السودان: الإمام الصادق المهدي يكتب: شروط استدامة الديمقراطية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الصادق المهدي

12 مايو 2020م

صدر كتابي الديمقراطية راجحة وعائدة في 1990م، وكان رداً مطولاً على لجنة انتدبها الانقلاب التهديدي في 2 أكتوبر 1989م أن أسجل لهم أن الديمقراطية فشلت فيطلق سراحي، أو إذا رفضت أحاكم وأصفى ميدانياً، وأحضروا آلات التسجيل والتصوير. قلت لهم الديمقراطية لم تفشل بل أجهضت، ونظامكم هو الذي سوف يفشل فشلاً مدوياً. احتاروا فيما يفعلون، وقرروا حبسي انفرادياً واستمرار التهديد برسالة من وزير الداخلية أن وسائل تعذيبهم لا تقاوم، ولكنني أفلحت في صباح اليوم التالي أن أنشر في وسائل الإعلام العالمية كل أحداث التهديد فأعادوني للحبس الجماعي بكوبر بل فشل التهديد.

وفي كوبر ألفت كتاب “الديمقراطية في السودان راجحة وعائدة”، وسربناه ليطبع في الخارج، وقد كان. خلاصة الكتاب مرافعة مخصصة عن الديمقراطية الثالثة شملت تقييماً نقدياً لأوجه الأداء السياسي والنقابي والعسكري والاقتصادي والقضايا القومية والمشاركات الدولية ومسألتي قوانين سبتمبر والسلام، ووصلت إلى أنها كانت تجربة ناجحة رغم العثرات. وذكرت في النهاية أن النظم الديمقراطية الثلاثة متصاعدة إلى الأفضل والنظم الديكتاتورية الثلاثة انحدرت للأسفل، وبناء على حجج محددة قلت في الكتاب إن نظام انقلاب يونيو سوف يفشل حتماً. مقولات برهنتها في كتابات لاحقة أهمها ورقة “الديمقراطية المستدامة” الصادرة عام 1997م، وقد اتخذت لتبيان حجتي أربعة مقاييس هي: السلام، الاقتصاد، الخدمات الاجتماعية، والعلاقات الخارجية، ووثقت أنه في أربعتها كان أداء النظم الديمقراطية هو الأنجح.

وفي السجن ذكرت للزملاء في سبتمبر 1989م أن نهاية النظام الانقلابي سوف تكون بانفجار في داخله، وقد كان، ففلاح الثورة الشعبية توجه انحياز لجنة النظام الأمنية لها وقيامهم بخلع الطاغية.

هذه القراءة لا تعني خلو التجربة الديمقراطية من العيوب، وقلت مراراً إن النظام الديمقراطي مهما كانت عيوبه فهي الأقل إذا قورنت بمساوئ النظم الديكتاتورية.

فيما يلي أشخص عيوب التجربة الديمقراطية، وألتمس الدروس المستفادة من التجربة لبناء الوطن الديمقراطي المنشود في ظل ديمقراطية مستدامة:

1) مبادئ الحكم الديمقراطي هي: المشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة حكم القانون. وهي مبادئ ذكرها الخليفة الأول أبو بكر رضي الله عنه لدى مبايعته، وقد كانت ولايته نتيجة لجدل في سقيفة بني ساعدة الأنصار. في هذا الجدل دارت حجج مختلفة ليس من بينها ولاية إلهية بل شورية بين البشر: قال الخليفة الأول: “وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ (ولاية بشرية لا إلهية) وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي (المساءلة) الصِّدْقُ أَمَانَةٌ، وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ (الشفافية) والضَّعيف فيكم قَوِيٌّ عندي حتى أرجِّع عَلَيْهِ حقَّه إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالْقَوِيُّ فِيكُمْ ضعيف عندي حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (سيادة حكم القانون)”.

هذه المبادئ هي مبادئ الحكم الراشد. ولكن بعد فترة وجيزة في تاريخ الحكم الذي أقامه المسلمون تردى النظام إلى حكومات غابت منها مبادئ الحكم الراشد، وصار الحكم في العهد الأموي ثم العباسي ثم العثماني هو حكم الفرد المعتمد على المغالبة كما برر “شرعيته” القهرية أكثرية الفقهاء، كما ورد على لسان ابن حجر العسقلاني بأنهم رأوا تأييد حكم المتغلب والقتال معه. هكذا صار تاريخ الخلفاء تاريخاً دموياً إذ مات خمسة من خلفاء بني أمية مقتولين، و12 من خلفاء العباسيين كذلك.

تجربة نظام الحكم الغربية انطلقت من نظام إمبراطوري ثيوقراطي حافل بالاقتتال الطائفي إلى أن اتفقوا في اتفاقية وستفاليا في عام 1648م على اعتماد الدولة القطرية أساساً للعلاقات بينهم. من هذه الخلفية صارت الدولة الوطنية هي أساس الانتماء. الدولة الوطنية تتطلب نضج مؤسسات الحكم، وانتماء السكان لقومية موحدة.

انتقال السلطة في بلادنا من الحكم الامبريالي إلى الحكم الوطني افترض وجود مؤسسات حكم ناضجة تحكم شعباً يغلب فيه الولاء القومي على الولاءات الأولية (أي الموروثة).

مؤسسات الدولة التي ورثناها من العهد الإمبريالي لم تكن ناضجة كما يجب، وولاءات المواطنين الأولية الإثنية والقبلية والطائفية لم تتراجع بالقدر الكافي لصالح الولاء القومي.

وفي ظل الحكم الوطني منذ عام 1956م في السودان تراجع نضج مؤسسات الدولة وبرزت الولاءات الأولية الطائفية والقبلية والجهوية بصورة أضعفت الانتماء القومي. هذه العوامل جعلت الشروط المطلوبة لنجاح الدولة الوطنية تتقاصر عن المستويات المطلوبة.

مفهوم الدولة الوطنية نفسه غير مؤصل بالقدر الكافي، ما فتح المجال لولاءات فوق قطرية.

الاهتمام بإنضاج مؤسسات الدولة الحديثة، وبلورة الولاء القومي الذي يعلو على الولاءات الأولية، ويكرس الولاء للدولة الوطنية من شروط نجاح التجربة الديمقراطية.

2) الأحزاب السياسية هي آليات المشاركة الشعبية، وأدوات تعميد القيادات المتنافسة للقيادة. الأحزاب السياسية هي قنوات المشاركة الشعبية، وأدواؤها مهم لنجاح الأداء الديمقراطي.

لحقت بالتجربة الديمقراطية في السودان طائفة من العيوب:

أولاً: عيوب الحزبية السياسية وأهمها:

– الأحزاب ذات الثقل المجتمعي مثقلة بالولاءات الأولية على حساب الولاء الوطني.

– الأحزاب المعتمدة على قوى جديدة يائسة من استقطاب القوى الشعبية بالقدر الكافي ما جعل طموحها يدفعها لاستخدام الوسائل الانقلابية.

– بعض الأحزاب ذات الوزن الشعبي تجاوبت مع التجديد، ولكن أحزاباً أخرى استعصت على التجديد وجعلت قيادتها تمارس دورها دون أية مؤسسية بل تعتمد على ولاء طائفي.

هذه العلل في الحزبية السياسية تحسب على جدوى الممارسة الديمقراطية. أما أحزاب الصفوة في اليسار وفي اليمين فإنها غيبت الديمقراطية في ممارساتها الحزبية وقدسوا طاعة القيادة، وصارت تراهن على استغلال الحريات المتاحة للتآمر على الديمقراطية وفرض الوصاية.

ثانياً: النقابات: النقابات مؤسسات ضرورية لحفظ مصالح أعضائها في الدولة، ولكن عدم نضج الثقافة النقابية مكن قوى حزبية وفكرية من اختراقها لتصير واجهات لها. هكذا استغلت الحركة النقابية لتحقيق أهداف مخلة بالدور النقابي المشروع.

ثالثاً: هنالك ولاءات إثنية وثقافية تشعر بتظلم من الإدارة المركزية للشأن العام ما جعلها تتكتل في روابط إثنية وجهوية تعبر عن مواقف مطلبية تصل إلى درجة حمل السلاح. التظلمات الجهوية تفاقمت في ظل الحكومات الديكتاتورية بالغة المركزية مما أشعل حروباً أهلية ساهمت في إضعاف القبضة الديكتاتورية ولكنها أورثت التجارب الديمقراطية تركة حرب مثقلة بانعدام ثقة متبادل وأوضاع أمنية متردية واستنزاف دموي واقتصادي مريع.

رابعاً: المؤسسة العسكرية ذات دور دفاعي مهم خاصة في بلاد حبلى بالتوترات القبلية والنزاعات وحدودها مع بعض دول الجوار مختلف عليها. إذن قوات مسلحة قومية ومنضبطة من أهم مقومات الدولة الوطنية. ولكن هنالك عوامل وافدة من تجارب خارجية غرست أداء التدخل العسكري في المشهد السياسي. وهنالك قوى حزبية سياسية استغلت قوات مسلحة لتنفيذ أجندتها السياسية.

خامساً: العيوب الإعلامية. إن للإعلام بكافة وسائله المرئية والمسموعة والرقمية دوراً مهما في نجاح أو فشل التجربة الديمقراطية. في البلاد الديمقراطية العريقة اكتسبت أجهزة الإعلام تقاليد بناءة في تحري الحقائق الإخبارية وفي نشر الدراسات الموضوعية. ولكن في التجربة السودانية استطاعت قوى حزبية جلب أموال وافدة وبث الأكاذيب والمكايدات السياسية على نطاق واسع. سخروا حرية التعبير لوأد الحريات.

سادساً: العيوب الخارجية. السياسات الخارجية الإقليمية والدولية تتطلب توازناً عربيا إفريقياً دولياً أخلت به النظم الديكتاتورية، ما وصم البلاد بسياسات انتهازية سمحت بتدخلات خارجية غير حميدة.

التجارب الديمقراطية في السودان لم تخل من نجاحات أهمها: تحقيق استقلال البلاد بصورة إجماعية وسلمية. والالتزام بالحريات العامة، ورعاية حيدة الخدمة المدنية، وإدارة الاقتصاد بدرجة من الموضوعية، وتجنب الفساد الذي أوغل فيه الطغاة.

ومع ذلك فإن العيوب الستة المذكورة هنا كان لها أثرها المهم في إضعاف التجربة الديمقراطية فاستغلها الطامحون للإطاحة بها.

المطلوب الآن الاتفاق على تشخيص العيوب والاتفاق على هندسة اجتماعية للتخلص منها، وأخذ الدروس المستفادة لبناء تجربة ديمقراطية مستدامة، وإلا وقعنا في طائلة مقولة: إن الغباء هو أن تكرر نفس التجربة وتتوقع نتائج مختلفة.

خريطة الهندسة تتطلب الآتي:

1- الأحزاب السياسية: إنها من أهم لبنات البناء الديمقراطي. ولكي تؤدي دورها في هذا البناء ينبغي أن تتوافر فيها المعالم الآتية:

‌أ) أن يتحلق الحزب السياسي حول برنامج.

‌ب) أن يكون الحزب السياسي مفتوحاً لعضوية كل المواطنين إن أرادوا فلا تحصر العضوية في جماعة ذات ولاء أولي قبلي أو طائفي معين.

‌ج) أن تكون أجهزة الحزب منتخبة ومساءلة.

‌د) أن يكون الحزب السياسي مؤمناً بمبادئ الحكم الراشد وهي المشاركة والمساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون.

‌ه) التوافق على إنهاء الاستقطاب الحزبي المتجذر تاريخياً ووقف أساليب التآمر والمناكفات التي ضيعت التجارب السابقة.

2- النقابات: أن تتكون النقابات بقوانين تشترط أن تكون جامعة لكل أصحاب المصلحة النقابية المشتركة، فتكون النقابة ممثلة لكل أصحاب الصعنة المعنية على أساس النقابة للجميع ولكل حزبه إن شاء. ويرجى أن يجرم القانون أية محاولة لانحراف النقابات عن دورها المشروع واستغلالها كواجهات حزبية أو أيديولوجية.

3- النظام السياسي: ينبغي أن يؤسس دستورياً على مبادئ الحكم الراشد، ولظروف البلاد الخاصة تقيد التنافسية المشروعة بميثاق وطني يلزم الجميع بمبادئ توافقية تحتوي على متطلبات التسبيك الوطني المنشود. وأن يراعي الميثاق المنشود كفالة المساواة في المواطنة وحرية الاعتقاد الديني فلكل حقوقه الدينية والمواطنة للجميع. وأن يوجب الميثاق إدارة لا مركزية فدرالية للبلاد. وأن ينص الميثاق على حقوق المواطنة للجميع ولكل حق الانتماء لهويته الثقافية.

إن للإسلام مبادئ وأحكاماً في الشأن العام. يكفل للمسلمين الدعوة لها ما داموا يلتزمون بالمساواة في المواطنة، وبالوسائل الديمقراطية في تحقيقها.

4- السلام من أركان الديمقراطية المستدامة. ينبغي إبرام اتفاقية سلام تضع حداً للمظالم التي أدت للمقاومة المسلحة، وتسكن بنودها في الدستور. اتفاقية السلام تؤسس على إزالة أسباب الاقتتال وإزالة آثاره وإجراء تسريح ودمج لقوات المقاومة المسلحة وكفالة حق قادتهم السياسيين في تكوين منابر سياسية حرة للدعوة لمبادئهم في ساحة التنافس الديمقراطي.

5- النظام الاقتصادي: في وطن يشكو سكانه في كثير من الحالات من التهميش الاقتصادي والاجتماعي ونسبة العطالة العالية وكذلك نسبة الفقر والسكن في عشوائيات المدن، فإن كفالة الحريات العامة وهي شرط للديمقراطية السياسية تقود حتماً لخرق السلام الاجتماعي. ينبغي اختيار نظام السوق الحر الذي يكفل حقوق الملكية الخاصة وحقوق المبادرة والتنافس. ينبغي الالتزام بعقد اجتماعي يكفل هذه الحقوق في إطار نموذج اقتصادي تنموي عدالي على نحو ما فصلناه في مشروع اقتصادي تنموي عدالي. الديمقراطية الاقتصادية شرط لاستدامة الديمقراطية السياسية.

6- الإعلام: الديمقراطية المستدامة تتطلب وجود إعلام حر في كافة المجالات المسموعة والمرئية والرقمية. الحرية الإعلامية تتطلب ترشيداً فلا بد أن تصحب الحرية مسئولية ويحال دون استغلال حرية الإعلام لتقويض الدستور.

7- هندسة البناء الديمقراطي المستدام تتطلب وجود قوات مسلحة ذات كفاءة قتالية عالية وانضباط ملزم. كذلك القوات النظامية الأخرى لتكون كلها منضبطة ومصفحة ضد الاختراق الحزبي الذي يسخرها لأهداف تتناقض مع الضبط والربط المنشود. المطلوب أن تلتزم القوات المسلحة بوضعها الدستوري في ظل دستور ديمقراطي يحدد كيفية مشاركتها في الشؤون الدفاعية والأمنية العليا. إن القوات المسلحة التي تقحم في القيادة السياسية تفعل ذلك على حساب الكفاءة العسكرية وعلى حساب مبدأ الاحتكام للشعب. القوات المسلحة ذات الكفاءة العسكرية العالية هي التي يصونها الانضباط من الخوض في السياسة.

إن تحديد دور القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى في الدستور والتزامها به من أهم أركان الديمقراطية المستدامة.

8- ويتطلب نظام الديمقراطية المستدامة تحقيق حيدة الخدمة المدنية والتزامها بدور دستوري محدد وحمايتها من الاختراق الحزبي الذي يودي بكفاءتها.

9- سلامة البيئة من شروط الديمقراطية المستدامة لأن لفساد البيئة الطبيعية آثاراً سلبية على بناء الوطن داخلياً وآثاراً سالبة على البيئة عالمياً. المضار على بيئة الكوكب كثيرة وتهدد استمرار الحياة. ينبغي تحديد التزامات محددة لتحقيق وصيانة سلامة البيئة. التزامات يحميها الدستور.

10- العلاقات الإقليمية والخارجية: إن للسودان دوائر انتماء عربية، أفريقية، إسلامية، ودولية. النهج الصحيح هو أن يراعي السودان هذه العلاقات بصورة متوازنة تحقق مصالحه ومصالحها دون تدخلات في الشئون الداخلية، ودون إذكاء للحروب بل الالتزام بالسلام وبالتعاون الأمني والتنموي.

السؤال المشروع هو: ما هي فرصة نجاح هذه الهندسة الاجتماعية المطلوبة لبناء الوطن في ظل الديمقراطية المستدامة مع وجود عناصر داخلية وإقليمية وخارجية ذات أجندات خاصة بها تحكمية؟ أجندات تسعى لفرض هيمنة تجهض الديمقراطية المستدامة وتغلب الانتماء لواحدة من هذه الدوائر على حساب الأخريات.

القوى الداخلية المعنية قوى صاحبة أيديولوجيات شمولية ويائسة في تحقيق أهدافها بالوسائل الديمقراطية لذلك ربما سعت لاختراق القوات المسلحة. تركيبة القوات المسلحة الآن تجعلها مراقبة لبعضها بعضاً تجعل التحرك الانقلابي صعباً. وعلى الصعيد الشعبي هنالك قوى سياسية – حزب الأمة القومي- استعصى تطويعها على كل النظم الانقلابية. وفي الساحة اليوم قوى شبابية جديدة تمثل ترياقاً مضاداً لأي حكم إقصائي. هكذا يمكن أن نقول إن في الشعب السوداني تكوينات تشكل رصيداً شعبياً ضد أية نكسة نحو الديكتاتورية.

فيما يتعلق بالتدخل الخارجي لصالح تآمر على الديمقراطية في السودان فإن الوضع فيه غير مناسب لذلك:

– الاتحاد الإفريقي قرر موقفاً ضد الانقلابات العسكرية وألا يعترف بها إن وقعت.

– القوى العربية الإقليمية مع استعداد بعضها لذلك يصدها أمران: الأول هو الموقف الشعبي المعبأ ضد الانقلابات كما أوضحنا سابقاً، والأمر الثاني هو أن تدخل أي طرف يجذب تدخلاً مضاداً من طرف آخر، وهذا النوع من التدخل في الساحات المختلفة وصل إلى طريق مسدود وتمدد أي طرف في ساحة يحتويه تدخل مضاد. في كل ساحة تمدد فيها نفوذ جهة خارجية لصالح أجندتها تهيأت الظروف لتدخل مضاد بحيث تحول التدخل لعملية استنزاف للقائمين به، على هذا الموقف تنطبق مقولة العز بن عبد السلام: كل أمر يؤدي لعكس مقاصده باطل.

أما الموقف الدولي الرسمي فهو منحاز لحقوق الإنسان وينشد الجميع الالتزام بمنظومة حقوق الإنسان.

التدخل الخارجي خارج الأمم المتحدة وبموجب الهيمنة الدولية صار يواجه تعدد مراكز النفوذ الدولي. لم يعد أحادياً بل صار رباعياً أطرافه: الولايات المتحدة، والاتحاد الأوربي، والصين، وروسيا. لذلك عجزت الولايات المتحدة أن تفرض نفوذها في إيران وفنزويلا وهلم جراً. كانت الهيمنة الدولية في الماضي تفرض الطغاة على الشعوب كما تريد، هذا لم يعد ممكناً.

هذه العوامل الأفريقية، والعربية، والدولية تحول دون نجاح تآمر خارجي على الديمقراطية في السودان.

نعم بناء الوطن في ظل نظام مدني ديمقراطي في السودان يواجه عثرات موضوعية وذاتية كثيرة. ولكن إذا استطاع الجسم السياسي استيعاب دروس الماضي والتخطيط لتحول ديمقراطي جديد ففرص نجاحه كبيرة لا سيما إذا أدركنا أن البدائل الفاشستية محكوم عليها بالفشل حتى إذا حظيت بدعم خارجي.

السودان موعود بالعبور نحو نظام ديمقراطي مستدام إذا طبقت الدروس المستفادة من تاريخ البلاد السياسي بوعي وكفاءة. هذا العطاء السوداني ليس مستغرباً. ففي تاريخنا القديم والجديد آيات امتياز سوداني أذكر منها:

– في التاريخ القديم حضارة كوش التي تميزت بعطاء واستمرت ألف عام.

– وفي التاريخ الوسيط دول السودان المسيحية التي قاومت الغزاة الذين غزوا مصر ثم عزموا على غزو السودان.

– ثم دول السودان الإسلامية التي نشرت الإسلام سلمياً في البلاد.

– ثم الدعوة والدولة السودانية التي جسدت أشواق الأمة الإسلامية في القرن التاسع عشر وحققت أنجح حركة تحرير ضد الإمبريالية.

– وفي التاريخ الحديث حركة استقلال السودان التي حققت بالنضال السلمي أنجح أنموذج لحركات الاستقلال من الامبريالية في القرن العشرين في أفريقيا.

– ثم ما حققه الشعب السوداني في التحرر من الديكتاتورية في 21 أكتوبر 1964م، وفي 6 أبريل/رجب 1985م، وكانتا سابقتين لحركات الربيع العربي التي انطلقت منذ عام 2011م.

– ثم بهرت ثورة ديسمبر 2018م في السودان العالم وصارت قدوة لثورات شبابية على نطاق واسع لرفض الواقع السياسي والتطلع لتغييره. الفرق في هذا الصدد هو أن الحماسة الثورية السودانية وجدت تجاوباً من القوات المسلحة، وهي ظاهرة فريدة لأن القوات المسلحة في الظروف المماثلة أجهضت التحرك الثوري أو التزمت الحياد. وظاهرة فريدة أخرى هي أنه من داخل قوى الثورة برزت حكمة زاوجت بين الحماسة الثورية وتوازن القوى فكانت النتيجة ميلاد بديل للنظام المباد. هذا البديل يهيئ الفرصة من داخله للتمسك بالهدف الديمقراطي، وباستيعاب دروس الماضي للإحاطة بدروس التجارب الديمقراطية وتحديد شروط الديمقراطية المستدامة والالتزام بها.

الظروف مهيأة ليقدم السودان تجربة تجعل الهدف الديمقراطي المنشود مستداماً وتجعل للسودان براءة اختراعه. هذا ممكن، ولكن (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ)[1].

[1] سورة الأنعام الآية رقم (36)

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق