السودان: صديق رمضان يكتب: الوزير والمدير والنهاية

* يؤكد منطق الأشياء إن الخلافات جزء من تفاصيل الحياة، وكذلك التدافع بين البشر من السنن الكونية، لذا فإن حدوثهما ليس بالظواهر الغريبة التي تستدعي رفع حاجب الدهشة، بيد أن المحك الحقيقي الذي يظهر معدن الخصماء وخصائص الفرقاء قدرتهم علي إدارة الخلاف بنهج فكري رفيع يسهم في استفادة كل الأطراف من التباين وصولا إلي نقطة الالتقاء دون ترك ترسبات في النفوس.
* وعلينا أن نعترف بكل شجاعة اننا معشر السودانيون لانجيد إدارة الصراعات والخلافات.. دائما ما نلجأ الي سياسة الاجهاز علي الخصم بشتي الوسائل، ولانتورع من استعمال كافة الأساليب حتي لو لم تكن شريفة، وفوق ذلك فإننا نكابر ونفجر الي أقصي مدي في الخصومة، ويريد المرء منا أن ينتصر حتي لو كان علي خطأ.
* لذا فإن خلافاتنا تتشعب وتتعقد وتتشابك الي درجة يصعب معها إيجاد حلول لها، وإذا عدنا وتمعنا في سبب اي مشكلة نجده لايرق الي مستوي العتاب العادي ولايمكن بأي حال ان يقود الي خلاف يصعب احتوائه، وفي تقديري أن التركيبة النفسية للإنسان السوداني ورغم سماحتها الا انها تشكو تناقضا غريبا يصعب تفسيره، فنحن شعب كريم الصفات وعظيم الموروثات بيد اننا في خلافاتنا نركل كل هذه المعاني الجميلة ونخوض صراعاتنا بشراسة تخلو من القيم التي تميزنا.
* ورغم كل ذلك إلا أن ثمة اشراقات تؤكد بأنه يوجد من يتمسك بالصفات النبيلة تحت كل الظروف، وأمثال هؤلاء حتي لو اقحمتهم الظروف في خلاف فإنهم يتركون الباب مواربا ولايحرقوا اشرعة التواصل مع الطرف الآخر، وهذا يجعلهم أكثر قابلية للتصافي والتجاوز والنظر الي الامام وترك الماضي بكل تفاصيله وراء ظهورهم بقلوب صافية وانفس نقية.
* وإذا اتخذنا خلاف وزير البني التحتية والنقل المهندس هاشم طاهر ومدير الموانئ الكابتن أونور مثالا نجد أنهما ورغم سوء الفهم بينهما الذي قاد الي توتر علاقتهما وأحدث فيها شرخا، الا أنهما التزما الصمت ولم يشأ أحدهما أن يوجه نحو الآخر مايقلل منه، نعم أنصار كل واحد منهما سعوا الي نصرة من يعتقدوا انه علي حق، الا ان هذا لم يفسد علاقة الود بينهما.
* وحينما طرح عدد من الأفاضل والكرماء مبادرة التقريب بينهما وأبرزهم الرمز عبدالله موسي فإن الطرفان اظهرا روحا طيبة كشفت عن أصالة معدنهما وفهمها المتقدم وتعاملهما المسؤول.. لم يفجرا في الخصومة برفضهما لمبادرة الصلح، ولم تأخذها العزة بالاثم، بل تجاوبا بكل اريحية وطيب خاطر وهذا يؤكد علي أنهما علي درجة عالية من الإدراك بضرر هذا الخلاف عليهما اولا وعلي الشرق والثورة والبلاد.
* بحمد الله انقشعت سحب الأزمة وتبدد خلافهما الذي بات صفحة من الماضي، وبكل تأكيد فقد قدما درسا مفيدا في كيفية التسامي فوق الصغائر، وهكذا هم الرجال يقاتلون بشرف ويتصالحون بأدب، ونتمني أن يكونا قد استفادا مما حدث من أجل فائدة البلاد والعباد.
* ونحن نستظل بنفحات هذا الشهر الكريم نتمني أن تعود المياه لمجاريها بين الزعيم ترك والشيخ سليمان بيتاي فكلاهما تحتاجهما البلاد والشرق في هذا التوقيت الحرج وفي تقديري أن مايجمع بينهما أكبر مما يفرقهما، ونتمني أن يتحرك الحكماء لتقريب شقة الخلاف بينهما، ونتمني حدوث هذا الأمر ببورتسودان بين النوبة والبني عامر وان يتم طي صفحة الخلاف الذي تزامن مع زيارة الامين داؤود لبورتسودان، وكذلك نعشم في تحرك للصلح بين الهوسا واللحويين، وأن يطال العفو متهمي ضحايا قضية سالمين.
* لابد أن يكون للمجتمع بالشرق دور في إغلاق الكثير من ملفات الخلافات، نعم للكثيرون جهود مقدرة في هذا الصدد ولكن كلما كان الهم عاما ومشتركا فإن الوصول للمقاصد يأت سريعا وسعيدا.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى