السودان: صديق البادي يكتب: من أين يستمد الحزب الشيوعي سطوته وسيطرته على الآخرين؟!

نشرت مواقع التواصل الاجتماعي والميديا الحديثة علي نطاق واسع أن عدداً من أعضاء اللجنة المركزية بالحزب الشيوعي وعلي رأسهم الأستاذ الخطيب سكرتير الحزب عقدوا اجتماعاً في الأيام القليلة الفائتة بأحد المنازل في ضاحية سوبا اللعوتة ونشر ما دار في الإجتماع بكل تفاصيله الدقيقة وما تخللته من ملاسنات واشتباكات بين عدد منهم ولم يصدر الحزب نفياً لما تم نشره وان التصريحات التي ظل يدلي بها بعضهم لأجهزة الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية وتباين الرؤي بينهم تتطابق مع ما نشر مؤخراً وإذا ثبت أن الإجتماع قد عقد فعلاً فالمؤكد أن من سرب المعلومات شفاهةً أو كتابةً هو أحد أعضاء الحزب الذين حضروا الاجتماع وقد تكون له أسبابه ودوافعه ومواجعه وهذا يعني أن الحزب مخترق بذات الطريقة التي ظل يخترق بها عدداً من الأحزاب عبر غواصاته فيها ( وكما تدين تدان ) .
وأقف هنا وقفات قصيرة عابرة عند عدد من المحطات القصيرة في مسيرة الحزب الشيوعي وأول حلقة للماركسية في السودان قد بدأت في شهر أغسطس عام 1946م وتحمل اسم الحركة السودانية للتحرر الوطني ( حستو ) وانضم عدد من الطلبة السودانيين الذين كانوا يدرسون بمصر للحركة المصرية للتحرر الوطني وبدأت تظهر أول حركة موحدة للشيوعية في السودان في عام 1947م وركز الشيوعيون في نشاطهم الحزبي علي التنظيم والمنشور السري والعمل وسط الفئات ( العمال – المزارعين – الشباب – النساء والطلاب ) وحدث انقسام بين مجموعة الأستاذ عوض عبد الرازق ومجموعة الأستاذ عبد الخالق محجوب وكانت الغلبة لهذه المجموعة في المؤتمر الذي عقد في عام 1951م ومنذ ذلك الوقت أضحي الأستاذ عبد الخالق هو السكرتير العام للحزب الشيوعي حتي رحيله عن الدنيا في عام 1951م . وشهد الحزب في مسيرته انقسامات عديدة ومنها ما حدث بين البلشفيك والمنشفيك والمؤسف أن بعض قيادات الرفاق كانت تشوه صورة كل من يخرج من الحزب بطوعه واختياره وتسعي لقتل شخصيته معنوياً والأمثلة عديدة وبعض من اختلفوا مع قيادة الحزب تركوه ودخلوا مع القيادة ومن حولها في حرب قلمية شرسة مثل الأستاذ صلاح أحمد إبراهيم .
وان قواعد العمال العريضة في كل أرجاء القطر ليس بينها إلا عدد قليل نسبته ضئيلة لا تذكر من الذين لهم عضوية في الحزب الشيوعي وتواجدهم أكثر في مدينة عطبرة . وينطبق هذا علي قواعد المزارعين العريضة في كل أرجاء القطر وعدد المنتمين للحزب الشيوعي قليل ونسبتهم ضئيلة ويمكن احصاء عددهم وحصر اسمائهم بكل سهولة ويسر ورغم ضآلة عدد هؤلاء واولئك علي المستوى القاعدي إلا أن الحزب الشيوعي في ستينيات القرن الماضي استطاع أن يكون علي رأس اتحادات ونقابات العمال والمزارعين ويقودها وكانت توجد شخصيات عمالية تنتمي للحزب الشيوعي وتتمتع بصفات وقدرات قيادية مثل الأساتذة الشفيع أحمد الشيخ وقاسم أمين ومحمد السيد سلام والحاج عبد الرحمن …الخ وفي حكومة اكتوبر في عام 1965م أختير الأستاذ الشفيع أحمد الشيخ وزيراً لشؤون الرئاسة ممثلاً لكل عمال السودان رغم عدم انتماء قواعدهم للحزب الشيوعي . وظهر بين قواعد المزارعين عدد من المزارعين كانوا ينتمون للحزب الشيوعي ولهم صفات وقدرات قيادية مثل الشيخ الأمين محمد الأمين والسيد يوسف أحمد المصطفي والسيد عبد الله محمد الأمين برقاوي والسيد عبد الله عديل والسيد حسبو إبراهيم وفي حكومة اكتوبر الأولي عين شيخ الأمين وزيراً للصحة ممثلاً عبر جبهة الهيئات لكل مزارعي السودان رغم أن المزارعين المنتمين للحزب الشيوعي يمكن حصر اسمائهم وإحصاء عددهم بكل سهولة ويسر ….. وكانت الدكتورة خالدة زاهر هي أول امرأة تنال عضوية الحزب الشيوعي ومن أوائل النساء اللائي انتمين للحزب الشيوعي دكتورة خالدة زاهر والسيدات الفضليات فاطمة أحمد إبراهيم ودولة محمد حسن ومحاسن عبد العال ونعيمة بابكر وخادم الله عثمان وقيام رابطة النساء الشيوعيات قاد لقيام الاتحاد النسائي في شهر فبراير عام 1952م وكانت الشيوعيات المشار إليهن آنفاً علي رأسه وفي واجهته وكل قواعد العمال والمزارعين والنساء لا توجد وسطها إلا قلة لا تذكر من المنتمين والمنتميات للحزب الشيوعي ومع ذلك استطاع أن يقدم تلك الكوادر لقيادة تلك الفئات أي أنهم كانوا جنرالات لهم قدرات وصفات قيادية ولكنهم كانوا بدون جيوش أي بدون قواعد لها عضوية عريضة في حزبهم .
وأهتم الحزب الشيوعي بالجانب الصحفي وكانت لهم نشرات سرية وأخري علنية وصحيفة الميدان هي الناطقة باسم الحزب الشيوعي . والابداع هو نتاج عصف ذهني وجهد ذاتي وينسب للمبدع . والحزب الشيوعي في حقبه المختلفة كان يولي اهتماماً للآداب والفنون وهذه حقيقة لا تنكر ويضم عدداً من الشعراء والأدباء والموسيقيين والمغنيين والمسرحيين والفنانين التشكيليين وعدد من الكتاب أصحاب المواهب والقدرات العالية وقيمة هؤلاء ترجع لعطائهم وليس للحزب. وكان الحزب الشيوعي يبعث عدداً من الشباب لحضور مؤتمرات الشباب التي تقام في عدد من عواصم دول المنظومة الشيوعية وكذلك كان يبعث عدد من النساء الممثلات للحزب في مهرجانات المرأة التي تعقد هناك وكان الحزب الشيوعي يحصل سنوياً علي منح دراسية جامعية وفوق الجامعية من دول المنظومة الشيوعية يختار لها مبعوثين من الطلبة المنتسبين إليه وأفادتهم هذه المنح وأفادت البلاد وتخرج من تلك الجامعات أطباء ومهندسون وقانونيون واقتصاديون …..الخ .. وكان الحزب الشيوعي قبل أن يصيبه الوهن والضعف يبعث كل فترة وأخري عمالاً ومزارعين لزيارة عدد من دول الكتلة الشرقية .
وفي سجل نتائج الانتخابات التي أجريت منذ أواخر عام 1953م وحتي الآن حصل الشيوعيون في دوائر الخريجين علي دائرة واحدة في انتخابات البرلمان الأول فاز فيها الأستاذ حسن الطاهر زروق وفي انتخابات دوائر الخريجين في عام 1965م حصل الشيوعيون علي ثمانية مقاعد وطرد النواب الشيوعيون بعد حل الحزب الشيوعي وتم الإبقاء علي ثلاثة آخرين ترشحوا تحت لافتات تتبع للحزب الشيوعي و لم يترشحوا باسمه صراحةً . وفي عام 1986م فاز الأستاذ جوزيف مديستو بدائرة واحدة في دوائر الخريجين بالجنوب ممثلاً للحزب الشيوعي أما في الدوائر الجغرافية فان الحزب الشيوعي لم يحصل علي أي دائرة جغرافية في الانتخابات التي أجريت في أواخر عام 1953م وكان وجوده صفرياً أيضاً ولم يحصل علي أي دائرة جغرافية في الانتخابات التي أجريت في عام 1958م وفي الجمعية التأسيسية الأولي التي أجريت انتخابتها في عام 1965م كان وجود الحزب صفرياً في الدوائر الجغرافية في نصف الدورة وفي النصف الثاني منها أجريت انتخابات تكميلية في أحدي دوائر مدينة الخرطوم بعد وفاة نائبها الشيخ محمد أحمد المرضي وتوزعت أصوات الاتحاديين الكثيرة في الدائرة بين عدد من المرشحين الاتحاديين واتاح هذا الفرصة لمرشح الحزب الشيوعي الأستاذ أحمد سليمان ليفوز وينال عضوية البرلمان لنصف دورة . وفي انتخابات الجمعية التأسيسية الثانية التي أجريت في عام 1968م فاز أثنان من مرشحي الحزب الشيوعي هما الأستاذ عبد الخالق محجوب والأستاذ الحاج عبد الرحمن وفي انتخابات عام 1986م فاز في الدوائر الجغرافية بمدينة الخرطوم نائبان شيوعيان هما الأستاذ محمد إبراهيم نقد ودكتور عز الدين علي عامر وهذا هو كل حصاد الشيوعيين في الدوائر الجغرافية في السبعة وستين عاماً المنصرمة منذ أول انتخابات عامة أجريت في أواخر مارس عام 1953م وهذا علي المستوي الاتحادي أما في المستويات الأخرى فليس لهم عضوية تذكر في المجالس الريفية والمجالس البلدية ( مجالس المدن ) والوحدات الإدارية فيما بعد ولم يكن لهم وجوداً يذكر في مجالس المديريات والمجالس التشريعية الولائية أو المحلية … ولإدراكهم أن عدديتهم محدودة اخذوا بدهاء يعملون من خلال التحالفات ويميلون للعمل من خلال الجبهات مثل جبهة الكفاح لمقاومة الجمعية التشريعية التي كونت في عام 1948م وكانت تضمهم ضمن آخرين وفي عام 1953م أقاموا الجبهة المعادية للاستعمار لاستقطاب آخرين وهي واجهة للحزب الشيوعي وأقاموا في الجامعات والمعاهد العليا والمدارس الجبهة الديمقراطية وهي واجهة من واجهات الحزب الشيوعي وتتحالف وتستقطب غيرهم . وبعد انتفاضة ابريل في عام 1986م وبدهاء يحسد عليه الحزب الشيوعي انخرط في تجمع ( سمك لبن تمر هندي ) ويجمع أحزاباً عديدة تحت مسمي التجمع الوطني الديمقراطي ويجمعهم برنامج أطلقوا عليه اسم برنامج قوى الانتفاضة وكان الحزب الشيوعي يمارس علي الآخرين الوصاية والأستاذية وفي آخر تشكيلة وزارية في التعددية الحزبية الثالثة كان الحزب الشيوعي شريكاً في الحكومة ويمثله الوزير الأستاذ أبو زيد محمد صالح ورغم أن الحزب الشيوعي كان شريكاً في الحكم إلا أنه كان مع ذلك يهاجم الحكومة في لياليه وندواته السياسية بل يستجوب رئاسة الحكومة ويتساءل من منصة الأستاذية لماذا تباطأتم في تنفيذ برنامج قوى الانتفاضة ؟!! وأعيد نفس المسلسل القديم الجديد الآن وأصبح الحزب الشيوعي هو القطب الذي يدور حوله الآخرون في قوي الحرية والتغيير وهو يمثل القوة الباطنية الفعلية الموجهة للجهاز التنفيذي هذا علي مستوي الباطن أما علي مستوي الظاهر فهو يتظاهر أحياناً بأنه أميل لصف المعارضة ليدغدغ عواطف الجماهير التي تشكو من المعاناة والغلاء الطاحن أي أنه يريد أن يجري ويطير في وقت واحد ويريد أن يأكل الكيكة ويحتفظ بها .
وان الوعي مرتفع وسط الشعب السوداني بكافة فئاته وكل حي من الأحياء بالمدن وكل قرية من قري السودان الدانية أو النائية فإنها تعج بأعداد كبيرة من المتعلمين والمختصين في شتي المجالات وكافة التخصصات مع الوعي المرتفع وسط العمال والحرفيين والمزارعين والتجار وليس هناك شي يميز الشيوعيين عن غيرهم وهم جزء من هذا النسيج وليس لهم تنظيم قوي فيه تسلسل هرمي وإمكانيات مالية ضخمة كالتي كان يملكها النظام السابق وقواعد الحزب الشيوعي يمكن حصر وإحصاء عضويتها بكل سهولة ويسر مع الاعتراف بوجودهم وحقوقهم الدستورية كأفراد وكحزب .ولكن الذي يدعو للحيرة والتساؤل عن كيفية قدرتهم علي تسيد المشهد ولعل من بين الأسباب هو الصورة الذهنية المتخيلة عنهم والتي تتعامل مع حزبهم كأنه بعبع مخيف ومن بين الأسباب هو تعامل الشيوعيين مع حلفائهم في قوي الحرية والتغيير بازدراء وتعامل هؤلاء معهم بانكسار وضعف تبعهما أحياناً احتجاجات عارضة ( ونقنقة ) تحت الأنوف !!

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق