التشرد..انتهاكات الطفولة في الطرقات

تحقيق: بدور آدم

تحقيق: بدور آدم
صورة مؤلمة لأطفال عصفت بهم رياح التفكك الأسري والأوضاع الاقتصادية والاحتراب، الى الطرقات والشوارع، ليواجهوا رغم أجسادهم النحيلة عواصف عاتية تلفح بطونهم الفارغة، وتنتزع براءتهم لتحيلهم الى كائنات مشوهة تنتظر مصيراً مجهولاً ومحفوفاً بالمخاطر في براثن الجريمة العنف، وأخطر ما في تلك الصور ان صارت جزءًا من مكون العاصمة، يراهم الناس يومياً وهم يمسحون زجاج السيارات في بؤس شديد، وفي هجير لا تطيقه حتى الفارهات المكيفة، بعضهم يفترش الأرض من فوقها ومن تحتها، والأخطر من ذلك كله ان صارت هذه المشاهد (طبيعية).. (الإنتباهة) ومن خلال جولة واسعة في طرقات الخرطوم رصدت ظاهرة التشرد والتي تتستر احياناً بين التسول وبيع المناديل.
حكايات مأساوية   
في قلب مدينة ام درمان، وفي محطة الشهداء تحديداً، تبدو الصورة قاتمة لأطفال متشردين تتراوح أعمارهم ما بين (8-11) سنة وهم يتحلقون حول مكب قمامة كبير، بعضهم يتصارع والبعض الآخر يبحث عن لقمة في تلك النفايات، والبعض الآخر يملأ فمه بقطعة قماش محشوه بالسلسيون، وبالتأكيد فانه غائب عن الوعي، مجموعة أخرى بالقرب من مستشفى آسيا يبحثون في بقايا الطعام هناك لقرب أماكن بيع السندوتشات السريعة والمطاعم.
ينتشر أطفال الشوارع على تقاطعات إشارات المرور في الخرطوم بصورة كثيفة , إما انهم يحملون قطع قماش يمسحون بها زجاج العربات أو يحملون مناديل لم نتمكن من معرفة من وظفهم في هذا الهجير، ايضاً لاحظنا وجود مجموعة كبيرة منهم تحت نفق السوق المحلي بالخرطوم، وعندما يظلم الليل يتحول هؤلاء الصغار الى فوق الجسر ويلتحفون حواف وجنبات الكبري ثم يواجهون ذات المصير في الصباح.
تغير النظرة
جمعية صباح واحدة من منظمات المجتمع المدني التي تهتم بقضايا التشرد ولها اجتهادات واضحة، وتكثف جهودها الذاتية لتغير نظرة المجتمع للطفل المشرد، وترى ان المسئولية تجاه هذه القضية تضامنية على أن تتولى الدولة النصيب الأكبر فيها، وقال رئيس المنظمة خلف الله اسماعيل لـ(الإنتباهة) انهم توصلوا الى أن معظم الأطفال المتشردين الذين جاءت بهم ظروف الحرب للعاصمة وأصبحوا يتجولون داخل طرقاتها معتمدين على بقايا الطعام، للحفاظ على حياتهم. وتناول إشكالية تمويل مشروعاتهم ومحاولة إقناع هؤلاء الأطفال لدخول دور الإيواء وبناء الثقة بين الطرفين، منوهاً الى ما يتعرضون اليه من مخاطر وإصابتهم بالعديد من الأمراض، موضحاً ان لهم مركزاً يستقبل يومياً أكثر من (80) طفلاً يومياً، مما يتطلب توفير احتياجات يومية وبتكلفة عالية جداً.
معالجات محدودة
وكشف خلف الله، عن معالجات محدودة تمثلت في تصنيف الأطفال حيث اتضح رغبة الكثيرين منهم في التعليم والتدريب المهني وإعادتهم لذويهم، إلا انه قال هناك بعض الصعوبات تواجه هذه المعالجات في وجود محاضن آمنة لهم وتغير نظرة المجتمع لهم وقبولهم للتدريب في الورش المختلفة، وشكا رئيس المنظمة من عدم وجود إرث علمي او دراسة أو نهج واضح للسير عليه، مما جعلهم يعملون لسد الفراغ بالاجتهادات.
القسوة الزائدة
اختصاصية علم الاجتماع رانيا محمد تناولت القضية بصورة كلية, وقالت لـ(الإنتباهة) ان التشرد يعود الى أسباب كثيرة منها الأسباب العائلية مثل التفكك الأسري، والعنف الأسري من خلال القسوه الزائدة على الطفل، والتمييز بين الأبناء مما يثير الغيرة بينهما، والشعور بعدم الاهتمام العاطفي للطفل، وعمل الوالدين مما يؤدي لعدم الرقابة الاسرية. وقالت هناك اسباب اجتماعية تتمثل في الظروف الاقتصادية الصعبة وعدم توفير احتياجات الأطفال، بالاضافة الى الحروب والنزاعات التي يمر بها البلد، وأشارت رانيا الى قضية التسرب المدرسي وصعوبة التعليم والبيئة المحيطة بالطفل، اضافة الى أسباب تتعلق بالأطفال أنفسهم وتتمثل في حب التملك والاستقلالية.
كما وضعت الاختصاصية الاجتماعية المشكلات الأمنية واحدة من أسباب التشرد ، وعزت ذلك للخوف وعدم الإحساس بالأمان لدى الطفل، وقد ينتج عن ذلك مشكلات سلوكية وعناد وعبارات وأسلوب مكتسب من الشارع، اضافة الى أسباب متعلقة بالأطفال أنفسهم وتتمثل في حب التملك والاستقلالية فيخرج من أجل الحصول على العمل بدافع الاستقلال وتحقيق رغبته في العمل والتحرر والهروب من القيود الأسرية والشعور بالإحباط.
انفجار العاصمة
لم تكن إشكالية التشرد بعيدة عن النزاعات المسلحة التي شهدتها بعض المناطق بالسودان، اضافة الى الجفاف والتصحر، الأمر الذي جعل هناك هجرة عكسية تجاه العاصمة، والتشتت حول أطراف العاصمة نزوحاً وسكناً عشوائياً, وهذا أدى الى انفجار سكاني بالعاصمة وتفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وزيادة معدلات الفقر.
خطر التشرد
تنظرالدولة لهذه القضية بعين الاعتبار، هذا ما قاله المدير العام لوزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم الاستاذ معتصم السيد هاشم ، موضحاً ان لديهم ادارة خاصة بالتشرد والمخاطر التي تواجه الأطفال، وقال لـ(الإنتباهة) هذه الظاهر تشكل خطراً على الأطفال لانها تعرضهم الى للإدمان والتسرب الدراسي والانحراف السلوكي، وبالتالي ضرب المجتمع ككل، كاشفاً عن إرجاعهم لأعداد كبيرة من الاطفال لولاياتهم التي تأثرت بالحرب والنزوح، اضافة للتعاون مع ديوان الزكاة لتوفير آليات زراعية تساعدهم في الاستقرار. وحول المعالجات التي وضعتها الوزارة قال: نفذنا عددا من المعالجات النفسية والاجتماعية والإدارية والفنية والسياسية وذلك من خلال دور إيواء خاصة بالمتشردين مثل مركز طيبة لإعادة تأهيل الأطفال اضافة الى مركز في مدينة أم درمان ومركز بشائر لتأهيل المتشردات نعمل على تأهيل الطفل من ناحية نفسية واجتماعية ودمجهم ولم شملهم.
مع العلم ان الدار مكان إيواء مؤقت وليس دائماً, وقال لديهم وحدة لعلاج الإدمان في المركز لعلاجهم وإعادة تأهيلهم  للصورة الطبيعية والنهائية، وكشف عن وجود ورش وبرامج ترفيهية تهتم بالمهارات الفنية والثقافية، وتمليكه حرفة تعينه على مجابهة الحياة ومن ثم نملكه مشروعا انتاجيا تتم متابعته، والآن انشأنا مدينة الخرطوم الاجتماعية لرعاية الطفولة وهي تعمل عملا ضخما جداً يوجد بها مجمعات ضخمة خاصة بالمتشردين والمرشدات تقدم خدمات لشريحة المتشردين وفاقدي الرعاية الوالدية يتم عمل اختبارات في دور الإيواء بعدها نقلهم الى  مستوى أعلى من التأهيل في المدينة الاجتماعية، هناك نركز على التأهيل النفسي البسيط والدمج السريع. وما يخص الإدمان والسموم نعمل اختبارات فردية وهو جهد جاء في اطار تحول الوزارة من دور الرعاية الى دور التنمية لذلك أنشأنا مدينة الخرطوم الاجتماعية كمجمع يقدم الخدمات التأهلية والاجتماعية.  واختيار شرائح خاصة مؤهلة للمساعدة في عملية التنمية، وتوجد أكثر من 14 ورشة تدريبية في التبريد والتكييف في الميكانيكا والصحة والجلود وفي المياه الكهرباء والسباكة وفي الالكترونيات والمنسوجات والتصنيع الغذائي للبنات وورش كوافير أيضا نعلمهم الحياكة، و بعد التخرج من الورش التدريبية يلحق بالورش الإنتاجية تنتج وتبيع في السوق وبعد أن نطمئن على المبيعات في السوق، يتم فتح محل تجاري واكد ان هناك عددا كبيرا من المتشردين  اندمج وانتقل من انسان متشرد الى انسان منتج ولدينا شراكات واتفاقيات فنية مع المنظمات ومفوضية العمل الطوعي الإنساني توقع من خلالها مذكرة اتفاقية فنية وطنية بين المنظمة والوزارة المختصة.
وحول عمل المنظمات في مجال الأطفال المتشردين، قال معتصم ان المذكرات التفاهمية بين تلك المنظمات والوزارة تاتي لضمان عدم عمل أي منظمة خاصة عندما تقوم باستقطاب المتشردين من الشارع وتقدم لهم سندوشات وتلبسهم وتغني لهم وتذهب بهم لحضور مباريات كرة القدم أو أمسيات فنية مع كبار الفنانين، وهذا العمل قد يأتي بنتائج عكسية عندما تراه الاسرة قد لا تقبله مرة اخرى وساعتها لن نكون جزءا من الحل، لذلك نرفض عمل أية منظمة قبل التوقيع على مذكرة فنية مع الوزارة المختصة، ومن شروطها أن يكون المشروع موافقا للاستراتيجية الكلية لمحاربة التشرد في الوزارة حتى نطمئن أن الأهداف الكلية طبق الأهداف المعلنة بالوزارة، ونمنع أي منظمة من ممارسة عملها بدون دراسات فنية، وبعد موافقة مفوضية العمل الطوعي والإنساني والوزارة المختصة ووزارة التنمية الاجتماعية ومن شروطنا ان تكون هناك قناعة تامة بتوجه المنظمة الاستراتيجي، وأن يكون سجلها نظيفاً، ولا توجد به مخالفات.
الأطفال هم جيل الغد بلا شك وهم يمثلون تقدم المجتمعات، فالتركيز على قضايا الأطفال والحرص على عدم انتهاك حقوقهم التي وضعها لهم الإسلام من الأشياء التي تدل على تقدم المجتمعات وتطورها ، فوجود اطفال متشردين يدل على انهيار المجتمع وانهيار الأسرة فيه. فالطفل هو ثمرة الزواج، ولكن الزواج الناجح هو من يجعل الطفل يعيش في أسرة سوية وصحية مليئة بالحب والمودة لأبنائها.  فمعرفة تربيتهم وتعليمهم ورعايتهم ورقابتهم بصورة جيدة غير منفرة أو مضرة هو الأمر المنشود من المجتمعات ككل. فعندما نجد بعض الأسر المقصرة في حقوق الطفل وتزج به الى الشارع هي أسرة مجرمة في حق هذا الطفل, ويجب وضع قانون لا يسمح لأي اب أو أم أن تصل الأسباب بينهم لترك الطفل أو جعله ضحية مشكلاتهم فلابد لكل أم أو أب أن يكون مستعداً لتكفل طفله في المستقبل وقدرتهم على احتوائهم حتى يعيشوا بصورة طبيعية سوية، فتأهيل الزوج والزوجة شيء مهم جدا قبل الشروع في إنجاب اطفال, كما أن توفر العمل المناسب للإنفاق والكفالة أيضا من الأساسيات قبل كل خطوة، فيجب أن تتوافر هذه الأشياء حتى لا يكون أطفالنا عرضة الى التشرد وضياع المستقبل ونحتاج الى الترابط الأسري والترابط الاجتماعي حتى يكتمل نسيج المجتمع.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق