السودان: العيكورة يكتب: (الفشْقَة) حتى لا تكُونُ حرباً بالوكالة

بقلم: صبري محمد علي (العيكورة)
تمتد الحُدُود المشتركة بين السودان وأثيوبيا بطول (265) كيلومتر أي أنها ليست بذلك الطول والتضاريس التي يصعب إدارتها كما يحدث بين السودان وأفريقيا الوسطى والسودان وتشاد ولكنها ظلّت بؤرة توتر ، نعم لم تصل لمرحلة القطيعة الكاملة بين الدولتين ولكنها بقيت كصُداع مُزمن منذ نهاية الخمسينايات من القرن الماضي حيث كان عدد المزارعين الاثيوبيين داخل السودان لا يتجاوز السبعة مُزارعين الى أن تجاوز الالفيي مُزارع حالياً ولم تتمكن أياً من الدولتين لوضع الحلول الملائمة لعدم تكرار تعدى العصابات الأثيوبية على الأراضى السودانية مدعُومة أو مسكُوتٌ عنها من الحكومة الأثيوبية حتى بلغت المساحات المُعتدى عليها ما يتجاوز المليون فدان من الاراضي الخصبة . وبعيداً عن الطَرْقَ على وتر السيادة الوطنية وقومة النفس . تظل دراسة جُذُور المُشكلة هي الطريق الأقصر نحو الحَلّ فى ظل المُتغير الأهم وهو سدّ النهضة العُنصُر الذى لم يكن مُتواجداً فى السابق مما يجعل المُراقب لا يستبعد دخول الجانب المصري كطرف غير مرئئ بحسب بعض الدراسات . و يعزي بعض المراقبين سبب التوتر لعدم تمكن حُكومات الخرطوم المُتعاقبة من توطين سُكان قُري الشريط الحُدُودي مع أثيوبيا وتقديم الخدمات حتى تنشأ المُدن والقري الدائمة ويمكن من التواجد الأمنى . الشي الذي جعل علاقة المزارعين السودانيين بتلك الأراضى هى علاقة زراعة و حصاد ثم إنصراف ثم العودة مع موسم الخريف القادم وهكذا مُكتفين بوجود شراكات أو نظام الإيجاره مع العمال الأثيوبيين وقد وصلت ببعضهم (أي السودانيين) لبيع جزءاً من أراضيهُم للأحباش ، فى المُقابل فالأحباش أمامهم الأرض الخصبة والماء وهُمُ الاكثرية وأهل الديارغائبون بالخرطوم وبدعم حكومتهم فيتمددون شيئاً فشيئاً داخل مشاريع الغير لذا تحدث الإعتداءات وما بين الكرّ والفر تتحرك حكومة أثيوبيا مُتثاقلة نحو الخُرطوم واصفةً مزارعيها بأنهُم (شِفته) وعصابات مُتفلته خارجة عن القانون فتهدأ الأمور قليلاً قبل تتجدد مرة أخرى ، مُعادلة لن تحل بثقافة الأرضُ لمن يفلحُها ، فبين علاقة موسمية بين أرضٍ و مالك وبين جيران جوعى يُقيمون بجوارها هُما طرفيّ المُعادلة المُختّلّة . و لكن يظلُ السُؤال الماثل أليس لدينا حُدُود دُولية مع الحبشة ؟ نعم بالطبع هُنالك حُدُود تم ترسيمها وتحديد إحداثياتها تُعرف بخط (قُوين) ضمن مُعاهدة أديس ابابا عام 1902م وينسب الاسم (للميجور) البريطانى (قوين) الذى رسمها و صادقت عليها مُنظمة الوُحدة الأفريقية فى العام 1963م وكانت جاهزة للترسيم فى إنتظار السياسي للدولتين ولكن شيئاً من ذلك لم يتم فلربما لانه ليست بالملف المُهدد لزوال الحكومات أو لرُبما لمحدُودية تأثيره كونهُ شريط لا يتعدى الكيلومترات فى عرضه او لحالة عدم الاستقرار التي عانت منها الخرطوم وأديس ابابا منذ الستينيات ، على كٌلٍ حال ظلّ الملف خاملاً و لم يتم ترسيم الحُدُود حتى يومنا هذا ! وهذا (برأيي) ما يجب على حكومة السيّد (حمدوك) أن تضعه ضمن أولوياتها الانتقالية ، حُكُومة الإنقاذ ناقشت هذا الملفّ عُدّة مرّات عبر برلماناتها المُتعاقبة دون التوصل لحل جذرى وخطت خُطوات قافزة فوق مسألة الترسيم لمحاولة زراعة تلك الاراضى وإستغلالها لصالح مُؤسسات الجيش فحققت نوعاً من التواجد الامنى والاستقرار المرحلى ولكن إنشغال الحكومة بحربها فى جبال النُوبة والنيل الازرق جعلها توقف الزراعة لتتكرر الاعتداءات من الجانب الاثيوبي ، و(برأيي) لا حل لهذه المُشكلة المُوسمية سوى ترسيم الحُدُود والإسراع فى تنفيذ مشاريع زراعية تتجاوز محدودية الاستهلاك المحلى الى الصادر مع إعطاء الاولوية لحاجة الجانب الاثيوبى للذرة مع دراسة مُقايضته بالطاقة الكهربائية التى تأتينا من الحبشة مُستفيدين من عُبور الصادرات والواردات الأثيوبية عبر ميناء بورتسودان الرئة الوحيدة التى تتنفس عبرها الحبشة ، حدثنى عُضو برلمان سابق أن مُشكلة هذه المشاريع أنْ لها أكثر من مالك وأن الدولة لا تملكها أيضاً فالأهالى هُم من يحمُونها بأنفسهم وعندما تحدث مثل هذه التفلتات ينسحب المُزارعون ويُسمُونها شريط حُدُودي ويطلبُون تدخل الدولة لحمايتهم وبرأيه أن هذه الاراضي تحتاج لتقنين الملكية أولاً بين المواطن والحكومة كخُطوة أساسية . إذاً أى صوت يُنادى بالتصعيد مع الجارة أثيوبيا بسبب أحداث (الفشقة) الأخيرة يكونُ قد حاد عن جادة الصواب والعقلانية فعلاقاتنا مع الحبشة فى أسوأ حالاتها كانت الأفضل من علاقتنا بمصر وحتى لا نكُن وقوداً لحربٍ مفتعلة فيجب أن ينآي السودان بنفسه عن التصعيد فكل المؤشرات تقول ان أيُ تصعيد سيكون فى صالح الفراعنة . و فى المُقابل يجب أن لا يُهمِل السودان تكثيف تواجُدهُ العسكري على الحدود كعمل رُوتيني وأن ينفض الغُبارعن إتفاقية (قُوين) لترسيم الحدود (يا ربى حاجة أسماء عارفاها) وأن يشرع فى إعداد دراسات جدوى لمشاريع طمُوحة لزراعة تلك المساحات ضمن المشاريع المطرية وأن تُحرس بالقوة الناعمة والخشنة أيُما الأجلين حان فى غير ما ضغطٍ على الزناد حتى يُغلق الباب أمام أي تواجد إستخباراتى خارجي و ما أكثرُ المُتربصين .

قبل ما انسي :ــــ

قد يكون من السهل إشعالُ الحرب ولكن لن يكُن من السُهُولة إيقافها فكل المعادلات ستتغير بين ليلة وضُحاها .

الأحد 31/ مايو 2020م

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق