السودان: المستشفيات .. نماذج حزينة

الخرطوم: صديق رمضان
في منتصف نهار الخامس والعشرون من شهر رمضان بحي المايقوما بالحاج يوسف اتجهت روعة هشام التي تبلغ من العمر أربعة عشر عاما الي السحانة الكهربائية لتجهيز خلطة الطعمية، وشاءات الأقدار أن تنزلق يدها بغته في الجهاز فائق السرعة وحاد الشفرات لتطلق صرخة ألم داوية بددت بها سكون النهار مرتفع الحرارة.
لتهرع أسرتها لتخليص يدها من الجهاز الكهربائي بعد فصل التيار عنه ولكن باءات كل محاولاتها بالفشل، وكانت الفتاة تصرخ وتزرف الدمع من فرط الألم فيما انهمرت الدماء من يدها بغزارها، وايقن الجميع ان ساعدها قد تهشمت عظامه، و سريعا اتجهوا بها ناحية مستشفي البان جديد وفي تلك اللحظة كانت يدها ماتزال داخل السحانة الكهربائية، غير أن المفاجأة الجمتهم حينما وجدوا أبواب قسم الحوادث مغلقه، توسلوا الي الطاقم الطبي لإنقاذ الصغيرة ولكن ذهبت رجاءاتهم سدي، لم يجدوا غير التوجه بها ناحية مستشفي بشائر ثم شرق النيل ولكن صدمهم نبأ توقف الخدمة، وفي هذا الأثناء كانت روعة قد دخلت في حالة إغماء، ليزداد أهلها توترا والساعات تمضي دون أن يجدون مرفق صحي يخلصها من الألم، ليتوجهوا ناحية مستشفي الشرطة وأيضا وجدوا ذات الرد ثم مستشفي الخرطوم الي أن حطوا رحالهم والشمس بدأت في التلويح بالوداع معلنه نهاية اليوم بمستشفي الساحة الخاص، الذي كان عليهم انتظار الأخصائي بعد أن تم استقبال حالتها وظلت طوال ثلاث ساعات في انتظار الطبيب الذي طالب بإحضار شرطة الدفاع المدني لإخراج اليد من جهاز السحانة الذي كان يحيط بيدها إحاطة السوار بالمعصم.
وبعد عشرة ساعات من الألم والدموع والدماء خضعت لعملية جراحية معقدة بعد أن وجد الأخصائي أن أصابعها قد تهشمت بالإضافة إلي جروح عميقه ونزع للجلد، ورغم أن أهلها دفعوا نظير هذه العملية ثمانون الف جنيه الا انهم تنفسوا الصعداء فرحا بنهاية معاناة صغيرتهم وفي ذات الوقت في انفسهم ألم وحزن من المعاناة التي تكبدونها جراء إغلاق معظم مستشفيات العاصمة لابوابها.
وذات المصير شرب من كأسه عثمان المستشار الإعلامي باحدي شركات الطيران الذي ولاخضاع زوجته لعملية صغيرة “كيس دهني” كان عليه التجول ولمدة أسبوع كامل علي كل مستشفيات العاصمة التي وجد أيضا أبوابها مغلقة، وظل كل يوم يأمل في أن يجد مرفق طبي يخلص شريكة حياته من اوجاعها ولكن دون جدوي وكاد أن يفقد الأمل تماما، غير أن السماء كانت به رحيمة حينما وجد في التاسع والعشرون من رمضان مستشفي خاص وافق علي إجراء العملية نظير رسوم تعد باهظة مقارنة مع حجم العملية التي تصنف ضمن العمليات الصغيرة، ورغم ما واجهه من مشقة وضغط نفسي الا ان الراحة ارتسمت علي محياه بعد إجراء العملية، غير أن ثمة حزن يحتل دواخله فهو يعتقد بأن كثيرون مثله تجرعوا من ذات الكأس بعضهم حالفهم الحظ وآخرين قهرتهم الظروف وهو يفقدوا اعزاء لهم بسبب إغلاق المستشفيات الخاصة والحكومية أبوابها بدعوي تفشي جائحة كورونا.
ومن الذين دفعوا ثمن انعدام الخدمة الطبية في هذا الشهر الفضيل رجل يصنف ضمن قائمة العلماء الإجلاء والخبراء العالميين وهو مدير شركة السكر السودانية البروفسير أحمد عبيد الذي شعر بألم في المرارة ولم يضع في حسبانه أن نهاية رحلته مع العلاج ستكون حزينه ومؤلمة، فقد سعي رفقة أبناءه لمقابلة اخصائي باطنية يضع حدا لمعاناته غير انه وجد كل العيادات مغلقة الأبواب، ليبدأ جولة طويلة علي عشرة مستشفيات خاصة وحكومية رفضت جميعها استقباله ليزداد ألمه، ولم يجد احد انجاله غير الاستعانة بعدد من أصدقائه الذين لم يبخلوا عليه بالمساعدة ليجد فرصة في مستشفي امبريال الذي ظل طريح الفراش فيه دون رعاية طبية وحينما زادت عليه حدة المرض لم يجد أبناؤه غير توفير الأوكسجين بعلاقاتهم الخاصة لانعدامه في المستشفي، وهنا قبل أن نواصل سرد قصته المؤلمة لابد من الاشارة الي أن أسرته وحينما ساورتها الشكوك بإصابة البروفسير بجائحة كورونا اتصلوا بإدارة الوبائيات بوزارة الصحة وتم وعدهم أكثر من مرة بالحضور لأخذ عينة من المشتبه فيه غير أن الإدارة لم تف بوعودها، وبالعودة الي حالته في المستشفي وبعد أن ساءات اتصلت أسرته بجارهم في السكن بحي كافوري مدير عام الشرطة عادل بشائر لمساعدتهم وقد فعل الرجل وحضر فريق من إدارة الوبائيات وأخذوا العينة، ولان البروف لم يجد العلاج الناجع الذي ينهي معاناته مع المرض الذي لم يتم تشخيصه فقد فاضت روحه الطاهرة صباح اليوم التالي، وبعد ساعات معدودة خرجت النتيجة لتؤكد إصابته بالكورونا التي لم يجد من يشخصها ليودع الحياة تاركا في نفوس أسرته حزن وحسرة علي الإهمال الذي تعرض له.
هذه ثلاث نماذج فقط لعشرات بل ربما المئات من حالات المرضي الذين دفعوا ثمن إغلاق المستشفيات باهظا، منهم من فاضت روحه ومنهم من دفعت أسرته “دم قلبها” لعلاجه، وبعيدا عن جدلية فشل أو نجاح وزير الصحة فإن الحقيقة تؤكد أن إغلاق المستشفيات ألقي بظلال قاتمة علي المواطنين.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق