بالدولة عبر وسائل الإعلام، سيدرك حجم التناقض بين هذه الحالة «الإعلامية»، وأداء أجهزة الدولة الذي يدفع المواطنين دفعاً إلى الزحام، وإلى الخروج من المنزل في ظل العجز عن حل أزمة الخبز، وانقطاع الكهرباء…
حجم التناقض هذا يتسع بشكل أكبر في منع الزحام والتحذير منه بينما تعجز أجهزة الدولة عن حل أزمة الخبز وإنهاء الصفوف.. وحجم التناقض يتسع في الفجوة الكبيرة بين اهتمام الدولة بولاية الخرطوم، والتجاهل الكامل لبقية الولايات، والدليل على ذلك أن مواطناً مشتبه بإصابته بالفيروس عجزت ولاية سنار عن التعامل معه ولم يكن أمامها إلا إرساله إلى الخرطوم لإيداعه مركز العزل بمنطقة جبرة، وهذا يكشف حجم الخلل الكبير والبون الشاسع بين اهتمامات الدولة بالخرطوم، وتناقص اهتماماتها ببقية الأطراف الهامشية، يحدث ذلك في ظل ثورة التغيير التي انطلقت من الهامش لكسر هيمنة المركز ومعالجة التشوهات واختلالات التنمية.
وحجم التناقض يتحدث عن نفسه ويرسم صورة أكثر قتامة عندما تنظر إلى حجم إجراءات الوقاية والتحوطات في الإعلام، والتساهل مع حالات الازدحام في أماكن الأفراح والأتراح نهاراً، والمخابز والمستشفيات، ولا أظنُ أني بحاجة إلى التذكير بتزاحم كبار رجالات الدولة ووزرائها ومسؤوليها الدستوريين في حشدهم لاستقبال ودفن شهيد البلاد الفريق جمال الدين عمر وزير الدفاع…
نسيت أن أشير إلى واقعة ليست بعيدة من هذا الواقع المؤلم، وهي أنه بينما كنا مساء أمس الأول نخضع للتفتيش من سلطات الطوارئ في إحدى النقاط بمدينة بحري، تفاجأت تلك السلطات بأن عاملاً يقوم بخدمة توصيل الطلبات (ديليفري) يحمل تصريحاً، فأين الطارئ الذي يستدعي استخراج تصريح مرور وكسر حظر التجوُّل بينما توجد حالات محتجزة هي أولى بالاستثناء.. فالسلطات التي تتشدد في منع التجول إلا للحالات الطارئة جداً، هي نفسها التي تتساهل مع ناس (الديليفري)، وتستخرج لهم تصاريح للمرور ليلاً لبيع «طلباتهم»، وتنمية تجارتهم.. ألم أقل إن التناقض يبدو في كل شيء.. تناقض بين لسان الدولة الذي يبدو حالة إعلامية فقط، وبين سلوكها المتساهل المستهتر.. اللهم هذا قسمي فيما أملك ..
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق