السودان: العيكورة يكتب: ولحق بك عُمرٌ يا عُمر

بقلم: صبري محمد علي (العيكورة)
يُقال أن الأحزان تتجدد والجروح تتفتق بإسترجاع المواجع أو رؤية القرائن التى تحمل سمات من مضوا الى ربهم وكثيراً ما يفتقد الشخص إذا مرّ بحياة الناس ما كان لميتهم به شأنٌ من الصفات كمن اشتهروا بسماحة الاخلاق و الفزع عند الملمات بعبارة (إن شاء الله يوم شكرك ما يجي). بالأمس نعيت إبن الخال المغفور له بإذن الله الدكتور عمر حمزة الذي ودع دنايانا الفانية ليلة أمس الأول، قضيتُ ليلة البارحة أرد على هواتف من تواصل مُعزياً أو كتب على الوسائط او على صفحتي (بالفيسبوك) متجلداً صبوراً وما أراح نفسي هو صبر أسرته وأبنائه وأحسبُ أن ذلك من صلاح الأب (وكان أبوهما صالحا) فأسأل الله أن يربط على قلوبهم صبراً وإحتسابا وأن لا يجدُ الشيطان الى صبرهم سبيلا. رجعت بي الذاكرة لذات الأيام التي تعيشها القرية والأسرة وقبل سبعة عشر عاماً تحديداً إذ إحتسبنا إبن (الخالة) الدكتور عمر عبد الله الطيب أخصائي جراحة العظام، فزاد الوجعٌ ونزف جرح ظللنا نُضمدُه خلسةً طيلة هذه السنوات، كما قلت لإبن الخالة الأستاذ صلاح مبارك حاج فضل الله أننا أصبحنا كبار العائلة وعلينا التصبر والتجلد وإسترجعنا مواقف كبارنا عند الملمات وحين يعلو العويل ويغيبُ العقل وتطغى العاطفة كنا نلوذ بكبارنا فبمن يلوذُ أبنائنا وبناتنا إذا إنهار آبائهم؟. كُنّا نجد العمامات الشارفة هي من يلتفُ الناس حولها وهي تستقبل الضيوف وتكرم في شموخ لا يظهرون الحزن مهما بلغت بهم الفاجعة وقلت له وقد جاء دورنا يا (صلاح) وعلينا أن نكون قدر المسؤولية وهي الصبر وما أقساهُ.
كان أحمد ود التاي عندما تحدث حالة وفاة بالفريق أول ما يفعله يذهب لمخزنه ويخرج جوالاً من الذُرة يرسله عبر (الكارو) للطاحونة لاهل العزاء! أليست هذه هي (أصنعوا لآل جعفر طعاماً). قلتُ له يا صلاح من منّا ينسى الطيب عبد القادر (القوس) الذي نعى له الناعي إبنه البكر في حادث (تراكتور) بمشروع السُوكي الزراعي وقد جيئ بالجثمان مُسجى على مشارف القرية في ليلة حالكة الظلام أذكرها جيداً فكيف ثبت الرجل وتصبر حتى فلق الصباح وحان وقت الأذان فتوضأ لرفعه وكان هو مُؤذن القرية حينها حاول بعض الرجال إثنائه أن يؤذن غيره تقديراً للفاجعة ولكنه رفض وقال قولته المشهودة: (والله عِلاّ أأذن أنا كيتاً في الشيطان). ومواقف الثبات والصبر كانت كثيرة ومشهودة بين جدودنا وآبائنا وتختصر الدين كله في ساعة صبرٍ وثبات ونحسبهم من ذوي الحظ العظيم (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يُلقاها إلا ذو حظٍ عظيم).
سبق عمر عبد الله الطيب عمر حمزة بعام واحد بكلية الطب جامعة الخرطوم. ولأن الشابين كانا مهمومين بقريتهما فلم تنقطع القوافل الصحية عن (العيكورة) تتخذ من ديوان (ود الطيب) مقراً لها تقدم الطبيب والعلاج مجاناً. نذكرها جيداً كما لو كانت بالأمسِ عندما كنا صغاراً ومشهد النساء وأطفال القرية يتوافدون على الديوان ويتولى (عمرٌ وعمر) تنظيم الدخول والعيادة. نمت بين الشابين مودة ونبوغ مبكر متشرباً بسماحة القرية البسيطة فهما أبناء خؤولة وعُمُومة وزملاء دراسة وحتى بعد أن تفرقت بهما سُبل كسب العيش فسافر عمر عبد الله إلى سلطنة عُمان ثم دولة الإمارات العربية المتحدة وسافر عمر حمزة إلى المملكة العربية السعودية إلا أنه قد جمعت بينهما الاجازات والدواوين وصينية (الكسرة) كما جمع بينهما إمتهانهما لذات التخصص وهو (جراحة العظام) وحب القرية وطيبة أهلها وبر الوالدين والسخاء والتواضع. ذات مرة طلبت من عُمر عبد الله وكنت بالمرحلة المتوسطة بنطلون (جينز) وكان هو قادمٌ في عطلة من الإمارات فسألني عن سور القرآن التي أحفظها فكنت أقول له أسماء السور التي أحفظها وفي كل كان يُومئ برأسه (أن لا) ثم قال لي ضاحكاً أن ما أحفظه من سُور لن يُلبسني (جينزاً) وعلىّ أن أسمع له صورة (يس)، إذا ذاك جيل كان يعمل لغير دنيانا التي نعيشها. كانا صادقين زاهدين طامعين في ما عند الله فعمر الأول كان طبيباً عالماً متواضعاً عطاءاً سخياً واصلاً لرحمة مجاهداً عرفته أحراش الجنوب حينها يجري العمليات تحت ظل الشجر. وعمر الثاني كان أيضاً طبيباً عالماً متواضعاً ذو أيادٍ بيضاء وخبايا مع ربه.
اللهم إنا نشهد لعمر وعمر بكل خيرٍ فأجمعنا بهما في جناتك غير مُبدلين ولا مفتونين اللهم وتقبلهما قبولاً حسناً مع المقربين الأطهار في روحٍ وريحان وجنّة نعيم [إنا لله وإنا إليه راجعون].

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق