غرب دافور .. عبثية القتل والموت

رصد : محمد المختار عبد الرحمن
فى الصباحات الباكرة من سويعات ذاك اليوم بقرية مستري غربي الجنينة خرجت )التومة) من قطيتها وهي تمسح بيديها باقي ملامح النوم من عينيها ، ليلة البارحة ليلة ليست ككل الليالي فقد أرقها النوم وجافاها حتى ساعات متأخرة وهي تتقلب على فراشها ، تتسمع الأصوات وتتبع نباح الكلبة الذي كثر هذه الأيام فهي ترى ما لا تراه (التومة) وأنفها الدقيق ينقل اليها روائح الغرباء الذين لم تألفهم القرية ولذلك تكشر عن أنيابها وترفع عقيرتها بالنباح لتطرد الأشباح والخيالات ، التومة ما زال في عينيها باقي نوم يا ليت الليل يمتد وجسمها النحيل أضناه الخوف والترقب مما يحكى من أخبار ومما تسمعه عبر الريح القادمة لأصوات الدانات وطلقات الدوشكا ، يعتصر قلبها الهم والخوف والعام الماضي ارتحل رفيق دربها بصورة تراجيدية ما زالت محفورة في مخيلتها ما بقي منها إلا الذكريات، ودعها صباحا ليلحق بالبقيرات(والمعيزات)  ليسقيهن بالعد ويعود لتناول الفطور الذي تركها تعده له ولها ولصغيرهما (وللغاشي والماشى)، هكذا بدأ يومهما بصباح مفعم بالأمل وتحقيق الأماني والصغير بينهما يلهو ويلعب قرة عينيهما ، يملأ قلبيهما الفرح والسرور والحب ، هي تسرع في صنع الطعام وهو يحث الخطى تباعا ليلحق بالغنيمات يغمره الرضا ولا يعكر صفو حياته شيء الا ما يسمع من أحداث وما تأتيه من أخبار تزكم الأنف وتسد النفس ويحزن القلب وينفطر ألما ، تمضي به الرؤيا لما وراء الحجب وهو يحث الخطى بين (الجقلو وشجيرات القزقز) يتفادى الحفر والشوك ببراعة وتطل عليه من بعيد صفحة الرمال البيضاء الراقدة على مجرى الوادي ، كثيرون سبقوه فقد بكروا سقاية لأغنامهم حتى رأى أغنامه مجتمعة حول شجيرة تمضغ  وريقاتها ، ناداها بأسمائها وألقابها رفعت رؤوسها تشمشم ريح الفضاء وهي تتلفت بحثا عن صوت صاحبها ، إلفة ومودة تربط بينها وبينه فاستجابت لندائه يملأ ثغاؤها أطراف الوادي حتى تجمعت حوله وبقي في وسطها يتفقدها واحدة واحدة حتى تأكد من وجودها مجتمعة وعندما نزل من الجرف الى بطن الوادي تبعته الغنيمات فملأ لهن (التبريك) وجئن خفافا ليشربن ، لحظة خاطفة مرت كلمح البرق وزخات الرصاص تملأ ارض العد لتتساقط أجسادا بلا حراك ، لحظة لا تعد ولا تحسب خلفت وراءها العشرات بين قتيل وجريح مضرج في دمائه، كلمح البصر أو أقل كان هنا يسقي وكنا هنا نصب الماء في (التبريك)، هنا على رأس البئر كان (الدومة) يقف وأنا أناوله الدلو هكذا تحدث (عبد الكريم) حتى رأيته يهوى على الأرض والدماء تنزف منه كالنافورة، سمعت آخر كلماته (لا إله إلا الله ) لم يقل بعدها شيئا لتشخص أبصاره ويهدأ جسده المنتفض ، هكذا كان الرحيل المر والرحيل الفجيعة (للتومة) لها ولصغيرها وتركهما للوحدة  والظلمة وطول الليل والخوف من كل صوت وقادم مجهول حتى حفيف ورق الشجرة وشقشقة العصافير فوقها تملأ نفسها بالخوف .
ومن يومها بدأت الرحلة نحو المجهول مغادرة بالنفس والروح لا مال ولا متاع ، مدخرات العمر التهمتها ألسنة النار فلم تبق منها ذرة بل رماد تحسوه الرياح ، للرصاص صوت مرعب يخطف القلب  أو لكأنه يصارع ليخرج من مكمنه ، هكذا خرج كل في اتجاه ، تنادت الأصوات وارتفعت الصرخات مجموعات وفرادى نساء ورجالا أطفالا وصبية وصبيات في عمر التفتح ، زاغت منهن الأبصار وامتلأت دواخلهن بالخوف والهلع فضربن في الأرض بلا هوادة وهوية نجاة بالروح والنفس والعرض ، معهن خرجت ومثلهن تلفحت بثوبها رابطة نصفه في وسطها وتقنعت بباقيه تحتضن صغيرها وتضمه الى صدرها بقوة ، تتناوشها الأفكار والهواجس وهي لا تعلم شيئا تتبع الهاربين ركضا في طريق هروبهم ووراءهم ما زالت أصوات الرصاص تتناثر وألسنة النار تحرق القرية ويرتفع الدخان ليغطي الفضاء ويرفع من وتيرة الخوف والهلع ، فرت الغنيمات والبقيرات في كل الاتجاهات حتى هن لحقهن ما لحق أصحابها وصويحباتها ويوثق الزمان مأساة من المآسي الكثيرة التي تفجرت هنا وهناك مخلفة وراءها النحيب والعويل وتفريق بين الأمهات والبنات والآباء والأولاد ولتشهد الأرض أرامل وأيتاما بلا عائل ولا ولي ، هكذا بين غمضة عين وأختها فارقت (التومة) القرية والأرض لتتلقفها أطراف المدن في رحلة مجهولة وجديدة من الحياة ولتبقى عبثية القتل وسفك الدماء والموت (سمبلة) سبة وليروي الزمان والتاريخ مآسي هذا الجزء من الوطن.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق