البدوي ورفع الدعم.. (جـدليـة البـقــاء)

الخرطوم: رباب علي
ارتفعت نغمة (رفع الدعم عن المحروقات) مجدداً في ظل ازمة اقتصادية خانقة لا يعاني منها السودان فحسب بل العالم اجمع، مع ارهاصات بالاتجاه نحو تعديل موازنة 2020م طبقاً للصرف الفعلي خلال الربع الاول من العام الحالي بعد شد وجذب عقب اجازتها، وذهب بعض المختصين في الشأن الاقتصادي الى انها تلبية لاشتراطات البنك الدولي للحصول على قروض ميسرة ومنح من اصدقاء السودان واعتمادها على ذلك بشكل كلي وتام، فتشكلت سنة مالية صعبة على المواطن قبل ان تبدأ بعد ان ذاق الامرين في موازنة عام 2018م التي حملت ذات المؤشرات، فأثرت حدة الخلاف ما بين وزارة المالية وقوى الحرية والتغيير لجهة رفض الثانية مبدأ رفع الدعم وتحرير سعر الصرف، فالى اين سيؤدي تعديل الموازنة مع الاصرار على رفع الدعم التام؟
الأمر حاسم
وقطع مصدر مطلع بوزارة المالية لـ (الإنتباهة) بأن ما رشح عن رفع الدعم امر حاسم واصبح (قاب قوسين او ادنى) وهو برنامج الوزير والعمل يسير على قدم وساق في ذلك، الا ان رفض قوى الحرية والتغيير وخلافه معهم يقف في طريقه الا انه يتجه لرفعه تماماً وينتظر موافقتهم النهائية، وزاد قائلاً: (حتى ان كان الامر يتطلب ذلك فالتوقيت غير مناسب مع احداث (كورونا)، وحتى دفع تعويضات المدمرة كول غير منطقي والمواطن يعاني في توفير لقمة عيشه)، مؤكداً ان مراجعة الموازنة تشمل بند رفع الدعم بشكل كلي.    واضاف المصدر قائلاً: (اتجاه البدوي لرفع الدعم يرتكز على اشياء طرحها ولن يتنازل عنها، منها ذهاب الدعم للمستحقين وتحسين الرواتب وغيرها).
واستدرك سريعاً: (البدوي حتى الآن يعمل بافكاره المستمدة من الواقع الموجود الا انه لا يعرف مدى تنفيذها، ولم يستفد من خبرات السابقين لانه اتى بفكر البنك الدولي ونظمه، الا ان الدول التي تعمل بروشتة الصندوق لديها (الشعبة) التي تسندها فيما السودان لا يملك ذلك).
خرق للقانون
وفي تعليقه على ما سبق قطع عضو اللجنة الاقتصادية بحزب المؤتمر الشعبي د. احمد آدم سالم بأن إعادة النظر فى اية موازنة بعد إجازتها من قبل الهيئة التشريعية خرق للقانون يوجب المساءلة، إلا إذا ارجعت للهيئة التشريعية التى اجازتها لإعادة النظر فيها، كما ان ذلك يعد فشلاً كبيراً في السياسة المالية التي طرحت فيها ونقطة تحسب ضد الوزير والوزارة.
وهذا يؤكد ذلك أيضاً وكما قلنا من قبل أن هذه الموازنة لا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع لأنها جاءت بأرقام خيالية لا تستند الى الأسس العلمية التى بموجبها يتم تقديم الموازنات.
وبعد أن زاولت الوزارة التطبيق الفعلى للميزانية وجدت أن ما قلناه سابقاً حقيقة ماثلة على أرض الواقع، وأنه من الضرورى إعادة النظر في ما اقترحت من أرقام فى الإيرادات والمصروفات.
فمثلاً فى مجال إيرادات الضرائب رصدت الموازنة مبلغ (159) مليار جنيه فى حين أن جملة إيرادات الضرائب الفعلية فى ميزانية 2019م كانت مائة مليار جنيه.
وهذه الموازنة زادت الإيرادات الضريبية بنسبة 58%، وقلنا حينها إن هذا المبلغ لا يمكن تحصيله إلا إذا قامت الوزارة برفع الضرائب رأسيا أو تم توسيع المظلة الضريبية أفقياً عن طريق إلغاء الإعفاءات الضريبية، كما انها زادت الإيرادات الأخرى وهى التى يتم تحصليها من أرباح الشركات والهيئات والمؤسسات الايرادية بزيادة لا يتصورها العقل، إذ رفعت الموازنة هذا البند من (37) مليار جنيه التى تمثل الاداء الفعلى للميزانية فى 2019م إلى مبلغ (253) مليار جنيه فى 2020م وهو ما لم يتم تحقيقه، وزادت هذه الموازنة المصروفات الكلية من (214) مليار جنيه أداء فعلى فى 2019م إلى (584.4) مليار فى 2020م، وهذا المبلغ يزيد عن المصروفات الكلية للسنوات الثلاث الماضية البالغ قدرها (470) مليار جنيه.
ضعف تنسيق وتجانس
أما اللجان التى كونت لمراجعة أرقام الموازنة وفق الأداء الفعلى خلال الشهور الثلاثة الماضية ـ وفقاً لسالم ـ لم يراع فيها إشراك الخبراء والمختصين من خارج دائرة الحرية والتغيير حتى يسترشدوا بآرائهم، ومعروف أن هنالك خلافاً فكرياً بين الحرية والتغيير ووزارة المالية أدى إلى إيقاف العمل بالميزانية جزئياً حتى الآن، فما هو الجديد والخلاف مازال قائماً؟ ولذلك نقول إن الوصول إلى حل وسط بين هذه الاطراف صعب التحقيق إلا أن يتنازل أحدهما للآخر، ثم أن هذه المسألة أن كان متفقاً عليها كسياسة عامة فلا داعى لتكوين لجان وإنما يحول الأمر للوزارة للاضطلاع بدورها وتقديم التعديلات وفق توجيهات الجهة التشريعية، وإذا أردت أن تقتل موضوعاً ما فكون له لجنة، وهذا يظهر ضعف التنسيق والانسجام بين مكونات الحكومة الانتقالية، وأن الحاضنة السياسية غير راضية عن الأداء فى الملف الاقتصادى عن الحكومة الانتقالية، ولأول مرة نسمع بتدخل الحاضنة السياسية فى العمل التنفيذي، وإنما عليها وضع السياسة العامة فقط ليضطلع الجهاز التنفيذى بدوره، ونتيجة لذلك سيطول الانتظار للعمل بموازنة مالية مجازة، لأننا بعد حسم الخلاف بين هذه المكونات المتصارعة تنتظر الموازنة المؤتمر الاقتصادى ودعم المانحين وأصدقاء السودان، وأخشى أن يطول الانتظار.
مراجعة أرقام
وذكر الخبير الاقتصادي د. صدقي كبلو في حديثه لـ (الإنتباهة) أن الوضع اساساً في حالة ازمة اقتصادية قبل ظهور وباء (كورونا)، وستعقده اكثر بزيادة المنصرفات العامة على الصحة والتعويضات الاجتماعية للمتضررين من حظر التجوال، وهذا يتطلب اعادة النظر في الموازنة العامة التي كان للجنة الاقتصادية لـ (قحت) رأي فيها وفي ارقامها غير الدقيقة، ووفقاً لاتفاق بين المجلس المركزي لرئيس الوزراء ووزير المالية تكونت لجان فنية للنظر في الموازنة واجراء ما يمكن فيها من تعديل وفقاً لما سيحدث من مراجعة الارقام مع الوضع الراهن.
وقال ان وزير المالية يصر على رفع الدعم وتحرير سعر الصرف، فيما الحرية والتغيير تعترض على الاجراءين وترفضهما باعتبار ان وجهة نظره تجعل الحكومة تتخلى تماماً عن دورها في توفير المحروقات وترفع يدها عنها، وبالتالي تأخذ المحروقات بالاسعار التي يحددها القطاع العام وبمؤشرات حكومية او بدونها، والمهم يعكس السعر العالمي في الاستيراد والصرف.
وشدد على ان تظل الحكومة مسؤولة عن الاستيراد وان تحرره من القطاع الخاص الذي له يد في استيراد بعضه، واذا رُفع الدعم ام لا فإن المحروقات هي شريان الاقتصاد وهي مسؤولية الحكومة، وبالتالي فإن تخليها عن الاستيراد وتوزيعه تخلٍ عن مسؤولية وطنية كبيرة.
استسلام للثورة المضادة
ولفت كبلو الى ان ربط سعر الصرف بالمحروقات يعني زيادة متناهية لاسعار الوقود تقود الى ارتفاع تكلفة الانتاج وتجعل الاقتصاد السوداني في عدد من السلع غير منافس، وتحريره في الوقت الراهن فيه استسلام الحكومة للثورة المضادة والرأسمالية الطفيلية التي تسيطر على النقد الاجنبي في السودان وخارجه، والدولة مطالبة اكثر من أي وقت مضى باتخاذ اجراءات للسيطرة على سوق النقد، وهو ضرورة نسبة لمحدودية حصيلتنا من النقد الاجنبي، ويتطلب ذلك توزيعها بعقلانية حسب حاجاتها للاستهلاك والتنمية، وسعر الصرف المطلق لا يؤدي لذلك.
عقوبات رادعة
ودفع في ذات الاثناء بعدة مقترحات للسيطرة على النقد الاجنبي، منها سيطرة الحكومة على سوق النقد، وتحرم الاحتفاظ به بواسطة الافراد، وتطلب توريده للبنوك من الافراد اما بائعاً له او فاتحاً لحساب، مع تحديد فترة معينة لذلك، وبعدها القانون يسري على الجميع بعقوبات رادعة ضد من يحتفظ به بالسجن (5) سنوات ومصادرة النقد الذي يملكه.
صعبة المنال
ويعتقد صدقي ان اصرار وزير المالية على هذين الاجراءين سيجعل التوافق معه صعباً جداً، وان كان يعتقد ان ذلك سيجلب دعماً خارجياً فظروف (كورونا) من المفترض ان تقنعه بأن العالم الآن لا يستطيع ان يقدم دعماً لأي شخص، وان الحكومات تدعم اقتصادها الآن، وكان من المفترض ان يسير في طريق رئيس مجلس الوزراء في محاولة حشد الموارد الداخلية، وان الاساس لبناء نظام ديمقراطي مستقل يرتكز على حل الازمة الاقتصادية، وطريق البدوي لا يؤدي لحلها.
دعم في غير السياق
وكان قد اشار في تصريح سابق الى ان الدعم بشكله الحالي يدعم الاغنياء وبعض الطبقات والفئات الفقيرة في ما يتعلق بالمواصلات ونقل البضائع بين المدن، واقترح ان تمول الحكومة البنزين بشكل حقيقي، خاصة ان الاحصائيات اكدت وجود (4.200) مليون سيارة ملاكي في البلاد، ولا بد أن يتحملوا تكلفة الدعم المقدرة بـ (15) مليار جنيه ليستفيد منها المواطن العادي، مع زيادة رسوم الرخصة والتأمين الاجباري الشامل وغير الشامل.
ولكن هذا ـ حسب كبلو ـ لن يحل المشكلة، مما يتطلب تنظيم المواصلات الداخلية في المدن وتقليل استخدام السيارات، وعندها يحرر سعر البنزين حسب الاسعار العالمية، ووضع عقوبة رادعة للتهريب ما بين السجن والغرامة والحجز للمركبات، ومراقبة الحدود والمطارات بتوفير التكنولوجيا المختصة في ذلك.
عجز متضاعف
ويرى الخبير المصرفي د. لؤي عبد المنعم ان اعادة النظر في الموازنة مطلوبة، لأنها قامت على اسس غير منطقية وعلى حسابات تغيرت باعتمادهم على دعم خارجي لم يأتِ، ورفع الدعم لم يتم التوافق عليه، وينبغي أن يتم ذلك بسرعة لأن استمرار الحكومة بدون موازنة حقيقية كارثة كبرى، لعدم مقدرتها على تمويل الانتاج في الولايات وتوفير السلع فيها في ظل الراهن الآن.
واوضح ان الموازنة بها عجز كبير ومتضاعف غير المعلن عنه، وانها لم تستطع معالجة الاشكالات القديمة بذهاب الدعم للمؤسسة العسكرية والامنية، وعلى الرغم من تخفيضها للنسبة الآن الا ان هناك بنوداً كثيرة اختلفت، وكان وضعها في موازنة 2019م افضل كالمصروفات غير المصنفة والخدمات العامة فكانت نسبها افضل، ويبدو ان هناك بنوداً اخرى غير مفهوم الهدف منها قد تذهب للمؤسسة العسكرية او الامنية.
وقطع لؤي بأن كل المؤشرات تقول إن الجيش هو الداعم للحكومة بتبرعاته ومساعداته، ومازالت الموارد ليست بيد الحكومة، كما أن هناك تراجعاً في التحصيل الضريبي والاستيراد، اضافة لظهور ازمة سيولة يؤكد ان الحكومة تعاني كثيراً.
سقوط الحكومة
وأكد لؤي أن رفع الدعم سيؤدي إلى اسقاط الحكومة مباشرة، وفي ذات الوقت لن تستطيع الاستمرار لانعدام الموارد المالية، وان رفعت الدعم ستواجهها مشكلة توفير السلع الاساسية، خاصة الوقود الذي لم تستطع الحكومة الاستفادة من انخفاض اسعاره الى النصف لعدم توفر المال اللازم.
واكد انه رغم مرور عام على الحكومة الا انها لم تصدر سياسات حقيقية ومشجعة لحشد موارد الدولة، وفشلت في الموسم الزراعي الصيفي والشتوي، وعلى الرغم من ظهور بعض البشريات في الأخير الا ان حصاد القمح واجه مشكلة توفير جوالات الخيش وازمة الوقود لنقله من مناطق الانتاج.
جهات مزعزعة
واشار لؤي الى ان الاصرار على رفع الدعم موجود، وقال: (نحن ندعم اتجاه هيكلته لتحويله الى نقدي وهو غير متوفر لدى الحكومة التي تسعى لرفعه دون أية تكاليف تقع على كاهلها وهو ما يزيد الطين بلة، ولن يؤدي الى نتيجة لأن المشكلة تكمن في عدم المقدرة على جمع الضرائب وتفعيل وعائها وتشجيع الانتاج بشكل سليم، وحتى عندما توجهت لذلك وجدت معارضة، كما حدث في الاستحواذ على القمح وتبعاته، وهذا يؤكد وجود جهة خارجية تعمل على زعزعة البلاد).
خلافات حادة
وكانت قد ارتفعت وتيرة الخلافات حول رفع الدعم عن البنزين والجازولين والكهرباء بين قوى الحرية والتغيير ووزير المالية إبراهيم البدوي، وأوضحت مصادر مطلعة بحسب صحيفة (صوت الأمة) أن البدوي أعلن في اجتماع عقد اخيراً بين رئيس الوزراء والوزير ولجنة الخبراء بالتغيير، حاجة الوزارة لتوفير (200) بليون جنيه، بالمقابل ذكرت المصادر أن الطرفين تمسكا برأيهما. ومن جانبه قال القيادي بالتغيير وعضو لجنة الخبراء الاقتصاديين عادل خلف الله، ان وزير المالية تمسك باطروحاته المقدمة نهاية ديسمبر الماضي وطلبه رفع الدعم عن البنزين والجازولين والكهرباء فوراً، من أجل الصرف بشكل اكبر على قطاع الصحة بمعدل (30) مليون جنيه، ووضع مبلغ (25) مليون جنيه احتياطياً لمقابلة التطورات، إضافة إلى توفير (80) مليون جنيه حال تنفيذ الإغلاق الشامل، وتأمين (45) مليون جنيه لمحدودي الدخل وبائعات الشاي. وأكدت المصادر أن الجدل محتدم بشأن السيطرة على سعر الصرف وسط انعدام أية رؤية أو سياسات.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق