السودان: عثمان جلال يكتب: 30 يونيو وإنقاذ الثورة السودانية

مدخل
اتركوهم هم عميان
قادة عميان
وإذا كان الأعمى يقود الأعمى
سقطا معا في حفرة
(إنجيل متى)

يقف مشروع الثورة السودانية على حافة الهاوية بعد أن تم اختزاله في مغانم ومحاصصات فوقية بين أقلية قوى الحرية والتغيير وايما مشروع ثورة لا يؤسس على الإجماع وشمول قضايا التأسيس الوطني، ويرتكز على الهوادي الثقافية والفكرية سيرتد الي الفشل، وربما الوقوع في أتون الحرب الأهلية والفوضى وانهيار الدولة، وهنا يكمن الفرق بين الثورة التي يتصدى لمهامها العظماء الذين يسمون فوق الانا الحزبية إلى نحن اي كل الشركاء في الوطن، وبين الناشطين الذين يختزلون الثورة في الأجندة الحزبية التي تكرس لانشقاقات عمودية حادة في المجتمع تجعل ذات المجتمع الذي نهض لثورة الخلاص يتنازل عن الحرية والديمقراطية لمستبد جديد مقابل الأمن والسلم الاجتماعي، والثورات ليست روايات مثالية تمضي إلى تحقيق شعاراتها دون منحنيات ومطبات، ولكن يبدو ان ثراء التجارب الانسانية التاريخية والمعاصرة لم يلهمنا الدافعية لتجاوز عبر واخطاء الماضي،وإدارة مهام الثورة الحالية بعبقرية وتجرد وطني حتى تستوي على دولة المواطنة والعدالة والديمقراطية المستدامة.

الثورات عندما تصل إلى طريق مسدود، تقتضي الحكمة الوطنية والعقلانية عمل مراجعات ومكاشفات مع ذات المجتمع الذي تصدى بجسارة لإنجاز الثورة، وهكذا تفتقت عبقرية الآباء المؤسسين للدولة الأمريكية، توماس جيفرسون، وجورج واشنطون، فما ان وضعت حرب التحرير ضد الإنجليز أوزارها والتي كانت في الفترة من 1775 إلى 1783 واجه الآباء المؤسسون للدولة الأمريكية ميراث العهد القديم من بنية مؤسسات هشة، ونظام اقتصادي شبه منهار، وحالة مجتمعية في غاية التشظي والسيولة، واتسع خرق الخلاف الوطني على الراقع إلى درجة أن أصيبت الحكومة الفيدرالية بالشلل والعجز الكلي، وبدلا من استمرار حالة الكسل الفكري دفعت الحكومة الفيدرالية الامريكية قرارا تاريخيا قضى بتعليق مهام الحكومة الدستورية،ودعت الشعب الامريكي إلى ثورة تصحيحية والتراضي على ميثاق وعقد اجتماعي لبناء الأمة وإدارة الدولة، وانتظم المجتمع الأمريكي بتنوعه وتناقضه كتلة واحدة في هيئة مؤتمرات من القاعدة إلى القمة حتى تكللت الثورة التصحيحية عام 1789 بالدستور الامريكي، وقد رأى علماء العلاقات الدولية تعليق نشاط مؤسسات الحكومة الفيدرالية، وتفويض المجتمع الأمريكي لاجتراح الحلول للأزمة الثورية أعظم قرار على الاطلاق في التاريخ الأمريكي.

إنقاذ الثورة السودانية من الاختطاف يتطلب أن تخرج غدا القيادة السياسية المدنية للحكومة الانتقالية، وتعلن بجسارة للجماهير المحتشدة فشلها في إدارة مهام الثورة الانتقالية، وتعليق الوثيقة الدستورية وحل مؤسسات السلطة الانتقالية، والدفع بخطاب فكري وسياسي ينهي حالة الاستقطاب والشيطنة الحادة الحالية وسط القوى السياسية والمجتمعية، ويعلي قيم التسامح والحوار البناء، وتفويض المجتمع للانتظام والتشكل دون تمايزات فكرية وسياسية، ودينية لإنهاء ذهنية (نحن صناع الثورة )و (هم ضد الثورة) واجتراح الحلول وإنقاذ الثورة من فخ الاختطاف، ويتطلب ايضا انقاذ الثورة السودانية إنهاء حالة التشقق الذاتي وسط النخبة السياسية وتداعي كل قيادات القوى السياسية الوطنية في هيئة مؤتمر وطني جامع للحقيقة والمصالحة هدفه التشريح والتحليل الدقيق والشفاف للأزمة الوطنية المتراكمة منذ الاستقلال واستكناه أسباب الفشل والتعثر في بناء المشروع الوطني الديمقراطي المستدام، والتأكيد على أن كل القوى السياسية الوطنية شريكة بمقدار في تعطيل مشروع البناء الوطني (ومن كان بلا خطيئة فليرمها بحجر)، ثم التوافق أن تكون ثورة 30 يونيو التصحيحية بداية واثقة لتشكيل الكتلة الوطنية الحرجة والعودة إلى منصات التأسيس الأولى وصناعة المشروع الديمقراطي المستدام بإرادة المجتمع، وبقيم الحوار والتسامح.

ومنعا للتشاكس والتناحر يجب أن تتوافق القوى السياسية على إسناد مهام ادارة المرحلة الانتقالية إلى كفاءات وطنية مستقلة شراكة مع المكون العسكري
ولكن إذا اختارت قوى الحرية والتغيير المعاندة والسباحة عكس مسارات التاريخ علينا استعادة الثورة بذات الإرادة الجماهيرية ولكل مقام مقال بإذن الله.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق