الرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن(1-2)

بقلم : عادل عسوم
لأن طربت – ولم أزل – لراحلنا مصطفى سيدأحمد وهو يهتف في أذن الزمن، نمشي في كل الدروب الواسعة ديك والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن
ايدي في ايدك نغني
واللاّ نحنا مع الطيور الما بتعرف ليها خرطة
ولا في إيدا جواز سفر
فان طربي قد عَظُم عندما رأيت راكوبة من تلك الرواكيب تتسع -بالفعل-
وتصبح أكبر من مدن!
ولا غرو أن البيوت وان اتسعت وسمقت طوابقها قد تفوقها راكوبة أو قطية موئلا ومبعثا للسعادة والمحبة والإلفة والتحنان!…
إنها صبية، شبّت في بيت شقيقتي التي يدير زوجها مركزا دينياً في أمبدة، جاء بها أهلها إلى بيت يكنون لأهله من الحب الكثير، نشأت في كنفهم فألحقوها -مع أبنائهم- بالمدرسة إلى ان تخرجت معلمة في كلية التربية بإحدى جامعات العاصمة… وما لبث أن خطبها قريب لها يقاسم أهلها السكنى في أرض فلاة تتوسط الطريق بين العاصمة والولاية الشمالية… أصرت الصبية أن نشاركها فرحها بُعيد عيد الفطر، فانطلقتُ في معية اسرة شقيقتي مجاملا، ووصلنا مضاربهم فإذا بها رواكيب وبعض قطاطي يتبدّى شظف العيش والقتر على ظاهرها… ولكن!…
عندما ولجتُ إحدى الرواكيب، إذا بي أغني مع أبو اللمين: سالت مشاعر الناس جداول، أما الريح فان وشوشتها في بابها المفتوح ضلفتين جِبِلَّة فما كانت تنم عن أسى على فَقْدٍ، بل ترحيب وابتهاج بقدوم لأحباب!…
نظرتُ يُمنةً فإذا بالعريس (حسن) يمسك بيد عروسه يممان صوب راكوبة أخرى نُصِبَتْ لهما بالجوار …
العينانُ منهما تبوحان للكون حُبّ الدنيا كُلُّو…
مشى حسن عَلَى الرمل حافِي حالِق والضريرةُ تَضِجُّ من فوق رأسِهِ وتهتف بأن يا دنيا جاكي عريس، ومشت في ركابه عروسه حافية يسيل من شعرها الذهب ويهتف، بأن يا أرض احفظي ما عليك…
فنظرت إلى الدّرْبِ الذي سارا عليه فإذا به من السَّعةِ بحيث يسع كل السوح والفضاءات، فما كان مِنِّي إلاّ أن غنيت بلسانهما:
نمشي في كل الدروب الواسعة ديك
والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن
ايدي في ايدك نغني
واللاّ نحنا مع الطيور الما بتعرف ليها خرطة ولا في أيدا جواز سفر!.
وصلناهم ظهرا، والظهر في صحرائنا لعوالم لا يقوى على تحمّلها الاّ من هيَّأهُ الله لها، وتقدمنا زوج شقيقتي فانْكَبَّ الناسُ على يمينه مقبّلين وهو ينهاهم وينأى بها رابِتَاً على الأكتاف ومحييا ومقالدا… وتقدم المستقبلين والدُ العروس وبيده مدية آمرا جمعنا بأن نقف حيث نحن، ثم رفع يده مناديا، فإذا بابنه يجُرُّ من خلفه كبشا أقرنا ويتبعه صبيّان آخران بكبشين رديفين… شرع الأب في ذبح الخراف واحدا تلو الآخر، ثم تقدم الى زوج شقيقتي قائلا:
-يَلاّ يا شيخنا، اتعدُّوا الضبايح دي وباركوها… فتعدينا الذبائح وولجنا إلى الداخل، فأخذوا الرجال منا إلى داخل الراكوبة لنجد أنفسنا في ساحة فسييييحة وإذا بالولدان يرشّون رمالها بالماء، وعلى الجوانب (عناقريب) قد رصّت وعليها مخدات نظيفات وأنيقات… وتقدم شقيق العروس إلى شقيقي -وقد بان لي بأنهما يعرفان بعضيهما – فدعانا للجلوس والاستلقاء على تلك العناقريب الـ(هبابية)… جلست على إحداها، وإذا بي أفطن الى الحكمة من قول شقيقتي لي عندما تحركنا من الخرطوم: – ياريتك ياعادل أخوي لو كان لبست ليك جلابية بدل لبستك دي!
ساعتها لم أدرك مراداتها ومآلات حديثها لكنني مع الجلسة على العنقريب تبينت مرادها والمآلات…
وتمددت على عنقريبي فأتانا الصبية بمياه باااااردة! وانتبه شقيقي إلى دهشتي فأشار بيده إلى سقاء ماء جلدي كبير موضوع في مدخل الراكوبة من جهة مهب الريح وقد بقي صبيّان يَرُشّان الماء عليه كُلّما جَفّ، فقلت مخاطبا شقيقي: -هو بالله المويه البااااردة دي موية سعن؟!
فردّ شقيقي باسما:
-دا اسمو (سقو) ياعادل أخوي ما سعن.
لا أدري، منذ أن وطأت قدماي تلك السوح والفضاءات، ظلت تتردد في خاطري كلمات الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء). ثم قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم: (فطرة اللَّـه التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق اللَّـه).
لعل الرابط هنا هو هذه الفطرة النقية البيضاء التي تجلل وجدان وإهاب أولئك القوم! فالكرم هنا صادق…
والصدق هنا له بريق…
إذ كم تُضْفِي المدائنُ من غَبَشٍ على دواخلنا يا أحباب!…
ذات البساطة التي في سمت معاشهم تجدها في متن حديثهم وابتساماتهم
وقهقهاتهم، فإذا بالحياة من النقاء بمكان!…
خلدنا إلى هَدْأة من بعد طعامٍ شهي، وأغفى الناس كلهم ونأى عَنِّي النوم،
فانسللتُ من بين سقوات الماء لأجد نفسي بين يدي الصحراء الفسيييييحة…
ياااااه لَكَأنَّ الأرض قد طليت بماء الذهب!…
وافْتَرَّت ثغورُها عن شجيرات من الحلفا وشيء من عُشب قليل، أدرت بصري في جنباتها فلم أجد سوى بعض جِمالٍ ترعى، وأرهفتُ سمعي فإذا بثغاءِ شياهٍ يأتي من البعيد…
يالهذه الصحراء والبوادي، كم هي حبيبة الى نفس نبينا صلوات الله وسلامه عليه، قد أُرْضِعَ وحَبَى فيها، ومشى عليها، ولعب على أديمها…
عن أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلـم قال:
(ما بعث الله نبياً ألا رعى الغنم، فقال أصحابه وأنت؟ فقال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) رواه البخاري.
وما فتئت الصحارى والبوادي ملجأ وملاذا للصالحين والعباد…
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رجل، أي الناس أفضل يا رسول الله؟ قال: (مؤمن مجاهد بنفسه وماله فى سبيل الله) قال: ثم من؟ قال (رجل معتزل في شِعْبٍ من الشِّعاب يعبد ربه)!
ويقول العلامة بن خلدون في مقدمته تحت عنوان؛ البدو أقدم من الحضر وسابق عليه: (إن البدو هم المقتصرون على الضروري في أحوالهم وعوائهم وأن الحضر هم المعتنون بحاجات الترف في أحوالهم وعوائهم).
ثم يقول: (فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة)!…
ملأتُ قبضةَ يدي من رمالِ الصحراء الصفراء ونثرتها في وجه الرياح،
فتناثرت حبات الرمال بعييييدا إلى جهة الجنوب…
هذه الرمال بلغة الكيمياء هي ثاني أوكسيد السيليكون (SIO2) وهي المادة الخام لصناعة الزجاج وكذلك خلايا الطاقة الشمسية فلعلها تصبح يوما كما البترول يتسابق إليها الناس، فلعل سوداننا يصبح يوما أكبر مصنِّعٍ للخلايا الشمسية إذ هي البديل المتوقع للبترول لما يسببه من تلوث ودمار للأرض مصداقا لقول الحق جل في علاه:
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
فتذكرت مقولة لأستاذي الدكتور كرم الله الذي درست على يديه الكيمياء في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، حيث قال وهو يخاطبنا وفينا العديد من الزملاء من دول عربية عِدّة:
توجد في السودان أنقى أنواع الرمال لصناعة الزجاج البايركس، وكذلك خلايا الطاقة الشمسية، لا تشاركه دولة عربية في ذلك سوى موريتانيا! فانبرى أحد الزملاء السعوديين وقال: لدينا في السعودية صحراء الربع الخالي فكيف هي رمالها؟ أجاب الدكتور: رمال الربع الخالي ذات بلورات دقيقة ومختلطة بالعديد من الأكاسيد الأخرى، أما رمال الصحراء الكبرى فهي ذات بلورات أكبر ونقيه!! فإذا بي تنبري لي في خاطري قيزان الرمال الضخمة في شمالنا الحبيب، ترقد على الرمل فلا يتسخ لك ثوب ولا تشوبه شائبة!
وأذكر جيدا بأن نساء بعض القرى عندما يغسلن الملابس، يجففنها على سوح تلك القيزان بطرحها عليها فتجف دون أن تلتصق بها أو تتسخ!
يتبع ..
adilassoom@gmail.com

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق