السودان: صديق البادي يكتب: 30 يونيو نرجو أن يمر هذا اليوم بسلام

الفنانة أم كلثوم كانت توصف بأنها موحدة العرب الذين كان بين عدد من رؤسائهم وملوكهم صراعات شرسة وتبادل للشتائم بين أجهزة إعلامهم وصحفهم ويدعي بعضهم أنهم تقدميون ويصفون الآخرين بأنهم رجعيون وكان علي رأس الذين تخصصوا في مدح من يؤيده وذم وشتم من يخاصمه المذيع أحمد سعيد بصوته المجلجل وبلغة تخلو من التهذيب ولا تخلو من الجلافة أما أم كلثوم فقد كانت علي النقيض من هؤلاء إذ كان يستمع إليها من يستهويه غنائها من كافة البلاد العربية وغيرها بلا تمييز بينهم ولذلك وصفت بأنها موحدة العرب في زمن انقسامهم قبل أن يتم الجمع بينهم ومصالحتهم في مؤتمر القمة العربي بالخرطوم في عام 1967م . وبعد نكسة أو بالأحرى هزيمة يونيو حزيران في عام 1967م قامت أم كلثوم بجولة في عدد من العواصم العربية وغيرها وأقامت حفلات دعمت بعائداتها المادية والمعنوية الجهود العسكرية والحربية العربية . ووجه الأستاذ عبد الماجد أبو حسبو وزير الثقافة والإعلام لها دعوة لزيارة السودان في عام 1968م ولبت الدعوة واستقبلت هي وفرقتها الموسيقية والمرافقين لها من إعلاميين وصحفيين وغيرهم استقبالاً حاراً وأجرى معها عميد الإعلام السوداني والخبير الدولي البروفسور علي شمو لقاءً تلفزيونياً متفرداً سارت بذكره الركبان . وأقيم الحفل الذي غنت فيه أم كلثوم بالمسرح القومي الذي اكتظ عن آخره بالحضور النوعي للصفوة والجماهير وحضر الحفل السيد إسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة والسيد محمد أحمد محجوب رئيس الوزراء وبثت الإذاعة والتلفزيون الحفل بثاً مباشراً وأكرمت أم كلثوم طيلة الأيام القليلة التي امضتها هنا وعادت وهي تلهج بشكر السودان والسودانيين . وبعد أيام زارت الشيخة الجليلة الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ السودان وقدمت كعادتها عندما تزوره محاضرات قيمة وكانت محل واحترام الجميع وشكرت الحاضرين في إحدي اللقاءات قائلة أشكركم علي حسن استقبالكم لي كأني مغنية في تلميح وإشارة منها للحفاوة التي وجدتها أم كلثوم . وأرادت الست أن تكرم السودان والسودانيين بإختيار قصيدة لأحد كبار شعرائهم لتؤديها وقُدم لها عدد من دواوين الشعر وكان كل شاعر يمني نفسه بأن يكون هو من تختار أم كلثوم إحدى قصائده ومن بين هؤلاء الأستاذ صلاح أحمد إبراهيم صاحب ديوان غضبة الهبباي وديوان غابة الأبنوس وغيرهما وله تجربة في الشعر المغني كقصيدة الطير المهاجر التي تغني بها الفنان محمد وردي وقصيدة مريا التي تغني بها الفنان حمد الريح وكانت أم كلثوم تحيط نفسها بعدد من الشعراء والأدباء والنقاد ووقع اختيارها بعد التشاور معهم علي قصيدة الموعد لأستاذنا الهادي آدم وقد انتقتها من ديوانه كوخ الأشواق ولحنها الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب وغنتها الست وذاع صيتها وانتشرت وملأت الآفاق وبدايتها الشهيرة هي ( أغداً ألقاك يا لهف قلبي من غد ) والأستاذ كان في لهفة للقاء من يحب في اليوم التالي وهو مشوق مستهام ولا شعورياً تذكرت كلماته ونحن علي مشارف يوم ثلاثين يونيو عام 2020م ونأمل في الليلة التي تسبق هذا اليوم ألا نردد قول الأستاذ محرفاً (أغداً ألقاك يا خوفي قلبي من غدٍ ) ونأمل أن يمر بسلام وأمان كمر النسيم بلا هتافات استفزازية هوجاء ولا تصرفات رعناء تكون ردود فعلها قاسية .
ومن الدروس العظيمة التي ينبغي أن يستفاد منها في يوم 30 يونيو وغيره من الأيام الدرس الذي قدمه الحكيم النبيل سلطان المسبعات في كردفان وأصل الحكاية أن الملك السابع عشر في سلطنة سنار هو بادي أبو شلوخ الذي حكم في الفترة الممتدة بين عامي (1136-1175هـ ) (1727- 1765م ) وهو من أشهر ملوك السلطنة الزرقاء وقد انتصر علي جيش الحبشة وملكها أياسو وكان قائد الجيش المنتصر المكون من المشاة والفرسان في تلك الحرب هو الأمين ود مسمار ود عجيب وكان قائد الفرسان هو الشيخ محمد أبو الكيلك وبعد الإنتصار علي ملك الحبشة وجيشه اشتهرت سنار وأتاها واستقر فيها أناس كثيرون أتوا من مصر والحجاز والأستانة وتونس والهند وسعي الملك بادي لتمديد نفوذه في كردفان ودخل في حروبات مع المسبعات وكان الجيشان يقتتلان وفي وقت معلوم يعود كل طرف لمكان اقامته وكان سلطان المسبعات مقداماً شجاعاً وحارب ببسالة ولكنه مع ذلك تعامل مع خصومه بنبل وأخلاق الفرسان وكان في وقت الهدنة ليلاً يرسل شراباً وطعاماً كثيراً يتم تجهيزه ويوضع للمحاربين في الطرف الآخر قرب معسكرهم ومكان اقامتهم وأعتبرهم ضيوف في دياره وأدي هذا لصلح بينهما وإنسحاب واعتذار من الطرف المعتدي ونرجو أن يقتدي القائمون علي مسيرات الثلاثين من يونيو بنبل وشهامة سلطان المسبعات الذي لم يضيع الوقت في وضع الخطط للغدر والهجوم علي الطرف الآخر ولكنه وجه كل الجهود لإغاثة الطرف الآخر وإعداد الطعام لهم بكميات كبيرة عندما علم بأن مؤنهم الغذائية نفذت أو كادت تنفذ .
وتوجد الآن صراعات حادة ومناوشات بين السلطة ومعارضيها كردود فعل للاستفزازات المتبادلة . وتوجد حرب باردة ومحاولات ضرب بالحزام في الظلام بين بعض المشاركين في السلطة مع توقع صراعات حادة ومواجهات شرسة بين قحت والجبهة الثورية حول اقتسام المواقع علي كافة المستويات في أي وقت قريب أو بعيد يتم التوقيع فيه علي اتفاق أو اتفاقيات جوبا ( والوطن موعود لا قدر الله بصداع حاد جديد ) وبعض المدنيين من الشباب ( ولا أقول كلهم ) الذين اعتلوا مناصب رفيعة في الدولة أو في النشاط السياسي العام أخذوا منذ البداية ( ومن قولة تيت يركبون ماكينات كبيرة ويحسب كل واحد منهم أنه أضحي بين غمضة عين وانتباهتها زعيم كبير !! وهانت الزلابية حتي أكلتها بنو قريظة كما يقول المثل ) ويضيع بعضهم وقته ووقت الآخرين في تدبير المؤامرات الصغيرة والنفخة الكاذبة والتطلعات الذاتية الكبيرة . وعلي الذين هم في السلطة أو المعارضة أن يقدموا مصالح الوطن العليا علي انكفاءاتهم الداخلية وحساباتهم الضيقة . وثبت أن العالم كله متفق علي أن السودان يملك ثروات ضخمة وموارد هائلة متنوعة ومعادن نفيسة نادرة ليس لها مثيل وإن عيون وأفئدة الخواجات مشغولة بها ويتطلعون بشتي السبل أن يكون لهم في المستقبل نصيب الأسد فيها ومع أن السودان مؤهل ليكون مارداً اقتصادياً وسلة لغذائه وغذاء من حوله إلا أنه الآن كالعيس في البيداء يقتلها الظماء والماء فوق ظهورها محمول والحديث عن الطعام والأكل كان يعتبر عيباً كبيراً والآن أصبح الكثيرون يخوضون في هذه الإمور حتي أمام من ليست لهم بهم معرفة شخصية سابقة . والحل هو تكوين حكومة مدنية من أفضل الكفاءات الوطنية ويكون المسئولون فيها علي بعد مسافة واحدة من كل الأحزاب السياسية التي عليها أن تنصرف كلها لتنظيم نفسها وإقامة تحالفات قوية مع الإبقاء علي المجلس السيادي بشقيه العسكري والمدني علي أن تعهد رئاسة المجلس ومنصب القائد الاعلي للقوات المسلحة للعسكريين الذين عليهم القيام بمهام الدفاع عن الوطن وحفظ الأمن القومي ……. بلا مواكب ومظاهرات وهتافات بلا لمة !!

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق