السودان: سليمان الماحي يكتب: حكاية القحتكوم

الزول  يتمتع بشخصية  ذات قسمات صارمة .. ونفس متسامية  .. منحه الله بسطة في الجسم .. يفهم معتقداته فهما  واعيا .. لا يتعصب لارائه. . يجادل ولكن بالتي هي أحسن .. يكون محل احترام  أينما جاء وأينما ذهب .. حين يمشي في الأسواق يكون محط أنظار الجميع .. نال قسطا وأفرا من التعليم ما أهله للإدلاء بآراء  مقنعة وحجة دامغة
في تلك الأمسية ظل مستيقظا .. ساهرا لا يأتيه النوم  البتة .. بعدما سيطرت عليه القحتكوم .. وهي حالة نفسية  وليدة القلق والخوف من مصاعب الحياة .. وهي في الغالب تكون مصحوبة  بقشعريرة من الرأس إلى أخمص القدمين ..وتصدر عنها زفرات مصحوبة بالأنين تجعل الزول أشبه بالثور الهائج  .. لقد سعى الزول للتخلص منها رغبة في العودة لممارسة حياته بصورة طبيعية .. لكن محاولاته كلها باءت بالفشل .. ذات مرة عندما سمعت  زوجته زفيره ليلا استيغظت من نومها منزعجة وتوجهت اليه تسأله ..
في شنو يا زول ؟
حين لم  تعثر على الرد منه انصرفت  بهدوء .. لكنها ما فتئت مشغولة به كحال كل النساء  فعندما ينشغل الأزواج تساورهن المخاوف بأن امراة أخرى في البال .
عند الفجر اذ رفع الاذان  عبر ميكروفون المسجد الذي يعمل بالبطارية .. نهض الزول من الفراش.. وأوقد الشمعة التي ظل  يحتفظ بها لمواجهة مشكلة انقطاع التيار الكهربائي المتكرر وأثناء توجهه على ضوئها الى المغسلة ليتوضأ  تذكر انقطاع الماء لأكثر من شهر .. فلجأ للتيمم .
بعد شروق الشمس ارتدي بنطالا أزرقا مع قميص أبيض  ورش على نفسه عطرا يحتفظ به للمناسبات السعيدة ثم  تأبط حقيبة سوداء منتفخة بما تحوي من الملفات والأوراق التي تشرح حالة القحتكوم  وقبل مغادرة المنزل طلب من زوجته ان تصنع له كوبا من الشاي بالحليب لكنها اعتذرت بحجة أن أنبوبة  الغاز فارغة منذ الشهر الماضي ثم ان بائع اللبن توقف عن الحضور لعدم حصول منه على مستحقاته لأيام عديدة .
لم ينتظر الزول طويلا فغادر المنزل مهموما بظروفه المعيشية وحالة قحتكوم وحين وصل موقف الحافلات كان خاليا حتى من الجمهور  فسأل شابا كان يتواجد في المكان عن السبب فرد عليه ..
– لعدم توفر البنزين
–  أنا مستعجل لانه عندي قحتكوم
– تقصد شنو لم أفهم ما تقول
المهم ما في  ركشات ؟
– ما قلنا ليك البلد فيها أزمة البنزين هل الركشات تتحرك بالهواء.
تدخل شخص آخر سمع ما دار بينهما
–  بالمناسبة  قحتكوم هي ( قزازة عرقي)  طيب ليه هو خجلان طالما أن الخمارات مفتوحة  .
تنهد الزول بعمق وتمتم قائلا : ( عالم وقح ) . ثم تحرك راجلا في شارع  يعج بالمارة من الرجال والنساء والأطفال يبدو أنهم يسرعون الخطى ليجدوا لهم موديل قدم في  الصفوف .
في مجمع المقاهي انفتحت شهية الزول ليشرح للناس حالة القحتكوم التي يعاني منها  فاتخذ مقعدا وسطا يجعل الناس تحت بصره وسمعه .. ثم احتسى فنجان قهوة لزوم التهدئة .. وحين  مسح المكان ببصره رأى العديد من السيارات والدراجات النارية والهوائية وعربات الكارو التي تجرها الحمير والخيول  وقد تركها أصحابها متوقفة لزوم الجلوس في المقاهي لاحتساء الشيشة والقهوة والشاي .
صعد الزول الى الكرسى الخشبي  ثم نادى بصوت متحشرج
يا ناس .. يا ناس أنا في انتظاركم
في البدء لم يستجب الا القليل  من الناس وعندما كررها مرات ومرات خيم الصمت على المقاهي  واتجهت الأبصار اليه ومع مرور الوقت توسعت الحلقة رويدا رويدا ..
وفجأة توقف رجل يحمل أنبوبة غاز فارغة لكنه واصل السير باحثا عن الغاز
بينما استمر الزول  يحدث الناس عن معاناته مع حالة القحتكوم  .
ومر فتى وفتاة  من طلبة الجامعة بالقرب منه  فقالت الفتاة
عصومي قف نشوف الزول عنده شنو
لكن عصومي اعتذر  بحجة أن لهما موعدا مع سوسن وزميلاتها لشرب قهوة بمزاج على شاطيء النيل  .
وفي مكان غير بعيد توقفت حافلة يتزاحمون الركاب بداخلها  ومدوا أعناقهم عبر نوافذها ليستوضحوا  ما يجري في المكان وان ظن بعضهم انهم جمهور ينتظر  توزيع مواد غذائية أو غير ذلك .. فسألت مجموعة من الركاب  شابا يتصفح جريدة عما يجري غير انه لم يكلف نفسه بالرد عليهم  وقالت امرأة تخفي وجهها بثوب يا رجال تعرفوا داية معاي البتول وجعها حار وقالوا المستشفيات مقفولة.
وصاح شخص اخر بأعلى صوته ..
من فضلك قولينا عندك شنو نحن  ورانا صفوف طويلة
وبينما الناس يتطلعون الى الزول الذي يحدثهم عن  القحتكوم دخلت الحلبة عربة كارو يجرها حمار ويقودها رجل يرتدي ثيابا رثة وحذاء مهتري و من غير استئذان يسأل قائلا ..
يا ناس داير عليقة للحمار من أمس ما أكل
نظر الناس الى صاحب الكارو باستغراب وقال لشخص بانفعال شديد  يا زول كده نأكل نحن وبعدين حمارك ثم طلب منه مغادرة المكان  فورا ويبدو أن ذلك الموقف استفز الحمار فرد عليهم بالنهيق مرات ومرات  .
وفي تلك اللحظة  رأي الزول ان من واجبه ان يستعرض أمام الناس  القحتكوم كحالة نفسية بناء على المعلومات التي في حقيبته  فنزل من الكرسي الخشبي وتوجه الى الحقيبة السوداء لكنه بحث عنها فلم يجدها فقال يا ناس الحقيبة كانت هنا ..  حين تأكد من سرقتها صعد إلى الكرسي الخشبي وصمت لحظة ثم تحدث الى الجمهور :
من سرق الحقيبة أيضا يعاني من  حالة القحتكوم ..

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق