أسباب الفجوة السياسية

بقلم: محجوب مدني محجوب
العمل السياسي لدى العالم الإسلامي يكتنفه وضع خاص وتسلسل تاريخي لم ينفصل عن منبعه الإسلامي المتمثل في حكم النبي صلى الله عليه وسلم.
فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن ملكا ، ولم يكن يقتني قصرا.
بل كانت حياته لا تكاد تتميز عن حياة الصحابة الذين عرفوا ببساطتهم وبضيق يدهم.
ومما يروى في ذلك أنه سئل أحد الفقهاء عن جواز المسح على الجورب المثقوب ، فقال له الشيخ يجوز ذلك.
فقد كان الصحابة يمسحون على جواربهم ، وهم لشدة فقرهم ، وعوزهم لا يتوقع أن تكون جواربهم غير مثقوبة.
هذه الحالة الزاهدة ، والبعيدة عن ملذات الدنيا لا يمكن أن تطمع في عرش زائل ، ونعيم نافد.
ولم يكن الحكم في عهد رسولنا الكريم يرتبط بالمواطن البسيط بقدر ما كان يرتبط بأمن الدولة ، ونشر الإسلام والتعامل مع الملل الأخرى.
فإن كانت رغبة الحكم فاترة بل ، ومستهجنة من خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كانت نشطة ، ومستعرة على أشدها لدى الفريق الآخر الذي يطمع في السلطان وفي لبس الحرير وخدمة الحواشي.
استمر الحال على هذا الوضع تقريبا.
وهو زهد العلماء وبعدهم عن الحكم.
فيما تعلق طلاب الدنيا به.
وتفرغ العلماء للعلم ونشره وتعليمه.
وتأليف الكتب التي اشتهرت بها المكتبة الإسلامية أكثر مما اشتهرت بها فتوحاتها ،
ولطالما سعد العلماء ولطالما احتفوا بقول رسولنا الكريم.
(العلماء ورثة الأنبياء)
إلا أن الدولة بمفهومها الحديث لم تعد كالسابق.
فقد تبدلت واصبحت مرتبطة ارتباطا مباشرا ووثيقا بحقوق المواطن ، وبمدى تأثيرها عليه من حيث تخلفه أو النهوض به.
وبهذه الصفة  لا بد أن ينتقل مفهوم الدولة من مرحلة فرض الكفاية إلى مرحلة فرض العين ؛ لأن الدولة بحسب مفهومها وتعريفها الحديث أصبحت مهمتها وعملها من صميم مقاصد الإسلام.
ولا يمكن بحال من الأحوال أن نضعها ودولة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت تعريف واحد.
أو أن نساويها بالحالة التي كان يتعامل بها الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده صحابته رضوان الله عليهم.
إذ أن بمساواتنا لهما فقد يشملهما نفس الحكم وهو فرض الكفاية.
وعدم المساواة جاء بسبب اختلاف الأزمنة ، واختلاف التحديات ، ولبساطة الحياة سابقا ، ولتعقيدها الآن.
وبهذا الفهم سنعيد مفهوما جديدا للسياسة في الإسلام.
وفقا لتطور الحياة المادية وتعقدها.
فبعد أن كانت فرض كفاية يتكفل بها نفر قليل من المجتمع.
ولا يمس عملها متطلبات الفرد التي كانت بسيطة ومحدودة.
لا بد أن تعود وتصبح فرض عين ؛ حتى يكون لكل فرد في المجتمع دور في ذهابها أو بقائها .
فمن تعريف حكم فرض الكفاية في الفقه الإسلامي أن يكون بمقتضى الحال.
فما أن يتحول مقتضى الحال يتحول معه الحكم مباشرة.
فبما أن الدولة الآن هي التي تتحكم في كل أحوال الفرد ، فهي التي بإمكانها ، ومن خلال مهامها أن تحول أفراد المجتمع إلى منتجين ، أو إلى مستهلكين.
وهي التي بإمكانها أن  تجعلهم مشردين ، أو مستقرين.
بل الدولة هي التي تتحكم اليوم في تحديد طبقات المجتمع ، فبإمكانها أن تحيله جميعه  إلى طبقة فقيرة.
كما بإمكانها أن تحيله إلى طبقات متعددة فقيرة ومتوسطة وغنية وفئات عمال وفئات موظفين وفئات تجار وفئات مزارعين وغيرها ينتقل أفراده عبر هذه الطبقات والفئات حسب الحقوق المتاحة للجميع التي توفرها قنوات الدولة.
فكل ما هو متعلق اليوم بحقوق المواطنة هو من صميم عمل الدولة.
إما تقدره فتحفظه أو تهمله فتضيعه.
وبهذا الفهم للدولة الحديثة لا يحق للذين يزهدون في الحكم أن يزهدوا فيه بعد ذلك بحجة الاقتداء بسلفنا الصالح.
وكذلك لا يحق للذين يمارسون الحكم ويطلبونه لا يحق لهم أن يبعدوا ديننا عنه.
ولا يحق لنا أن نتركهم يحققون رغبتهم هذه ، فلم يعد الحكم مصدرا للزهد ، كما لم يعد مصدرا من مصادر الدنيا ، وملذاتها
بل صار يدخل في كل تفاصيل الحياة ، وما الدين إلا كذلك.
ففصل الدين عن الحكم في الدولة الحديثة  فكأنما فصل الدين عن الحياة .
فالرسالة هنا لكلا الفريقين.
وما لنا إلا أن نتمسك بقول رسولنا الكريم في ذلك إذ أنه صلى الله عليه وسلم لم يقل لنا تركت لكم علماء العهد الأول فتمسكوا بهم.
ولم يقل لنا تركت فيكم تاريخ الإسلام والذي من ضمنه الحكم فتمسكوا به.
وإنما قال لنا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم:
(تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي).
فلننظر إلى مقاصد الكتاب والسنة ، ونعمل على تحقيقها فما نجده ضروريا في تطبيقهما نحوله إلى ضروري.
وما نجده مهما في تطبيقهما وسيادتهما نجعله مهما.
وما نجده واجبا في تطبيقهما نجعله واجبا.
فالضروري والمهم والواجب في تحول مستمر بسبب تعقدات الحياة وتبدلها.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق