السودان: العيكورة يكتب: خريفٌ الفرح الذي كان

بقلم: صبري محمد علي (العيكورة)

لماذا كانت دائماً تأتينا الأمطار ليلاً؟ لا أدرى ولكنها السمة الغالبة فى موسم الخريف تُمسي القرية تحت برق بعيد يترآي من إتجاه الجنوب الشرقى ثم تُصبح وقد أمطرت ماءاً غزيراً وخيراً دافقاً فيصبح يوماً جديداً كله غبطة وإرتياحاً فى نفوس الناس رغم ما يصاحبه من تعطل حياتهم فقد لا يذبح الجزارون ولا يتمكن الخضرجية من الاتيان بخضارهم ولن يأتيهم السيد ود القاش ولا الجقر من دلوت عبر مشرع اللحيمرات ولا تُجد النسوة حطباً ناشفاً حتى (يعُسن) الكسرة ويسوين (المُلاح) والمُلاح كما عرّفة البروفيسور عبد الله الطيب فى كتابه حقيبة الذكريات (هو إيدام يصنعه أهل السودان أعلاهُ اللحم وأدناهُ الماء وبينهما ضُروبٌ من الخُضر) فجمع فى جملته بين لحم (السّلات) المسبُوك و الكسرة بالموية ، فكانت تتعطل حياتهم لا تدب فيها الحياة إلا بشروق الشمس ، بعدها يُقررُ الراعي إن كان (سارحاً) أم لا وتشتعل نيران (التكلة) شيئاً فشيئاً مع حرارة الشمس وجفاف الحطب تُعطرُها نسمة الحشائش الباردة وضوء الشمس الخجول و صوتُ خرير المياه المتسابق نحو الغابة والبحر و(البحرُ) مُفردة اعتادها أهلُ السودان و الجزيرة عموماً إطلاقها ويقصدون بها النيل ، حقيقة بساطة القرية وجمالها لا يوصفُ بعد ليلة ماطرة فلا يمكن لجيل اليوم أن يستوعب كيف كان عليلُ الهواء والخُضرة والطيبة إذا قلنا أن (العيكورة) كانت بساطاً أخضراً من الديباج توزعت عليه غُرفٌ من الجالوص وزرائب الانعام ، إذا قُلنا أن أعلى قمة كانت هى المسجد ودواوين الطوب الأحمر ، إذا قلنا أن بين كل زريبة وزريبة غرفة طينٍ وحشائش ودجاجات تسعى بصغارها إذا قُلنا أن الناس كانوا لا يبيعُون اللبن ولا يتناولون طعامهم فى بيوتهم أفراداً ، إذا قُلنا أنه كان بمقدورك أن تأتي بالملوخية والطماطم (البروس) من الغابة والسمك من خيرانها بعد أن ينقطع مسيرها الى النيل ، إذا قلنا أنه كانت الاسر تكتفى بقريتها لا تعرف الأسواق الاسبوعية إلا نادراً . ومن له أرض (بلدات) غرب الحلّة يُسارعُ بزراعتها بالذرة و يحصدون الخير الوفير . إذا قلنا فى الخريف تقرأ الفرحة والانشراح فى كل شئ حتى فى عيون البقر الكحيلة وخوارها الحامد للشبع و حتى شقشقة العصافير لها صوتٌ آخر ، و طائرٌ أبيضٌ جميل ياتينا مُهاجراً فى أسراب يُصادقُ الابقار يعتليها تارة و يتقدمها تارة أخري وهى ترعى الحشائش بجوار طاحونة توفيق حمّاد ، كُنّا نسمية (طير البقر) وكنّا نُغنى له عندما نراه راحلاً فى السماء (طير البقر حننى وبحننك) ونمدُ له اصابعنا ثم ننظر الى أظافرنا بأن بها نقطة بيضاء هى (حنّة) طير البقر هكذا كُنا نتخيل ونفاخر بصداقتنا مع هذا الطائر الجميل ، أسراب طير (الرهو) الراحلة شرقاً فى إتجاه قرية (دلّوت) كُنا نُعرفها جيداً نغنى لها بعد سماع صوتها .
أظن سر تأثرنا بالطبيعة ومراقبتنا لكُل ما يدور حولها من حرٍ وسمومٍ و أمطارِ وشتاء يُعزي لعدم دخول الكهرباء حينها ولذلك فلا (تلفاز) ولا مُلهيات تمنعنا من تتبع دورة القمر ولا حركة السُحب ولا الغبار الأحمر القادم من جزيرة (الغتّاسة) بالنيل ولا هجرة الطيور ولعل ذلك كان له دور كبير فى أن شخصيات ذلك الجيل كانت راسخة وغير مهزوزة وصوتها عالٍ فى إبداء الراي و ما أكثر المواقف ، عصام عبد المطلب كان بالابتدائئ كثير الجدال مع الاستاذ فى (الفتاشة) الاسبوعية هكذا كُنا نُسميها (فتاشة) عندما نحسرُ الجُلباب أمام المُعلم ليتأكد من نظافة (السروال) كان عصام يرتفع صوته بلا لجلجة أن سرواله نظيف ولكنه (شربان) من ماء التُرعة !
كانت ذات الزرائب هى ما يرفدُ الكمائن بكميات مُعتبرة من (الزبالة) لاعداد الطوب الأحمر وما يتبقى يدخرة الناسُ للخريف ، كانوا يحسبون كل شئ بدقة مُتناهية ولا يعيشون حياتهم بلا ارقام يحتاطون بالويكة قبل إنعدامها ويدخرون محاصيلهم قبل إرتفاع سعرها و يُجددون أسوار الزرائب عندما تزدهرُ أشجارُ السُنط ويتفقدون مجاري المياه و(سباليق) البيوت قبل الخريف ويضيفون لبيوتهم طبقة من روث البهائم المخلوط بقش القمح قبل حلول الخريف (خطوة هندسية) ليس عليها غُبار ، سبق لى أن حضرتُ دورة هندسية عن تسليح التربة بنسيج من البلاستيك حتى تكتسبها خاصية التماسك ومقاومة التعرية هى ذات ما كان يفعله أهلنا بقش القمح والزبالة والطين تؤدي ذات الغرض و بجدارة ، كان الخريفُ لهم بمثابة علم الفلك والهندسة والمساحة وكلها بالعين والمُمارسة وما سمعوه تواتراً عن أبائهم (الجّراية والطُرفة والبكّاية) كُلها أسماء لفواصل المطر يعرفونها جيداً .
كنتُ فى مرحلة ما قبل المدرسة عندما أيقظتنى أمى (رحمة الله عليها) ذات ليلة داهمتنا فيها الأمطارُ ونحنُ نياماً إستيقظت أمي على صوت المطر عندما تطاول الهطول ولعلها سمعت تهدماً من خارج غرفة الجالوص التى تؤينا وفى غياب الوالد (رحمة الله عليه) فى عمله ، أشفقت من إنهيار البيت فأيقظتنى أن أذهب معها لمنزل عمي عبد الرحمن (رحمة الله عليه) ليتفقد البيت فخرجنا تمسكنى بيدها والكشاف باليد الأخري نتعثرُ سوياً تحت المطر ، لم يكن بيته بعيداً فجاء معنا تفقد خارج البيت وداخله وطمئننا بأن الأمر بسيط تساقطٌ لبعض طبقات (الزبالة) عن الجدار . حقيقة هذا الموقف ظلّ محفوراً فى ذاكرتي كل ما تقدم بي العمر تعلمتُ منه درساً جديداً أهديه لك من تحدثه نفسه أن (يرفع) صوته أمام والديه ، سُئل الامام الشافعى أيتخاصم الرجل مع أبويه؟ قال ولا مع نعليهما . فاللهم أرحمهما كما ربيانى صغيرا .

قبل ما أنسي : ـــ

إحتسبت (العيكورة) الاسبوع الماضى رجلين من خيرة شبابها المغفور لهما بإذن الله تعالى الأستاذ إبراهيم عبد السلام يوسف والزميل والدفعة الصديق محمد عباس (ود الخليفة) ولا نزكيهما على الله فالاول كان رجل عمل عام وخدمة لأهله و قل أن تخلو قائمة لجنة طوعية من إسمه والآخر كان رجلاً سمحاً طيباً ذو طرفة ومُلحة ما جالس قومٍ إلا وأدخل عليهم الضحكة والسرور ،
اللهم إن إبراهيم وصديق فى رحابك وأنت الغني عن عذابهما وهما الفقيران الى رحمتك ، اللهم فأكرم نُزلهما و وسع مُدخلهما وأدخلهما الجنّة بغير حسابً ولا سابق عذاب وأجعل اللهم البركة فى عُقبهما وذُريتهما (إنا لله و إنا اليه راجعون) .

الجمعة ٢٤/ يوليو ٢٠٢٠م

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق