أحداث الجنينة.. خوف من القادم

الاحداث التى شهدتها مدينة الجنينة بداية هذا العام عاد مشهدها مرة أخرى ليكذب ما يقال باستقرار الاوضاع الامنية بالاقليم الذى عاش أياماً سوداء مازالت ماثلة فى الأذهان، فهناك جهود تبذل للاستقرار ولكنها لا ترتقى الى طبيعة وتلمس الحقيقة ليتم الحسم بالصورة المطلوبة، فهناك عوامل كثيرة تتداخل منها تركيبة إثنية وقبلية وثقافية يقوم عليها الاقليم، وأصبحت من الركائز المهمة اخيراً وفقاً لما استجد من أعراف ومفاهيم لم يكن لها وجود بين المجموعات السكانية الاجتماعية والمجتمعية، وباتت هى الجذع الذى يستند اليه بمفهوم المكون القبلى والعشائرى والاثنى، ليضيق ذاك الماعون الواسع المتسع والممتد الجذور لقرون فى تناسق وتناغم، ويمكن القول بالقضاء على تحركات الحركات المسلحة وتحجيم ادوراها السابقة، الا ان الاحتقانات القبلية رغم مؤتمرات الصلح التى انعقدت هنا وهناك واعلنت فيها تسويات الصراعات والنزاعات، برهنت انها إجراءات مؤقتة لم تتلمس فيها حقيقة الخلاف والصراع، فجاءت المؤتمرات مسكنات ظاهرية ومظهرية للازمة والنار تحت التبن تشتعل .
اليوم بالجنينة تعود الصورة البشعة لتحتل مساحة عريضة وتسقط أنفس بين قتيل وجريح، ويضطرب الوضع الأمنى وتختل الكثير من الموازين، والارض الهشة تزداد هشاشة وتزيد التباعد وتولد التباغض وتجعل من المنطقة ارضاً ملتهبة، وتزداد المخاوف اكثر وتزيد الوضع المعقد تعقيداً بحجم ترسانة الاسلحة والذخيرة المتوفرة بالأيدى دون ضوابط واحترازات، لتساهم فى شدة الصراعات الآنية والخوف من القادمة التى تلوح تباشيرها فى الأفق، والتلكؤ الذى نراه فى محادثات السلام دون أيما تقدم ملموس فى هذا الملف، بل كل ما يصدر ويلوح يتنزل احباطات على المواطن الذى طال انتظاره وصبره سواء للحركات المسلحة أو الحكومة، واطراف النزاع تجرجر قدميها فى بطء متناهٍ، فقدم بالداخل والأخرى بالخارج، لتسهل عمليات الانسحاب والخروج او لتستخدم كرتاً للضغط والمكسب، وهى لا تستشعر المعاناة التى تعيشها المعسكرات وقاطنوها من النازحين واللاجئين، والمواطن بالمدن بين ترقب وترقب، ويطوله التفلت فى داره ومتجره وعمله، والسلام البند الأساس الذى تنبنى عليه كل المسائل الاخرى، فلا تنمية بلا سلام ولا حرية بانعدام السلام والعدالة، ونحن نفتقر ونفتقد السلام، فاحلال السلام حلم كل نازح ولاجئ ومواطنى الداخل، ولكن من واقع ما يجرى تبدو المسافة بعيدة ليصبح حقيقة ملموسة، فبقدر ما يكون التقارب تعود الخطى لتتباعد فى اتجاهات متعاكسة، وتزداد الشقة بين الفرقاء وتتسع .
أخبار الصراعات بالجنينة تنذر بالخطر وأن أياماً حالكات ستجتاح المنطقة لتقضى على الاخضر واليابس، وما تم من مصالحات ما هى الا مسكنات وحلول مؤقتة اريد بها حفظ ماء الوجه للقيادات التى زارت المنطقة وتدخلت لحلحلة قضاياها الشائكة، ولم تكن هناك معالجة حقيقية للمشكلة، ونسارع دوماً بإعلان الصلح والمصالحات دون معالجات لجذور القضايا والاشكالات، اكتفاءً بالجانب المظهرى بقيام مؤتمر او ملتقى تتم فيه توقيعات وايادٍ تتشابك وتتصافح فى فتور وبرود، وصور تذكارية تلتقط وابتسامات جوفاء وبلهاء وصفراء، لتعود الدائرة قبل ان يجف المداد الذى تم التوقيع به، كأن لم تكن هناك مؤتمرات قد عقدت او قرارات وتوصيات قد رفعت، وتبقى العملية برمتها متأرجحة تؤكد حقيقة ان هناك من يتاجر و (يسمسر) بها، وهناك من له مصلحة بأن تبقى الأوضاع على ما هى عليه.. إذن الى متى نظل فى هذه الدوامة بتنوع مواقعها وتوزعها وتعددها، لتشغل الرأى العام بين ابيض واسود، وطالما ان القرارات والقوانين تصدر ولا تفعل فستبقى الأزمات.
محمد المختار عبد الرحمن
صحفي،  وباحث في التراث

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق