حكومة الصدمة..قبــل الدخــول فـي الإنـعــاش

أبو عبيدة عبد الله

أبو عبيدة عبد الله
حكومة الصدمة كما سماها الكثيرون بناءً على حديث رئيس الوزراء معتز موسى في اول خطاب له مع العاملين بمجلس الوزراء بمسجد المجلس، والذي قال فيه انه سينتهج اسلوب الصدمة في المرحلة الحالية، وهذه الحكومة اكتمل عقدها مساء امس الاول بعد مشاورات داخل المؤتمر الوطني ومع القوى السياسية التي افرزت حكومة تباين الشارع حول امكانية تجاوزها التحديات القائمة خلال (400) يوم التي حددها معتز لإنفاذ برنامجه.
(1)
برنامج الصدمة الذي انتهجه معتز موسى لم يبدأ بمسجد مجلس الوزراء، ولكن كانت خيوطه تتشابك وتتقاطع من تحت كثير من المسؤولين، الذين لم يفطنوا لحديث الرئيس عمر البشير في خطابه الذي القاه بمناسبة عيد الاضحى، والذي اشار فيه بوضوح الى ضرورة اعادة الهيكلة للحكومة في كافة المستويات، صحيح انها ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها البشير عن الهيكلة، ولكنها كانت هذه المرة الأكثر جدية، بل واكاد احزم بأن الرئيس حينما القي خطابه في عيد الأضحى كان قد شرع فعلياً في اعادة الهيكلة. وبدا هذا واضحاً من خلال سرعة خطوات الحل والتعيين التي تمت للوزراء.
فالمكتب القيادي للمؤتمر الوطني تعودنا على ان ينعقد طوال السنوات الماضية في مثل هكذا حالات عقب صلاة العشاء ولا ينتهي من عمليات الجرح والتعديل ــ كما يسمونها ــ الا في الساعات الاولى من فجر اليوم الثاني، واحيانا لا ينتهي ويتواصل الانعقاد في اليوم الثاني.
 (2)
هناك أسباب موضوعية ادت للخطوة التي اتخذها الرئيس، وهي الفشل الذي منيت به الحكومة السابقة خاصة في الملف الاقتصادي، فتصاعد سعر الدولار حتى لامس خمسين جنيهاً، وحدثت ازمات وندرة لم تشهدها البلاد في الثلاثين عاماً السابقة في الخبز والوقود وانفلتت الاسعار وتصاعدت، كل ذلك دون ادنى شعور بمعالجة الوضع، فالطاقم الاقتصادي خاصة وزير المالية الفريق الركابي كان يتعامل مع الوزارة كأنها خزانة للنقود، لا خطط ولا سياسات، وهنا اتذكر رد النائب الاول للرئيس في المؤتمر الصحفي الذي اعلن فيه الحكومة السابقة، حينما سأله الاستاذ ضياء الدين بلال رئيس تحرير صحيفة (السوداني) عن اسباب تعيين عسكري لوزارة المالية، فجاء رد بكري: (انتو قايلين العساكر ما بعرفو اقتصاد؟) فكانت المحصلة النهائية ان خرج الركابي وفي سيرته الذاتية انه تقلد وزارة المالية لعدة اشهر، دون ان يترك بصمة في الاقتصاد او وزارة المالية.
لم تقدم الحكومة السابقة ما يشفع لها، لأنها في الأصل جاءت لترضية احزاب الحوار الوطني التي معظمها شارك في الحوار بعد ان فشل في العيش خارج جلباب الحكومة ولم تقنعه المعارضة ببرامجها، فقدم المشاركون شخصيات لم تكن مؤهلة لادارة اي شأن عام، فكانت النتيجة الكارثية التي جعلت الرئيس يتدخل لانقاذ ما يمكن إنقاذه.
(3)
حكومة الصدمة الحالية ايضاً لم تخل من المجاملات، ومن ذات الشخوص الذين ظلوا يترددون كل اداء قسم ليضعوا ايديهم على المصحف ويحلفون امام الرئيس بأن يؤدوا الامانة والتكليف، في الوقت الذي تتململ فيه قواعدهم وترسل إشارات مفادها ضرورة الهبوط الناعم، ولكن من على كبينة القيادة يتفادى استقبال تلك الاشارة، وان استقبلها يعلبها ويدخلها في المؤتمر العام الذي لم يعرف له مكان ولا زمان.
ومن الملاحظات ايضاً تبديل بعض الوزراء الذين يحسب انهم حققوا نجاحات في ادارة ملفاتهم، امثال سمية ابو كشوة التي قادت وزارة التعليم العالي باقتدار، لتتبادل مع مشاعر الدولب في الضمان الاجتماعي التي هي أيضاً قدمت أنموذجاً مشرفاً في وزارة الضمان الاجتماعي، فكان الاولى الابقاء على النجاحات وتعضيدها، والتخلص من النماذج التي لم تقدم ما يشفع لها.
 (4)
الملاحظة الأبرز بل والمفاجأة كانت اختيار الدكتور والخبير الاقتصادي عبد الله حمدوك لمنصب وزير المالية، ومعروف ان منصب وزير المالية ظل ومنذ بداية الانقاذ من المناصب التي لم يفرط او يجامل او يحاصص فيها المؤتمر الوطني مثل وزارة الدفاع .
وقد صارعت الحركة الشعبية كثيراً المؤتمر الوطني لتولي المنصب ولو بالتناوب الا ان الوطني تمسك واستعصم بالمالية، وان قنطت الحركة الشعبية وانفصل الجنوب، ومر على المنصب عدد من الخبراء منهم من عبر ومنهم من سقط، لكن ظلت المالية حكراً وحصراً على منسوبي الحزب الحاكم.
واختيار حمدوك جاء بعد ان (انكسر المرق واتشتت الرصاص)، ورغم كل ذلك بعد ان تم اختياره وتفرقت سيرة الرجل وخبرته في مجال الادارة والاقتصاد، ساد شعور بالارتياح وسط الكثيرين بأن الرجل يمكن ان يعبر بالاقتصاد الى الشواطئ الآمنة، رغم العواصف العاتية التي تهدده.
وكل القوي السياسية بالداخل والخارج معارضة او موالية اثنت على الرجل وخبرته، مما يدل على ان الاختيار كان موفقاً، لكن تلك الفرحة لم تكتمل بعد ان تسرب ان حمدوك اعتذر عن تولي المنصب، واعتذار حمدوك اول من تحدث به هم اهل اليسار في وسائط التواصل الاجتماعي، مما يعني انه اقرب لليسار، رغم عدم انتمائه لاي حزب يساري او غيره، اي يعد من التكنوقراط، وهذه محمدة تحسب للمؤتمر الوطني انه يقبل أية كفاءة في اي من المناصب حتي وان كانت المالية.
اعتذار حمدوك اكد كذلك ان المؤتمر الوطني يعتقد أن كل من يتم تعيينه وتتم اذاعته رسمياً يهلل ويكبر ويلبس جلبابه الابيض ويضع شاله على كتفه لينتظر المهنئين له، ويتحدث لهم بأنه لم يسمع بخبر تعيينه الا من زوجته او ابنه اللذين كانا يتابعان التلفاز ليلاً، فضل الريموت طريقه الى احدى القنوات السودانية التي كانت تنقل التشكيل الوزاري.
وامثال حمدوك وغيره ليسوا من الذين يفرحون بالتوزير، بل ولم يتعظ الوطني وكرر ذات الخطأ الذي وقع فيه من قبل حينما عين وزيراً للعدل دون استشارته في الحكومة السابقة وسرعان ما اعتذر، وكان يجب على معتز ان كان تم اختيار حمدوك من قبله او غيره، ان يتواصل مع الرجل ويتحدث اليه، وان اراد ان يجلس معه، لأن امثاله ــ حمدوك ــ لا يأتون لطق الحنك والمشروعات الوهمية، فأمثاله يحتاجون لضمانات بالا تتم اعاقة خططهم واستراتيجياتهم من اية جهة، كما حدث من قبل من اتهامات بين النفط والمالية وبنك السودان حول توفير التمويل للوقود والدقيق.
واعتقد ان حمدوك اعتذر بسبب الطريقة التي تم اختياره بها، وليس لاي موقف سياسي، مما يعني إن تم الجلوس معه ربما يوافق بعد ان يطمئن إلى انفاذ ما يريده دون اية تقاطعات او خطوط حمراء وثوابت.
 (5)
والتعديل الذي لم يكن يتوقعه أحد هو تعيين الفريق اول هاشم عثمان الحسين مدير الشرطة والياً للخرطوم خلفاً للفريق اول عبد الرحيم محمد حسين.
وكلا الرجلين مقربان من الرئيس البشير، فعبد الرحيم منذ بداية الانقاذ كان الساعد الايمن للرئيس، ولم يفارق التوزير الا فترة استقالته الشهيرة، بسبب انهيار جزء من مبنى جامعة الرباط ابان توليه وزارة الداخلية.
اما هاشم فكان ملازماً للرئيس ابان توليه منصب مدير مكتبه في القصر الجمهوري، وبعدها تم تعيينه مديراً للشرطة، وهو اول مدير شرطة يقضي تلك الفترة التى قضاها، كما هو أول مدير شرطة ينال وسامين من رئاسة الجمهورية.
ومسؤولية هاشم لن تكون سهلة، باعتبار ان الخرطوم تعاني كثيراً من المشكلات خاصة البيئية والخدمية، فضلاً عن انتشار جرائم الخطف والنهب والسرقات، مما يتطلب منه عدم خلع بزته الشرطية في أداء مهامه.
 (6)
وافتقدت الحكومة الحالية اثنين من أبرز وانشط الشباب في الحكومة السابقة، عبده داؤود وزير الدولة بالصناعة عن المؤتمر الوطني، وابراهيم الميرغني وزير الدولة بالاتصالات، وهما من الوزراء النشطين الذين تركوا بصمة واضحة كل في مجاله .
صحيح أن الظروف الحالية جعلتهما خارج الحكومة لكن يمكن الاستفادة منهما في اي موقع آخر، فعبده داؤود يمكن ان يعمل في المجال المصرفي ولديه خبرة ودراية بالتمويل الأصغر اشادت بها المنظمات الاقليمية والدولية، وطبقها حينما كان وزيراً للمالية بشمال دارفور.
 (7)
بعد كل ذلك السرد يتوجب على الحكومة قبل عام 2020م ان يكون المواطن احدى اولوياتها، وتخفيض الانفاق الحكومي يجب أن يكون عائده ملموساً في الخدمات وتحسين مستوى المعيشة، وإن تحقق ذلك فسيكون الطريق ممهداً للحكم خمس سنوات قادمات، وإن سار الوضع كما عليه فلتبحث حكومة الصدمة عن غرف للإنعاش.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق