السودان: تفاصيل خطيرة عن (شائعات) إيجار ميناء بورتسودان

تقرير: هنادي النور
أثار خبر إيجار ميناء بورتسودان لشركة مواني دبي العالمية جدلا واسعا. وهذا الخبر تم نفيه من قبل مجلس الوزراء. وقال مدير عام الموانئ البحرية كابتن أونور محمد آدم أن النشر الكاذب لخبر يتحدث عن شراء الميناء كان القصد منه ضجة سياسية مؤكدا أن الدولة العميقة تقف وراء ذلك لأنها تريد إحداث بلبلة داخل البلاد.
وقال أونور ان ميناء بورتسودان يطل على الساحل الجنوبي للبحر الأحمر بمساحة ٧٥٠ كيلو وبه ٦ موانئ متخصصة منها ميناء هيدوب لصادر الماشية وميناء عثمان دقنة للركاب وعدد ٢ من الموانئ لصادر البترول وهي بشائر لخام البترول وميناء الخير للمنتجات البترولية البنزين والديزل أما الميناء الجنوبي فهو مخصص لصادر ووارد الحاويات. والميناء الشمالي مخصص للبضائع العامة موضحا أنه خلال هذه الفترة قلت البضائع العالمية وأصبحت تخصصية وذلك بسبب جائحة كرونا. وهنالك الميناء الأخضر للسكر والسماد والقمح ويتم فيه التعبئة على الرصيف. واكد أونور على أهمية ميناء بورتسودان اقتصاديا لاعتماد الحركة التجارية عليه، وكلما زادت يرتفع الانتعاش التجاري بالسودان والدول المجاورة. وأشار إلي أن دخل الميناء في ظل الانتعاش التجاري لا يقل عن ٣٠ مليون يورو في الشهر.
مؤكدا أهميته الاستراتجية وانه يقع مقابل المنطقة الحدودية مع السعودية بحوالي ١٥٠ كيلو للحدود.
وايضا البحر الأحمر للدول المغلقة والتي تعتمد على ميناء بورتسودان في حركة الصادر والوارد. ويعمل بالميناء أكثر من ١٣ ألف عامل وشركات أخرى ملاحية وتوكيلات جمركية.
من جانبه قال الإعلامي عبدالقادر باكاش ان شركة موانئ دبي العالمية في كل دول العالم تعمل على إدخال بيوت خبرة عالمية لتسيير الأداء في موانيها البحرية والسودان ليس بمعزل عن هذه السياسة وتم إدخال شركات مستثمرة مع دولة الصين منذ مطلع الخميسنيات وتم عبرها إنشاء مواني وأرصفة في هيئة الموانئ البحرية السودانية وتم انتهاج سياسة التخصصية في الميناء بفضل وجود الشراكة الصينية السودانية وتم إنشاء ميناء حيدوب لصادر الثروة الحيوانية والسمكية وبنسبة ٤٩% للصين و٥١ للسودان وانشئ الميناء بأحدث طراز كما تمت توسعة جميع الأرصفة بأيدي وخبرة صينية.
اما بخصوص ميناء حاويات بورتسودان فإنه تم انشاؤه في الميناء الجنوبي بورتسودان كمحطة متخصصة لمناولة الحاويات عام ١٩٨١ وتدرجت الدولة في توسعتها افقيا ورأسيا وآخرها تمت توسعة صالة المحطة الجنوبية بإضافة ٦ أرصفة جديده و٤ كرينات جسرية و٤ كرينات مطاطية وتم ذلك منذ عام ٢٠١١م مما جعل المناولة في الميناء تقفز الى أرقام قياسية حيث تناول محطة الحاويات ببورتسودان في متواسطها ٥٠٠ الف حاوية سنويا. واعتبر باكاش الرقم ضئيلا مقارنة بمعدل المناولة في الموانئ الرديفة أو المنافسة لميناء بورتسودان غير البحر الأحمر مما يتطلب من الدولة العمل بجدية لتطوير المناولة لميناء بورتسودان ليكون منافسا لموانئ الإقليم ويحقق التنمية الاقتصادية المرجوه للدولة حيث ان معدل المناولة حاليا ١٥ حاوية في الساعة وهذا رقم ضئيل مقارنة مع الاستاندر العالمي بمعدل ٤٠ حاوية في الساعة.
وأشار إلى تأخير البواخر في الأرصفة وأنها تأخذ زمنا طويلا في فترات بقاء السفن لدخول الرصيف وذلك بسبب تعقيد الإجراءات للدخول والتخلص من عمليات التشغيل وضآلة آليات ومعدات تفريغ الحاويات الأمر الذي يتطلب من الحكومة السودانية الاستعجال للبحث عن حلول عامة لتحسين الأداء بميناء الحاويات.
وقال باكاش أنه بالنسبة لشركة موانئ دبي العالمية فإنها أثبتت من خلال تجربتها في دول حول البحر الأحمر في ميناء جيبوتي والصومال واليمن اثبتت فشلا ذريعا وخرجت من تلك الدول بأحكام قضائية ولذلك لا تعتبر الشريك الأنسب لأنها تعمل لأغراض سياسية أكثر من كونها اقتصادية لها وللدولة المضيفة.
وأضاف أن السودان يحتاج للدخول في شراكة مع شركات دولية جادة وراغبة ذات إمكانيات مادية وبشرية خاصة في ميناء الحاويات. مبينا أن كثير من الموانئ في دول إفريقية لديها شراكات عالمية تدير وتشغل الموانئ بنسب مختلفة تحقق عائدا اقتصاديا أكبر وللدولة كما تحقق اهدافها في خدمة التجارة الدولية ومواكبة متغيرات صناعة التشغيل البحري.

من جانبه قال الخبير المصرفي د. لؤي عبد المنعم في البدء اود ان اسلط الضوء على طبيعة ميناء بورتسودان قبل تقسيمه والذي افتتح في العام 1905 في وسط ساحل يبلغ طوله أكثر من 800 كيلو متر وتبلغ السعة التي يضمها (1.3) مليون حاوية سنويا (و يستقبل حاليا ما يقارب 400 الف حاوية و تسعى هيئة الموانئ السودانية إلى زيادتها إلى 500 الف كحد أدنى و مليون حاوية عقب إعادة تأهيل الميناء الجنوبي) و يعتبر المنفذ البحرى لعدد (6) دول افريقية على رأسها اثيوبيا وتشاد وافريقيا الوسطي وأوغندا وجنوب السودان والكنغو، غير أن السودان لم يستفد حتى الآن من هذه الميزة التفضيلية. وكان من المقرر أن تستحوذ اثيوبيا على حصة من ميناء بورتسودان و تشارك في تطويره مع الحكومة السودانية في إطار شراكة استراتيجية بين البلدين بناء على اتفاق سابق في مايو 2018 لم ينفذ حتى الآن ، برغم استمرار انسياب واردات محدودة الى اثيوبية معظمها اسمدة عبر ميناء بورتسودان منذ يناير 2015 (آخرها ثلاث بواخر تحمل 160 إلف طن سماد في شهر مارس المنصرم) بعد زيارة رئيس الوزراء حمدوك الى إثيوبيا في سعيه لتبديد الشكوك الاثيوبية تجاه ثبات موقف السودان السابق إزاء سد النهضة و محاولة مندوب السودان في الجامعة العربية تأكيد ذلك و العودة بالعلاقات الى طبيعتها عبر تحفظ السودان على قرار جامعة الدول العربية بشأن سد النهضة في 5 مارس 2020 و الذي وجد ترحاب من إثيوبيا وقتها.

وأضاف لؤي أن هيئة الموانئ البحرية السودانية تديرها حاليا عدد (5) موانئ أكبرها الميناء الجنوبي المتخصص في استقبال الحاويات ويضم صومعة لتخزين الغلال تبلغ سعتها 50 ألف طن (يمكن توظيفها في عملية إعادة تصدير القمح بعد طحنه لتوفير عملة صعبة) ويليه من حيث عدد السفن والحاويات الميناء الشمالي وهو مخصص لاستقبال شحنات الحبوب والمركبات ثم الميناء الأخضر المخصص للبضائع و الآليات الثقيلة ونقل الركاب ثم ميناء الخير المخصص لاستقبال ناقلات النفط و مشتقاته وهو ميناء نشط جدا شهد تفريغ حمولة (9) ناقلات خلال اسبوع واحد في شهر فبراير 2020 شملت (جازولين وبنزين وفيرنست وغاز الطبخ) ثم ميناء عثمان دقنة (سواكن) المخصص للبضائع خاصة الماشية و اللحوم المجمدة وسفن نقل الركاب المتجهة إلى ميناء جدة بالمملكة العربية السعودية. واضاف لؤي أن الموانئ الخمسة لم تنجح مؤخرا في الوصول إلى الطاقة التشغيلية القصوى والتي تتجاوز (12) مليون طن. وقال لؤي: بالنسبة لجهود إعادة تأهيل الميناء الجنوبي تشير آخر تقارير هيئة الموانئ البحرية ان الميناء الجنوبي (الخاص بالحاويات) يشهد تحسنا ملحوظا في حركة المناولة واجراءات التخليص تقلص بموجبها عدد البواخر في وضع الانتظار ومن جهة أخرى تعمل بمحطة الحاويات عدد (6) كرينات جسرية من جملة (8) كرين جسري  كما تعمل عدد (16) رافعة مطاطية بكفاءة عالية من جملة (23) رافعة مطاطية وجاري العمل في تأهيل البقية. ويواصل لؤي في إفاداته ويقول: في ظل الحصار الاقتصادي الذي فرض على السودان لعقدين من الزمان والذي لا تزال آثاره قائمة بسبب بقاء السودان في القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب وتأثير ذلك على مجمل الأوضاع الاقتصادية التي أخذت في التدهور تدريجيا ونتج عنها إهمال وسوء إدارة للموانئ التي يفترض أن تساهم بشكل كبير في زيادة الايرادات بالموازنة العامة عما هي عليه في حدود (3 %) من الموازنة قبل تخفيض حجم الواردات مؤخرا (وقف استيراد المركبات) بعد الثورة للحد من ارتفاع الدولار. ونسبة إلى هذا التراجع في الأداء سابقا وحاليا شهدت هذه الموانئ الخمسة سباقا محموما لادارتها بدء من الصين منذ العام 2016 في إطار تعزيز الشراكة بين البلدين اسهمت بموجبه الصين فى تنفيذ عدد من المشروعات لتحديث موانئ بورتسودان ورفع قدراتها مثل تعميق المرابط وزيادة الأرصفة وتحديث معدات المناولة وإدخال الكمبيوتر في عمليات الإجراءات والتخليص. ثم شركة موانئ دبي التي لم تتوصل لاتفاق حتى الآن حول تأجير كل أو بعض موانئ بورتسودان مع الحكومة السودانية سواء السابقة أو بعد الثورة وتلتها محاولة قطرية لتطوير ميناء سواكن ليستقبل الحاويات بتكلفة قدرت بنحو أربعة مليارات دولار و لم تنجح هي الاخرى بسبب اتفاق سبقه بفترة قصيرة مع شركة فلبينية تتخذ من المنطقة الحرة في دبي مقرا لها نجحت في توقيع عقد لإدارة الميناء الجنوبي الأكبر بين الموانئ السودانية من بين 5 شركات تقدمت للعطاء منها ثلاث شركات مقرها في دبي (من بينها شركة موانئ دبي و اخرى سعودية) اعتبره مراقبون وقتها يعزز السيطرة ويفتقد للمشاركة الحقيقية و يحتكر إدارة الحاويات في الموانئ السودانية حصريا مما حال دون الاتفاق مع الشركة القطرية برغم أن الشركة الفلبينية كان لها سابق تجربة غير مشجعة في ذات الميناء الجنوبي في العام 2013م مما حدا بالمجلس العسكري في 22 ابريل 2019 عقب تغيير النظام السابق لاصدار قرارا بتعليق عقد الشركة الفلبينية العاملة في الميناء الجنوبي إلى حين استكمال الإجراءات القانونية اللازمة لإلغاء العقد و هو ما تم بالفعل.
وكانت الحكومة السابقة قد أجرت الميناء الجنوبي للشركة الفلبينية لمدة عشرين سنة مقابل (530) مليون يورو دفع منها (410) ملايين على أن يدفع الباقي بالأقساط، إلى جانب دفع مليون يورو أجرة شهرية تزيد مستقبلا إلى (1.5) مليون. اما المنافس الأخير تركيا التي اختارت أن تؤسس ميناء جديد في جزيرة سواكن عوضا عن تأجير ميناء عثمان دقنة (سواكن) وقد وقع البلدان اتفاق إبان زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للسودان عام 2017 وهي الزيارة التي أثارت مخرجاتها حفيظة واعتراض كل من مصر والمملكة والامارات مجتمعين مما حال دون تنفيذ الاتفاق عمليا، وبحسب الاتفاق، وافق السودان على تطوير تركيا لجزيرة سواكن التي تعتبر معلم تاريخي، لكي تصبح مقصداً سياحياً ومحطة للحجاج في طريقهم إلى ميناء جدة بالمملكة السعودية، وتم الاتفاق حينها على بناء مرسى لاستخدام السفن المدنية والعسكرية و ما يزال الأمر خاضع للمراجعة و محل شد و جذب من الأطراف المعنية .
وقال لؤي: فيما يتعلق بشركة موانئ دبي يبدو ان السودان كان ولا يزال يعول على دور إماراتي في الضغط على الولايات المتحدة إلى جانب جهود المملكة العربية السعودية لرفع اسم السودان من الدول الراعية للارهاب وفي هذا الاطار جرت مباحثات حول ادارة الشركة لميناء بورتسودان دون التوصل لاتفاق نهائي حول وضع عمال الميناء، ونفي ذلك من السلطات الرسمية لا معنى له، ولا يوجد ما يمنع الطرفان من التوصل إلى شراكة حقيقية تساهم في نهضة السودان اذا قوى السودان من موقفه التفاوضي الضعيف والموروث متجاوزا للضغوط الاقتصادية التي يمر بها و الا اعتبر ذلك حلقة جديدة في مسلسل التنازل عن السيادة الوطنية. وتجدر الإشارة إلى تصويت أعضاء الكونغرس الجمهوريين والديمقراطيين معا ضد إعلان صفقة استحواذ موانئ دبي على ستة موانئ أميركية في السابق لأسباب ذكر أنها تتعلق بالسيادة الوطنية. وأضاف لؤي: اما بالنسبة لمؤشرات أداء النشاط التجاري بموانئ بورتسودان الأربعة (الشمالي والجنوبي والأخضر و الخير) حسب تقارير هيئة الموانئ فقد استقبلت عدد (594) سفینة في العام 2018 مقابل (638) سفینة خلال العام 2017 بنسبة نقصان (6.9 %) مثلت بواخر الحاویات منھا
نسبة (35 % ) وسفن البضائع العامة (18 %) و بواخر الصب الجاف بنسبة ( 14 %) و سفن البترول بنسبة
(12 %) وسفن الصب السائل (9 %) وحاملات العربات بنسبة (7 %) .
كما بلغت جملة الطن المتداول خلال العام 2018 حوالي ( 12.4) مليون طن مقابل
(12.1) مليون طن بنسبة زیادة بلغت (2.1 %) مقارنة بالعام 2017.
یمثل الطن الوارد نسبة (82.9 %) والطن الصادر نسبة (17.1 %) من جملة الطن المتداول. و قد بلغت جملة السفن التي وصلت ميناء عثمان دقنة (سواكن) في العام 2018 حوالي (754) سفينة منها (42 %) سفن مواشي ليكون اجمالي عدد السفن في الموانئ الخمسة حوالي (1348) سفينة بين ركاب و بضائع و مواشي و ناقلات بترول و حاملات عربات . و قد بلغت جملة الحاويات التي تم انزالها في الموانئ عدد (452,397) حاوية معظمها في الميناء الجنوبي بنسبة(99.8 %)، كما وصلت حوالي (6896) عربة كلها عن طريق الميناء الشمالي.

ووفقا لآخر تقرير سنوي مجمع صادر من بنك السودان فإن الضرائب على التجارة و المعاملات الدولية (تضم إيرادات الجمارك و ايرادات خدمات الموانئ) تشكل حوالي (14 %) من اجمالي الايرادات و المنح في الموازنة العامة بواقع (17,362) مليون جنيه في العام 2018 و التي كانت تعادل وقتها حوالي (333.8) مليون دولار ( بحساب سعر صرف52 جنيه للدولار في 31 ديسمبر 2018) و يمكن اعتبار ذلك مؤشر لقياس الأداء في أسوء أحواله عند اتخاذ قرار بالشراكة مع مستثمر اجنبي في إدارة الموانئ. و بالرغم من تبعية هيئة الموانئ البحرية لوزارة البنية التحتية و النقل خلاف هيئة الجمارك التي تتبع لمدير عام الشرطة لا تزال المعلومات حول الايرادات في كلا المرفقين غير متاحة بشفافية .

من خلال ما تقدم لا تزال الموانئ السودانية تدار من قبل الحكومة و هي تحتاج إلى استثمارات ضخمة و خبرة دولية لتطويرها كي تزداد إيراداتها التي يمكن أن تتجاوز إيرادات الذهب (الذي بدا ينضب في بعض مناطق الانتاج) و هو أمر من شأنه أن يعرض السودان للابتزاز في ظل الازمة الاقتصادية و السياسية الراهنة التي يواجهها ما لم يتم توحيد الجبهة الداخلية عبر المصالحة الوطنية التي تعزز الشفافية و المؤسسية و استقلال القرار.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق