السودان: صديق البادي يكتب: إلى الأخ اللواء أمن (م) أنس عمر

التمدد الأخطبوطي للأجهزة الأمنية الرسمية والشعبية وقبضتها الفولاذية كانت من أهم أسباب استمرار نظام الإنقاذ السابق لمدة ثلاثين عاماً وهي فترة طويلة تساوى مجموع فترات الحكم العسكري النوفمبري( ستة أعوام ) والعهد المايوي ( ستة عشر عاماً ) والديمقراطية الثانية التي تشمل حكومتي أكتوبر الأولي والثانية والتشكيلات الوزارية الحزبية التي أعقبتها ( أربعة أعوام ) والتعددية الحزبية الثالثة التي تشمل الحكومة الانتقالية التي أعقبت انتفاضة ابريل عام 1985م والتشكيلات الوزارية الحزبية التي أعقبتها ( أربعة أعوام ) وكلها مجتمعة تساوي ثلاثين عاماً . وجهاز الأمن والاستخبارات في عهد الإنقاذ المنصرم كانت تعمل بجانبه وفي تكامل وتناغم وانسجام معه أجهزة الأمن الشعبي التي تضم مكاتب معلومات التنظيم ومنظمات كثيرة بمسميات عديدة وللعاملين فيها صفات أمنية مع وجود أعداد كبيرة من المصادر الأمنية المتغلغلة في كافة أجهزة الدولة وخارجها ومن العاملين في المنظمات الحاملين لبطاقات أمنية من يحملون مسدسات يخرجها بعضهم من جيوبهم الخلفية أحياناً بغرض الاستعراض والتباهي السلطوي . وللأمن الخارجي أهمية وتتبع له القنصليات في الخارج وللجهاز إدارات كثيرة وتخصصات عديدة مثل الأمن الاقتصادي وامن المجتمع و… الخ ويولي الجهاز اهتماماً كبيراً بالإعلام المقروء والمسموع والمرئي وله علاقات مباشرة أو غير مباشرة علنية أو سرية وسط هذا القطاع وللجهاز قوات تسمي قوات العمليات وقد واجهت وصدت قوات العدل والمساواة الحاملة للسلاح التي قطعت مسافات طويلة حتي بلغت مدينة أم درمان وقوات العمليات لا تتبع للقيادة العامة للقوات المسلحة وليست ذراعاً من اذرعها . وجهاز الأمن كان يتدخل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والولائية والنقابية وفي مناشط المجتمع المدني وتخصص له في الميزانية العامة للدولة أموال طائلة مع احتياطات وزيادات للطوارئ وبجانب ذلك يصرف عليه من الميزانية الضخمة المخصصة للتمكين والتي لا تتبع لوزارة المالية الاتحادية ولا تخضع للمراجعة بواسطة مكتب المراجع العام وكانت للجهاز شركات أمنية لا حصر لها لا تخضع للمراجعة وتجد إعفاءات وتسهيلات مع تهيئة الأوضاع المريحة والامتيازات للعاملين لتستقر أحوالهم ويؤدوا مهامهم الموكلة إليهم . والجهاز درج علي تقديم هبات وعطايا وهدايا في المناسبات وفي الظروف العادية لمن ينتقيهم ويثق فيهم . والجهاز يضم أصحاب مؤهلات رفيعة في مختلف التخصصات مع وجود متعاونين أكفاء من أساتذة جامعات ومهنيين من مختلف التخصصات وبجانب هؤلاء كانت توجد شريحة صغيرة وقليلة العدد أحضرت من قاع المدينة وتضم عدداً من مظاليم المجتمع بلا ذنب جنوه وعندما تصدر إليهم أوامر بالتعذيب والضرب والتنكيل فإنهم ينفذون الأوامر بشراسة ويفرغون ما يحملونه في دواخلهم من ترسبات وغبن دفين . وقد تمدد الجهاز حتي أضحي دولة داخل الدولة . ولا ينكر احد ان الجهاز لم يكن يخلو من الذين قلبهم علي وطنهم من أهل الورع وكانوا يؤدون واجباتهم في الحفاظ علي الأمن القومي بكل مسؤولية ومهنية مع التصدي لأي اختراقات أجنبية ولكن الخطأ الذي حدث هو زوال الفواصل بين امن الدولة وامن التنظيم والحزب ونأمل ألا يتكرر هذا الخطأ مرة أخري .
وقبل مجي عهد الإنقاذ شهدت البلاد في التعددية الحزبية الثالثة أشرس معارضة قادتها الجبهة الإسلامية القومية واستعملت فيها كل الأساليب وتجاوزت أحياناً الأعراف وتقاليد المجتمع وكانت الغاية عندهم تبرر الوسيلة مبررين ذلك بأنهم حوصروا حصاراً شديداً وهوجموا هجوماً عنيفاً ولذلك قادوا تلك المعارضة الشرسة وبعد انطواء صفحة نظام الإنقاذ بعد ثلاثين عاماً أمضوها في الحكم فكر وقدر عدد من المنتمين إليها ألا يعارضوا النظام القائم حالياً بنفس تلك الطريقة الشرسة حفاظاً علي أمن واستقرار الوطن وباسمهم أعلن الرئيس المكلف للتنظيم بروفسور إبراهيم غندور إن معارضتهم ستكون بناءة ووصفوها بالمعارضة المساندة التي ترفض أي تخريب وشغب ومؤامرات تحاك بليل للضرب في الظلام تحت الحزام وطالبوا بأن تأخذ العدالة مجراها وأن يكون القانون وليس سواه هو الفيصل والحكم العدل وأعلن إن تنظيمهم لا يمكن أن يدافع عن مجرم أدين قانونياً في قضية فيها سفك دماء أو انتهاك حرمات ولا عن فاسد سرق أو اختلس ولكن في ظل (الهوجة ) والهتافات ( كل كوز ندوسو دوس ) التي لم تفرق بين المدان والبريء فقد أسدل الستار علي تلك المبادرة . وكان نظام الإنقاذ يضم مبدئيين صادقين نزيهين وهم بشر كسائر البشر الآخرين يصيبون في تقديراتهم أو يخطئون ولكن بحسن نية لا بسوء قصد بخلاف الذين مردوا علي المكر وسوء النية والطوية ويوجد أهل المصالح الذين يبكون علي اللبن المسكوب والامتيازات التي فقدوها وجلهم من المؤلفة قلوبهم الذين أتي بهم السيل الجارف وهؤلاء يتلهفون لعودة سلطة نظام الإنقاذ ( والرضاعة سهلة ولكن الفطام صعب ) ويحسبون إن فوضي الأسواق والارتفاع الجنوني للأسعار وتردي الأوضاع للخلف سيكون مبرراً ومعبراً لتلك العودة المستحيلة والمرفوضة ولن يكونوا هم البديل علي الأقل في الوقت الراهن ( والمسألة ليست لعبة سيجة او صفرجت ) وصدق الفريق اول محمد حمدان دقلو ( حميدتي ) نائب رئيس مجلس السيادة عندما ردد ثلاث مرات ( فشلنا فشلنا فشلنا ) وطالب باستقالات جماعية والوطن الآن تجابهه تحديات عويصة ويحتاج لبرنامج وطني إسعافي وحكومة خبراء من العمالقة الأكفاء الأقوياء وان ينصرف كل الحزبيين من أقصي اليمين لأقصي اليسار والوسط العريض لتنظيم أنفسهم مع تجاوز العبث الإنقاذي الذي فتح المجال لأكثر من مائة حزب وهذه مهزلة ويمكن إقامة تحالفات محدودة العدد ويجمع كل تحالف المتقاربين فكرياً وقد أضرت بالوطن التحالفات التي تجمع الأضداد و المتناقضات ( سمك لبن تمر هندي ) وتبعاً لذلك يكون للمنتمين لتنظيم الإنقاذ وجود جزئي هو حق وليس منحة يستجدون للحصول عليها . والذين يسعون لاستئصالهم نهائياً لن يقدروا علي ذلك لان تنظيمهم يضم مهنيين نابغين في كافة المجالات ولهم خبراء وعاملين في شتي المجالات يمكن أن يخدموا وطنهم دون أن يحرمهم احد من ذلك وبين الفينة والأخرى نقرأ أو نسمع تصريحات يدلي بها اللواء امن (م) انس عمر الأمين العام المكلف لحزب المؤتمر الوطني بالعاصمة وولاية الخرطوم وتحس من خلالها بأنه يثق في نفسه وفي نظافة صفحته وليس هناك شي يخشي منه ليدان به وكرد فعل للذين يطالبون باستئصالهم من الساحة السياسية ظل يرد بكل جسارة وقوة بان وجودهم في الساحة حق أصيل لا يستجدونه من احد مع لفظهم وعدم استعدادهم للدفاع عن مجرم أو فاسد تتم إدانته قانونياً وعدلياً عبر كافة درجات التقاضي من محكمة الموضوع حتي المحكمة الدستورية ومن جانب آخر فان الذين يتلهفون للعودة الفورية للسلطة فان عليهم أن يكونوا واقعيين لأنهم فقدوا السلطان والصولجان والقبضة الأمنية الفولاذية التي أشرت إليها آنفاً وفقدوا الإمساك بكل مفاصل الدولة وأجهزتها ولن تكون لهم الهيمنة الكلية ومنح المشاركين معهم في السلطة بعض الفتات . والواقعية تقتضي أن يعترفوا بان العضوية المليونية المسجلة علي الورق التي كان حضورها يتم عند انعقاد المؤتمرات التأسيسية بعد عام أو عامين ويتم استنفارها عندما تكون هناك انتخابات أو استقبالات واحتفالات هي قواعد عريضة ليست لها مصالح خاصة وكل ما كانت تسعي للحصول عليه من السلطة الحاكمة السابقة هو الخدمات والتنمية المحلية وبزوال سلطة ذلك النظام تكون صلتها به قد انقطعت . أما الذين كان يضمهم التنظيم بكل منظماتهم فقد كانوا أهل الشوكة والسلطان وكل وسائل الدعم السلطوية والمالية متاحة لهم . ومن الطبيعي في الظروف الاستثنائية أن يكون هناك تفويض استثنائي للقيادات علي كافة مستوياتها الاتحادية والولائية والمحلية ولا ادري هل هذه المنظومة قائمة بذات التسلسل الهرمي وهل هناك ولاء تنظيمي أم أن هناك من يرفضون أن يداروا ( بالريموت كنترول) أو يفكر الآخرون ويقرروا بالإنابة عنهم . وان الكثيرين آثروا أن يعملوا وفق ما تمليه عليه ضمائرهم وعلي سبيل المثال فان احد الأخوة الأفاضل وجه كل طاقاته وإمكانياته لحلقات تلاوة القرآن الكريم وحلقات الفقه والعلم المفتوحة لكافة من يحضرها وهكذا يمكن أن يعمل كل إنسان في المجال الذي يخصه وليس بالسلطة والجاه يعمل وينشط الإنسان ويمكن أن يقوم بدور مقدر في الحياة بلا سلطة وجاه . وعلي التنظيم أن ينصرف للعمل المجتمعي في كافة المجالات والمرحلة تحتاج لفعالين لا لقوالين ويمكن بالقليل الذي فيه بركة المساهمة في بناء حائط في مدرسة أو ترميم نقطة غيار أو … الخ ويمكن إقامة دروس تقوية للطلبة والقيام بحملات صحية … الخ وهذا لا يعني الخروج من العمل السياسي الذي إذا لم يرتبط بالمواطنين وهمومهم يصبح تهريجاً . وكل أو جل الأحزاب الآن في حالة ضعف وبحاجة للتفرغ لتنظيم نفسها وتهيئتها للمرحلة الديمقراطية القادمة وإن استئصال التنظيم المشار إليه مستحيل وبذات القدر فان تمدده الأخطبوطي وسيطرته الأحادية أضحت مستحيلة أما وجوده الجزئي فهو متاح ومباح وحق أصيل .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق